الوسم: موقع المحامي

  • العلاقة السببية في جرم الاحتيال

    لا يكفي لقيام الركن المادي لجرم الاحتيال أن يمارس الفاعل خداعة بإحدى الوسائل الخمس التي أوردها المشرع، و أن تتحقق نتيجة الجريمة وهي تسليم المجني عليه للمحتال مالا نتيجة الغلط الذي أوقعه به بخداعه، بل لابد أن تتوفر رابطة سببية بين النشاط و النتيجة، بحيث يمكن القول أن النتيجة قد سببها النشاط.

    بناء على ذلك فإن علاقة السببية في الاحتيال تستلزم لقيامها ثلاثة شروط مجتمعة:

    – الرابطة السببية بين فعل الخداع والغلط

    – الرابطة السببية بين الغلط والتسليم

    – وجوب أن يسبق فعل الخداع تسليم المال

    وباجتماع هذه الشروط الثلاثة تعتبر جريمة الاحتيال قد ارتكبت تامة. وفي حال انتفاءها أو انتفاء أحدها تنتفي رابطة السبية.

    إلا أن انتفاء رابطة السببية وإن كان يحول دون تحقق جريمة الاحتيال التامة فقد يتحقق به الشروع في الاحتيال إذا توافرت شرائطه، كما سنرى لاحقا.

    الشرط الأول – الرابط السببية بين فعل الخداع والغلط.

    يجب أن يكون فعل الخداع هو الذي أوقع المجني عليه في الغلط.

    ويتحقق هذا الشرط عندما يؤدي الخداع الذي يمارسه الفاعل إلى جعل المجني عليه يفهم الأمور على غير حقيقتها ويعتقد أن بتسليمه المال سيحقق منفعة أو مصلحة ما.

     بالتالي إذا كان المجني عليه عالما بحقيقة ما وقع عليه من خداع، أو اكتشف هذا الخداع، معنى ذلك أنه الم يقع في الغلط، فإذا سلم مالا بالرغم من ذلك، فلا تقوم رابطة السببية في هذه الحالة، باعتبار أن نشاط الفاعل لم يؤدي إلى وقوع المجني عليه في الغلط ودفعه إلى التسليم، وإنما قد يتم هذا التسليم لاعتبارات أخرى لا صلة لها بفعل الخداع .

     وتطبيقا لذلك أن يزعم شخص بكونه تاجر كبير أمام المجني عليه، وأنه يستثمر أموال العديد من الناس بمردود مغر، وكان حاضرا أثناء ذلك مجموعة من الأشخاص استعان بهم الفاعل لتأييد مزاعمه، فقام المجني عليه بتسليمه مبلغا من المال تحت تأثير الخوف من هؤلاء الأشخاص على الرغم من أنه اكتشف ذلك الكذب ولم يقع في الغلط. أو أن يحاول شخص الحصول على مبلغ من المال من أخر مدعيا أنه يجمع تبرعات لمؤسسة خيرية، فيكتشف الشخص الآخر خداعه، ولكنه يسلمه مع ذلك مبلغا من المال رغبة منه في التخلص من إلحاحه .

    ففي هذه الحالات تنتفي الرابطة السببية بين فعل الخداع وتسليم المال لأن فعل الخداع لم يؤدي إلى وقوع المجني عليه في

    غلط. ويختلف الحكم، وتتوافر رابطة السببية تبعا لذلك بين فعل الخداع و الغلط إذا أدى فعل الخداع إلى وقوع المجني عليه في غلط، حتى ولو لم يكن فعل الخداع هو السبب الوحيد الدافع إلى هذا الغلط، فيكفي أن يكون فعل الخداع أحد الأسباب التي أسهمت في الوقوع في الغلط الدافع إلى تسليم المال.

    وتطبيقا لذلك، إذا كان المجني عليه في مثالنا السابق عن التاجر قد صدق مزاعم التاجر المزعوم ووقع في الغلط، إلا أن تسليمه للمال لم يكن فقط بسبب الغلط الذي أوقعه فيه خداع المحتال، بل كان أيضا بسبب حبه للتفاخر و الظهور ،أمام الأشخاص الموجودين، بمظهر الثري المقتدر رغبة منه في الحصول منهم أو من أحدهم على بعض المزايا. فهنا رابطة السببية بين النشاط و الغلط تعتبر متوفرة بالرغم من عدم إنفراد النشاط في إيقاع المجني عليه في الغلط.

    الشرط الثاني – الرابطة السببية بين الغلط والتسليم.

    أي أن يسلم المجني عليه المال للمحتال نتيجة للغلط الذي أوقعه فيه بخداعه، فالغلط يجب أن يكون هو الدافع إلى التسليم. وبناء على ذلك تنتفي رابطة السيبية بين الفعل والتسليم إذا لم يكن الغلط هو الذي دفع المجني عليه إلى تسليم ماله وإنما كان سيسلم المال ولو لم يقع في غلط، لأن ثمة اعتبارات أخرى هي التي حملته على التسليم .

     والمثال على ذلك أن يدعي أحدهم أمامك بأنه يجمع تبرعات لمؤسسة خيرية، فتسلمه مبلغا من المال، ليس لأنك قد انخدعت بزعمه، وإنما لأنك معتاد على التبرع والإحسان للأخرين.

    وهناك فرضية أخرى تنتفي فيها رابطة السببية بين فعل الخداع والتسليم، إذا تم التسليم ليس بسبب الغلط الذي حاول الفاعل إيقاع المسلم به، وإنما بسبب غلط أخر وقع به الأخير لم يكن للفاعل شأن به.

    مثال ذلك أن يدعي احدهم كذبة أن لديه شركة تدر أرباحاً طائلة ويطلب من أحدهم مالا ليستثمره له، فيسلمه المال، ويثبت بعد ذلك أن تسلیم المال لم يكن بسبب الإدعاء بوجود الشركة، فهذا الإدعاء لم يكن محل اعتبار في نظره، بل كان التسليم بناء على تشابه في الأسماء بين الفاعل وبين شخصية تجارية معروفة، لم يستغله الفاعل، بل انخدع به مسلم المال من تلقاء ذاته .

    الشرط الثالث – ضرورة أن يسبق فعل الاحتيال تسليم المال.

    إن تدرج جرم الاحتيال من خداع إلى غلط إلى تسليم يفترض أن يكون النشاط سابقاً على النتيجة حتى يمكن القول بأن النشاط سبب النتيجة، وهذا التدرج يجب أن يكون بذات الترتيب المذكور وإلا انتفت الرابطة السببية.

     وبناء على ذلك لا تتوافر رابطة السيبية بالنسبة لمن يتسلم المال من المجني عليه دون احتيال ثم يصدر عنه خداعا بإحدى وسائله الخمس كي يتمكن من الفرار بالمال أو التخلص من التزام نشأ في ذمته نتيجة لتسلمه هذا المال.

    والمثال على ذلك أن يسلم صاحب محل المجوهرات الزبون عقدا ثمينا ليفحصه، ثم يدعي الزبون اسم مستعارة أو صفة كاذبة كي يشغله ويتمكن من الفرار به بذريعة أنه يريد أن تفحصه زوجته الموجودة في السيارة.

     ففي هذه الواقعة أتى فعل الخداع بعد التسليم، بالتالي تنتفي الرابطة السيبية، وينتفي جرم الاحتيال تبعا لذلك، ويعتبر الفعل سرقة كون التسليم الحاصل فيها قد نقل اليد العارضية فقط .

  • الاحتيال عن طريق التمهيد لظرف أو الافادة منه مع أمثلة

    هذه هي الوسيلة الثالثة من وسائل الاحتيال التي ذكرها نص المادة 641 بعبارة أو بظرف مهد له المجرم أو ظرف استفاد منه.

     والظرف هو الواقعة أو الشيء الذي يربط المحتال بينه وبين أكاذيبه لكي يدعهما به. و الظرف الذي مهد له المجرم أو استفاد منه هو الظرف الذي أوجده غير المحتال، أي الظرف الذي من صنع غيره لا من صنعه هو.

    وبهذا التحديد للظرف يتضح الفرق بين هذه الوسيلة وبين الوسيلة الأولى من وسائل الاحتيال. فإذا كان المحتال في الوسيلة الأولى هو الذي يصنع المظاهر الخارجية التي تدعم وتؤيد كذبه، فالمحتال في الوسيلة الثالثة ليس هو الذي يصنع الظرف ولا يتحكم في إعداده، فهو من صنع الغير وإعداده، لهذا فموقف المحتال منه موقف الممهد له أو المستفيد منه.

    وبرأينا أن هذا الرأي لا يمكن الأخذ به لأنه يجعل النص على الوسيلة الأولى (استعمال الدسائس) والمتعلقة بالمظاهر الخارجية فارغ المضمون ولغو لا فائدة منه.

    ولهذا لا تتحقق الحكمة من إيراد الوسيلة الأولى بصورة مستقلة عن الوسيلة الثالثة إلا بالقول أن المظاهر الخارجية في الوسيلة الأولى هي من صنع المحتال، بينما الظرف في الوسيلة الثالثة هو من صنع غير المحتال.

    والاستعانة بظرف عن طريق تمهيد المجرم له يتحقق بضم المجرم لنشاطه إلى هذا الظرف حتى يتمكن من الاستعانة به لتدعيم أكاذيبه، بمعنى أن الظرف وحده لا يصلح بذاته لإفادته.

    أما الاستعانة بظرف عن طريق الاستفادة منه فتتحقق دون حاجة إلى إضافة أي نشاط ما إليه .

    ومن أمثلة الاستعانة بظرف عن طريق تمهيد المجرم له، أن ينتهز المحتال فرصة مزاد أقيم لبيع مقتنيات تاريخية فيدس بين المعروضات للبيع منقولاته الخاصة.

     أو أن ينتهز فرصة غرق سفينة، وعدم العثور على جثث الكثير من ركابها، فيدس بين المخلفات التي عثر عليها ما يفيد فقدان شخص مؤمن على حياته لصالح المحتال، مع أن هذا  الشخص ما زال حياً ويقيم في دولة أخرى ولم يعلم بما فعله المحتال بشأنه.

     ومن أمثلة الظرف الذي لا يتدخل فيه المجرم بأي نشاط وتتحقق استفادته منه بالحالة التي وجده عليها، وقوف المحتال على مقربة من حفل خيري وطلب التبرع على نحو يوهم الجمهور بأنه يتولى جمع التبرعات ليسلمها للجهة الخيرية التي أقيم الحفل من أجل مساعدتها.

     أو وقوف المحتال على مقربة من مكان مات فيه المعيل الوحيد لعائلة، والطلب من المشاركين في التشييع معونة للأسرة المنكوبة، على نحو يوهمهم بأنه يتولى جمع تلك المعونة الأسرة المتوفي.

  • الاحتيال عن طريق تلفيق أكذوبة أيدها شخص ثالث مع أمثلة عنها

    هذه الوسيلة الثانية من وسائل الاحتيال التي عددتها المادة 641، وعبرت عنها بعبارة

     “تلفيق أكذوبة أيدها شخص ثالث ولو عن حسن نية.

     وكما أشرنا سابقا بأن الوسيلة الأولى، وهي استعمال الدسائس، تشكل النموذج العام للكذب المدعم بمظاهر خارجية، وهذا المظاهر يجب أن تتمثل بأشياء مادية أو بشخص الفاعل نفسه دون سواه.

    أما هذه الوسيلة الثانية فتشكل نموذجاً خاصاً للكذب المدعم بمظاهر خارجية، وهذه المظاهر لا تتمثل إلا بتدخل شخص ثالث.

    ولا ريب في أن الإنسان يتشكك عادة بالمزاعم الصادرة عن شخص واحد، ويزداد تشككه حين يكون من شأن تصديق هذه المزاعم تجريده من بعض ماله.

     إلا أن تدخل شخص أخر يؤيد مزاعم المحتال يجعل من هذه الإدعاءات أقرب إلى التصديق من قبل المجني عليه، لاسيما إذا كان هذا الشخص يبدو محايداً لا مصلحة له من تدخله، أو إذا كان ظاهر الحال يوحي بأنه ليس له مصلحة في الكذب، أو كان يبدو من تدخله الرغبة في الخير أو في تحقيق مصلحة المجني عليه على وجه الخصوص.

    ويشترط لاعتبار الاستعانة بشخص ثالث من وسائل الاحتيال شرطان :

    الأول:

    أن يكون المحتال هو الذي حمل الشخص الثالث على التدخل ودفعه إلى تأكيد أكاذيبه. أما إذا تدخل هذا الشخص تطوعا لتأييد هذه الأكاذيب، فإن هذا التدخل لا يشكل هذه الوسيلة الاحتيالية، ولا تقوم مسئولية الفاعل في هذه الحالة لأن فعله لم يخرج عن حدود الكذب المجرد الذي لا يرقى لمرتبة الوسائل الاحتيالية .

     وعندما يحمل المحتال شخص ثالثاً على التدخل لتأييد كذبه تقوم هذه الوسيلة الاحتيالية سواء أكان الشخص الثالث غريبة حسن النية أو كان شريكا للفاعل.

     وتطبيقاً لذلك إذا أيد شخصان كل منهما الآخر في أنه قادر على استحضار الأرواح ومخاطبة الجن، وأكد كل منهما صحة مزاعم الأخر في أنه قادر على ذلك، فإن هذا التأييد يعتبر من قبيل تدخل شخص ثالث، ويعتبر الشخصين فاعلين أصليين لجرم الاحتيال.

    أما إذا زعم أحدهما هذه القدرة و أيده الأخر مع علمه بكذبه، فالأول فاعل و الثاني شريك.

     أما إذا كان الشخص الثالث حسن النية، وكان هو الأخر مغشوشاً ومخدوعاً بكذب المحتال، فيقوم الجرم على الفاعل ولا يسأل الشخص الثالث.

    إلا أنه يشترط دائما لقيام هذه الوسيلة الاحتيالية أن يكون الشخص الثالث قد تدخل بسعي المحتال وتدبيره وإرادته لا من تلقاء نفسه بغير طلب أو اتفاق.

     والثاني:

    أن يضيف الشخص الثالث بتدخله إلى مزاعم المحتال شيئاً جديداً يجعل هذه المزاعم أكثر ثقة وأحرى بالقبول لدى المجني عليه.

    أما إذا كان هذا الشخص مجرد رسول يبلغ المجني عليه أكاذيب المحتال دون أن يضيف إليها شيئا من عنده، فلا تتوفر بتدخله هذه الوسيلة الاحتيالية لأن تدخله لم يشكل سوى ترديد الأكاذيب الفاعل، ولم يضف شيئا جديدة عليها. لكن الوضع يتغير وتتحقق هذه الوسيلة إذا تجاوز الرسول حدود مهمته وأضاف أقوالا صادرة عنه ولها ذاتيتها المستقلة عن أكاذيب المحتال، مما عزز ودعم هذه الأكاذيب وكان لها تأثير في تصديق المجني عليه لها ووقوعه في حبائل المحتال يتسليمه مالا بناء على هذا التدخل.

    نخلص من ذلك أنه لا بد لقيام هذه الوسيلة الاحتيالية من أن يكون تدخل الشخص الثالث قد حصل بسعي المحتال و تدبيره، وأن يكون هذا التدخل صادرة عن شخص المتدخل وليس مجرد ترديد الأكاذيب المحتال .

    ومتى توفر هذان الشرطان فلا أهمية بعد ذلك للطريقة التي تم بها تدخل الشخص الثالث، فقد تكون مباشرة في صورة القول الشفوي الذي يصدر عن هذا الشخص أثناء حديث المحتال مع المجني عليه، وقد تكون غير مباشرة في صورة الاتصال بالمجني عليه بأية وسيلة كانت بالكتابة أو بالهاتف أو بأية وسيلة اتصال أخرى .

     ويستوي في قيام هذه الوسيلة أن يكون الشخص الثالث مستخدمة لدى المحتال أو أن يكون وكيلا له، أو أن يكون وكيلا للمجني عليه، أو أن لا تكون له صلة بهما أصلاً.

     كما يستوي أن يكون الشخص الثالث حسن النية مخدوعا هو الأخر بأكاذيب المحتال، وسخره المحتال لمصلحته، أو أن يكون سيء النية تدخل إضرارا بالمجني عليه.

  • جرم الاحتيال و أركانه وعقوبته في القانون السوري

    الاحتيال

    لم يعرف المشرع السوري الاحتيال كما عرف السرقة، وإنما اكتفى بنص المادة 641 من قانون العقوبات بذكر الوسائل أو الطرق التي يقع بها، بمعنى أن الاستيلاء على المال لا يعتبر احتيالا إلا إذا حصل بإحدى هذه الوسائل حصرا.

     ويعرف الفقه الاحتيال بأنه “الاستيلاء بطريق الحيلة أو الخداع على مال مملوك للغير بنية تملكه”.

     إذن يتمثل الاحتيال بلجوء الفاعل إلى الحيلة والخداع، تجاه المجني عليه، مستخدما إحدى الطرق التي حددها المشرع، فيقع المجني عليه في الغلط فيسلمه ما معتقد بأن مصلحة له ستتحقق من خلال هذا التسليم.

    فغاية أو هدف الاحتيال هو الاستيلاء على مال، ومن ثم لا يقوم الاحتيال إذا كانت غاية الفاعل بخداع المجني عليه الحصول على شيء لا يعتبر مالا، كما لو استهدف الفاعل بخداعه لفتاة النيل من عرضها أو حملها على قبول الزواج به.

    أما نص المادة 641 من قانون العقوبات فجاء كما يلي

     “1- كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو أستادا تتضمن تعهدا أو إبراء فاستولى عليها احتيالا:

    إما باستعمال الدسائس.

    أو بتلفيق أكذوبة أيدها شخص ثالث ولو عن حسن نية.

    أو بظرف مهد له المجرم أو ظرف استفاد منه.

    أو بتصرفه بأموال منقولة أو غير منقولة وهو يعلم أن ليس له صفة للتصرف بها.

    أو باستعماله اسم مستعار أو صفة كاذبة.

    عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من مائة إلى خمسمائة ليرة.

     2- يطبق العقاب نفسه في محاولة ارتكاب هذا الجرم”.

    بتحليل هذا النص يتضح أنه يتضمن بيانا لأركان الاحتيال، وتحديد حصرية لوسائله أو طرقه، والأموال التي يقع عليها، والعقوبة التي تفرض على مرتكبه، وهي ذاتها التي تفرض على الشروع فيه.

     

    الاحتيال والسرقة

    تتفق جريمة الاحتيال مع جريمة السرقة في أن كلاهما تنطويان على اعتداء على ملكية الغير، وأن هدف الاعتداء هو تملك المال المستولى عليه.

    بيد أن الفارق بينهما يظهر في محل الجريمة وفي النشاط الجرمي.

    فمحل جريمة السرقة لا يكون إلا ما منقولا، أما محل جريمة الاحتيال فقد يكون ما منقوط أو عقارة (علما بأن الاحتيال في التشريع المصري يطلق عليه وصف النصب، و محله لا يكون إلا مالاً منقولاً) نص المادة 336 من قانون العقوبات.

    أما النشاط الجرمي فيتمثل في السرقة بفعل الاستيلاء على المنقول عن طريق أخذه خلسة أو عنوة دون رضاء حائز .

    بينما يتمثل النشاط الجرمي في الاحتيال بفعل الخداع الذي يؤثر على إرادة المجني عليه فيوقعه في غلط يدفعه إلى تسليم المال إلى المحتال.

    إذن، في الاحتيال يتسلم المحتال المال من المجني عليه بإرادته ورضاه، إلا أن هذه الإرادة مشوبة بغلط نتيجة لخداع المحتال.

     

    الاحتيال والتدليس

    يقترب الاحتيال أيضاً من مفهوم التدليس في القانون المدني فكلاهما يتضمن نشاطا غايته إيقاع شخص في الغلط. بيد أن هذا الاقتراب يتوقف عند هذا الحد.

     فالتدليس في المفهوم المدني يتمثل بقيام شخص بالغش والكذب على أخر اليحمله على إبرام عقد أو على إجراء تصرف قانوني بوجه عام، سواء أكان من شأنه إنشاء حق عيني أو شخصي أو تعديله أو نقله أو انقضاءه.

     فدائرة التدليس تتسع لتشمل كل تصرف قانوني، وهو يقوم بمجرد الكذب العادي أو مجرد الكتمان أو السكوت قصدأ كسلوك سلبي.

    والتدليس مجرد عيب من عيوب الرضا يستتبع بطلان العقد أو التصرف، ويوجب التعويض.

    أما الاحتيال فغايته الاستيلاء على مال الغير بالذات بإحدى الطرق التي حددها المشرع، و هو لا يقوم بمجرد الكذب العادي أو مجرد السكوت بل لا بد أن يكون مدعمة بمناورات احتيالية.

    فدائرة الاحتيال إذن تقتصر على التصرفات التي تتيح للفاعل الاستيلاء على المال وتملكه.

    فهو إذن وسيلة للاعتداء على الملكية.

    واستنادا لمفهوم الاحتيال الوارد في المادة 641، فإن دراسته تقتضي منا تفصيل أركانه، ومن ثم بیان عقابه.

     – أركان جريمة الاحتيال – عقاب جريمة الاحتيال

     

    أركان جريمة الاحتيال

    تقوم جريمة الاحتيال على ثلاثة أركان: ركن محل الجريمة، وركن مادي، وركن معنوي.

    أما ركن المحل فهو الموضوع الذي ينصب عليه النشاط الجرمي، والمتمثل بالمال المنقول أو العقار المملوك للمجني عليه، والركن المادي يتكون من فعل خداع يترتب عليه نتيجة وهي تسليم مال، وعلاقة سببية بين الأمرين.

     أما الركن المعنوي فقوامه القصد الجرمي الذي يتميز باشتماله على قصد خاص، متمثلا بنية تملك المال، إضافة للقصد العام.

    استنادا لذلك سنقسم الدراسة إلى ما يلي: – ركن المحل – الركن المادي – الركن المعنوي

    عقوبة جرم الاحتيال في القانون السوري

    حدد المشرع في المادة 641 من قانون العقوبات عقوبة الاحتيال البسيط، ثم نص في المادة 642 على طرفين مشددين ينبني عليهما مضاعفة عقوبة الاحتيال البسيط والعقاب في الحالتين ذو وصف جنحي. بالإضافة لهذا العقاب فقد نص المشرع في المادة 655 من قانون العقوبات على عقوبة إضافية أو فرعية تتمثل بنشر الحكم الصادر بالإدانة.

    عقاب الاحتيال البسيط

    تضمنت المادة 641 عقوبة الاحتيال البسيط وهي الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من مائة إلى خمسمائة ليرة.

    والجريمة على هذا الأساس جنحة، والجمع بين الحبس والغرامة، مبدئيا وجوبي.

    إلا أن ذلك لا يحول دون إمكانية الحكم بالغرامة فقط أو تحويل العقوبة الجنحية إلى عقوبة تكديرية إذا وجدت المحكمة في القضية أسبايا مخففة تقديرية، وذلك استنادا لنص المادة 244 من قانون العقوبات .

    إضافة لعقوبة الحبس والغرامة التي نصت عليهما المادة 641، أجازت المادة 655 من قانون العقوبات للقاضي أن يأمر في حالة تكرار الاحتيال بعقوبة إضافية، وهي نشر حكم الإدانة في جريدة أو جريدتين يعينهما القاضي .

    وقد سوى المشرع، في الفقرة الثانية من المادة 641، في العقوبة بين جريمة الاحتيال التامة وجريمة الشروع فيها.

     

    عقاب الاحتيال المشدد

    نصت المادة 642 من قانون العقوبات على طرفين مشددين للاحتيال، بقولها: تضاعف العقوبة إذا ارتكب الجرم في إحدى الحالات الآتية:

    أ- بحجة تأمين وظيفة أو عمل في إدارة عمومية.

    ب- بفعل شخص يلتمس من العامة ما لإصدار أسهم أو سندات أو غيرها من الوثائق لشركة أو لمشروع ما”.

    والأثر الذي يترتب على توافر أحد هذين الطرفين هو مضاعفة عقوبة الحبس والغرامة، وينصرف الأمر إلى الحدين الأدنى والأعلى معا، فتصبح العقوبة الحبس من ستة أشهر إلى أربع سنوات والغرامة من مائتي ليرة إلى ألف ليرة.

    وبالنظر إلى هذه العقوبة تبقى جريمة الاحتيال محتفظة بالطابع الجنحي، بالرغم من الخروج فيها على القواعد العامة في مدة الحبس عما هو مقرر في الجنح، ويبرر هذا الخروج نص المشرع صراحة على ذلك.

    فقد نصت المادة 51 من قانون العقوبات على أن

    ” تتراوح مدة الحبس بين عشرة أيام وثلاث سنوات إلا إذا انطوى القانون على نص خاص “.

  • تخفيف عقوبة السرقة بسبب تفاهة المال المسروق أو إعادته

    لقد راعى المشرع أيضا في منح العذر المخفف التوازن بين الضرر الذي أصاب المجني عليه في السرقة وبين العقاب، معتبراً أن الضرر الذي يصيب المجني عليه ضئيلا إذا كانت قيمة المال المسروق ضئيلة.

     كما أن إعادة المال المسروق في وقت محدد يستتبع إزالة الضرر الذي أحدثته السرقة، وهذا يستتبع بالنتيجة تخفيف العقاب على السارق.

     وقد أورد المشرع هذه الحالة من التخفيف في المادة 662 كما يلي:

     “1- تخفض إلى النصف العقوبات الجنحية المعينة في المواد التي تؤلف الفصل الأول والثاني والثالث إذا كان الضرر الناتج عنها أو النفع الذي قصد الفاعل اجتلابه منها تافهين أو إذا كان الضرر قد أزيل كله قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة.

     2- أما إذا حصل الرد أو أزيل الضرر أثناء نظر الدعوى ولكن قبل أي حكم بالأساس ولو غير مبرم فيخفض ربع العقوبة”.

    بتحليل هذا النص نلاحظ أن تخفيف العقاب الوارد فيها لا يقتصر فقط على السرقة بل يشمل أيضا الاحتيال وإساءة الائتمان.

    والتخفيف فيها قاصر على الجنح فقط. وبالنسبة للسرقة فهو يشمل الجنح سواء كانت السرقة البسيطة أم السرقات المخففة أم السرقات المشددة تشديدة جنحية الواردة في المواد 628 – 629، وبذلك يستبعد التخفيف في جنايات السرقة.

    والتخفيف هنا يتناول حالتين:

     الأولى:

     إذا كان الضرر الناتج عن الجريمة أو النفع الذي قصد الفاعل الحصول عليه تافها، وهذا يعني كون المال المسروق تافه القيمة.

    ويعود لقاضي الموضوع تقدير ذلك.

    وفي هذه الحالة تخفض العقوبة إلى النصف.

     والتخفيف يشمل الحد الأدنى والحد الأعلى للعقوبة على السواء.

     الثانية:

     إذا كان النفع أو الضرر غير تافهين، فنكون أمام الاحتمالات التالية:

     – إذا لم يقم السارق برد المسروق عيناً أو قيمته نقداً، فلا تخفيف في هذه الحالة.

     – إذا رد السارق المال المسروق أو قيمته نقدا قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة تخفض العقوبة إلى النصف.

     – إذا رد المال المسروق أو قيمته نقدا أثناء نظر الدعوى وقبل أي حكم في الأساس، ولو غير مبرم، يخفض ربع العقوبة فقط.

     – إذا رد المال أو قيمته نقدا بعد صدور حكم في الأساس، ولو غير مبرم، فلا تخفف العقوبة.

  • جرم سرقة المزروعات المتصلة أو المنفصلة عن الأرض

    سرقة المزروعات المنفصلة عن الأرض

    جاء النص على هذه السرقة في المادة 631 كما يلي:

    “1- كل من يسرق ما كان محصودة أو مقلوعة من المزروعات وسائر محصولات الأرض النافعة أو كدساً من الحصيد يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة مائة ليرة.

     2- وإذا تعدد السارقون أو وقعت السرقة نقلا على العربات أو الدواب يكون الحبس من ستة أشهر إلى سنتين والغرامة مائة ليرة.

    بتحليل هذا النص نلاحظ أن موضوع السرقة فيه عبارة عن محصولات الأرض النافعة المحصودة أو المقلوعة، أي المنفصلة عن الأرض.

    وقد أشار النص إلى ظرفي تشديد لهذه السرقة.

    – والمحصولات المحصودة أو المقلوعة تعني كل ما تنتجه الأرض تلقائياً أو بفعل الإنسان، بشرط أن يكون نافعاً.

    ونفع هذه المحصولات غير مقيد بمجال معين، فقد يكون المحصول غذاء للإنسان أو الحيوان، وقد يستعمل في صناعة أو تجارة، أما إذا كانت غير نافعة كالأشواك وأوراق الشجر التي سقطت على الأرض فينتفي عنها وصف المال ولا يعاقب على أخذها.

     وكل ما هو مطلوب أن تقع السرقة على المحصول النافع في حالته الطبيعية في الحقل بعد الحصاد أو القلع مباشرة، أي يشترط انفصاله عن الأرض.

     وما إشارة المشرع إلى عبارة ” كدسة من الحصيد ” إلا من قبيل التأكيد على أن هذه المحصولات يجب أن تكون منفصلة عن الأرض.

    وما يميز كدس الحصيد عن غيرها من المحصولات المنفصلة عن الأرض هو أنها صنفت أقسام وربطت وحدات كل قسم على حدة.

    ويفترض لتطبيق نص الفقرة الأولى من المادة 631 أن تتعرض هذه المحصولات إلى السرقة من قبل شخص واحد، عندئذ يعاقب فاعلها بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة.

    – أما إذا تعدد فاعلى هذه السرقة أو استعان السارق الواحد بالعربات أو الدواب لنقل المسروقات تصبح العقوبة، وفق الفقرة الثانية من المادة 631، الحبس من ستة أشهر إلى سنتين والغرامة.

     ويفسر هذا التشديد بكون التعدد و استعمال العربات أو الدواب يفيد أن كمية المحصولات المسروقة كبيرة مما اقتضى اشتراك أكثر من شخص في السرقة، أو اقتضی استخدام العربات أو الدواب لنقلها، مما يجعل هذه السرقة على قدر من الخطورة يبرر تشدید عقابها.

    سرقة المزروعات المتصلة بالأرض.

    جاء النص على هذه السرقة في المادة 632 كما يلي:

     إذا كانت المزروعات وسائر محصولات الأرض التي ينتفع بها لم تقلع و سرقت من الحقل بالزنابيل أو الأكياس أو الأوعية المماثلة أو بنقلها على العربات أو الدواب أو سرقت بفعل عدة أشخاص مجتمعين كانت العقوبة الحبس من شهرين إلى سنة”.

    بتحليل هذا النص نلاحظ أن موضوع السرقة فيه هو محصولات الأرض النافعة التي لم تحصد أو تقلع، أي المحصولات التي ما زالت بالحقل متصلة بالأرض.

    ويفترض النص الإيقاع العقوبة على السرقة أن ترتكب إما من شخص واحد بواسطة الزنابيل، أي السلال، أو الأكياس أو أي شيء مماثل، أو ينقلها بالعربات أو الدواب.

     وإما أن ترتكب هذه السرقة من قبل عدة أشخاص مجتمعين، سواء استخدموا الوسائل السابقة أم لا.

     والذي يجمع بين الصورتين هو أن كمية المال المسروق كبيرة، مما اضطر السارق لاستخدام الوسائل المذكورة، أو مما جعل مجموعة أشخاص يقومون بالاستيلاء عليها.

    وعند تحقق إحدى هاتين الصورتين يكون العقاب الحبس من شهرين إلى سنة.

    بيد أن هذه العقوبة تفترض وقوع السرقة في مكان لا يعتبر بذاته ظرفاً مشدداً للسرقة.

     فلو أن الحقل كان محاطاً بسياج أو مسورة بجدار وله باب مقفل، أو كان ملحقا بمسكن، لاعتبرت السرقة من داخله مشدداً تشديداً جنائياً، لأن الاعتداء فيها قد تم على مكان مقفل مصان بالجدران، أو على حرمة المسكن وملحقاته.

    سرقة المحاصيل المتصلة بالأرض ذات القيمة الزهيدة

    جاء النص على هذه الصورة الأخيرة في المادة 633 كما يلي:

     من سرق شيئا من محصولات الأرض أو ثمارها التي لم يتناولها المالك ولم يجنها وكانت قيمتها أقل من ليرة يعاقب بغرامة لا تتجاوز المائة ليرة.

    بتحليل هذا النص نلاحظ أن موضوع السرقة فيه يتمثل بمحصولات زراعية تطلب فيها المشرع شرطين: أن المالك الم يجنها بعد، وأن قيمتها أقل من ليرة.

     فلو أن شخصا قطف تفاحة أو برتقالة من أرض يملكها غيره، وكانت قيمة الثمرة لا تتجاوز الليرة الواحدة لتحقق الجرم الوارد في هذا النص.

    والملاحظ أن هذا الجرم هو أخف السرقات عقاباً، وهي السرقة الوحيدة التي تعتبر مخالفة عقابها الغرامة فقط، وهو الجرم الوحيد من جرائم السرقة الذي لم يفرض له المشرع عقوبة سالبة للحرية نظرا لتفاهة المال المسروق.

  • جرم السرقة أثناء الكوارث والاضطرابات والحرب

    جاء النص على هذه السرقة المشددة في الفقرة الأولى من المادة 627، كما يلي:

    يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة:

     1- كل من ارتكب سرقة في حالة العصيان أو الاضطرابات أو الحرب أو غرق سفينة أو أية نائبة أخرى”.

    إن علة تشديد السرقة في هذه الحالة تتمثل، من جهة، في سهولة ارتكاب الجريمة في الظروف المذكورة بالنص، نظراً لانشغال الناس بالكارثة الحاصلة و عدم حماية أموالهم بالشكل المعتاد في الأحوال العادية، ومن جهة أخرى، في الروح الإجرامية الدنيئة لدى الشخص الذي يستغل مصائب الناس فيقدم على سرقة أموالهم بدل أن يساهم كغيره في مواجهة الكارثة.

    والملاحظ من النص أن التشديد مناطه الوحيد هو ارتكاب السرقة خلال زمن معين يتميز بظروف خاصة استثنائية  تجعل السرقة أشد خطورة.

     ولم يشترط النص أي ظرف أخر للتشديد، كالوسيلة المستخدمة أو صفة السارق مثلا.

     ويجب التحقق هذا الظرف المشدد أن يكون هناك ظرف استثنائي أو كارثة عامة، أورد المشرع أمثلة عنها، كحالة العصيان أو الاضطرابات أو الحرب أو غرق سفينة، ثم أردف ذلك بالعبارة العامة أو أي نائبة أخرى”، مثل الزلازل والفيضانات والبراكين والحرائق والأوبئة، وأن ترتكب السرقة أثناء الكارثة حتى يمكن القول أن السارق قد انتهز هذا الوضع الاستثنائي لارتكاب جريمته.

    ولقد حددت محكمة النقض السورية مفهوم الذائبة في قرار لها، فقضت بأن

     ” مفهوم النائية يعني تعرض مجموعة كبيرة من المواطنين لحادث يلفتهم عن الاهتمام بحماية أموالهم ولا يجوز التوسع بحيث يشمل الحوادث الفرعية”.

     بالتالي لا مجال للتوسع بمضمون النص الذي أتي على ذكر كوارث عامة لها صفة الشمول بأثرها البالغ على المجتمع الذي تقع فيه، ولا مجال لشمول هذا النص على الحوادث الفردية ذات الأثر المحدود.

    وتطبيقا لذلك فإن السرقة المرتكبة أثناء ثورة بركان أو خلال فيضان أو سيول جارفة أو إيان انتشار وباء تعتبر سرقات مرتكبة إبان نائبة عامة.

     وقد اعتبرت محكمة النقض السورية أن

     «وقوع السرقة في زمن إعلان الإدارة العرفية أو حالة الطوارئ لا يكفي لتطبيق هذا الظرف المشدد، لأن إعلان حالة الطوارئ لا يجعل البلاد في حالة  نائية عامة” .

    ولقد حدد المشرع عقوبة السرقة المرتكبة أثناء الكوارث بالأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى خمس عشرة سنة.

1