الوسم: اشطر محامي في حمص

  • ماهي صور النشاط الجرمي في جرم اساءة الاًمانة؟

    النشاط الجرمي في إساءة الائتمان

    يتجسد النشاط الجرمي في إساءة الائتمان بالاستيلاء على الحيازة التامة للشيء الذي سبق تسليمه على سبيل الحيازة الناقصة بناء على وجه من وجوه الأمانة.

    وهذا الاستيلاء يتحقق بأحد الأفعال التي نصت عليها المواد 656-657، تلك الأفعال التي تكشف عن تغيير نية الفاعل من حائز حيازة ناقصة إلى حائز حيازة تامة، بأن تتجه نيته إلى ضم الشيء إلى ملكه، أو الظهور عليه بمظهر المالك.

    يتضح من ذلك أن جوهر النشاط الجرمي في إساءة الائتمان هو إرادة تغيير نوع الحيازة من ناقصة إلى تامة، هذه الإرادة التي يكشفها أحد الأفعال المذكورة بالنصوص السابقة.

     وعند انتفاء الاستيلاء بالمعنى السابق تنتفي إساءة الائتمان.

     وتطبيقاً لذلك لا يعد مسيئاً للائتمان من يتأخر في رد الشيء المسلم له في الوقت المحدد، أو من يهلك لديه الشيء نتيجة إهمال أو سرقة أو حادث مفاجئ كالحريق.

    فما دام الأمين لا يجحد حق ملكية المالك للشيء، ولا يدعي ملكيته له، فلا يسأل عن إساءة ائتمان إذا أخل بأي التزام أخر من التزامات عقد الأمانة.

     بيد أنه إذا ثبت بالدليل القاطع أن نية الأمين قد اتجهت إلى إضاعة الشيء على مالكه قامت الجريمة في حقه.

    ويجدر التنويه هنا إلى أن طبيعة النشاط الجرمي لا تختلف سواء كان المال قيمياً أو مثلياً، فهو دائما نشاط مادي يعبر عن إرادة تغيير الحيازة الناقصة إلى حيازة تامة، بصرف النظر عن الصورة التي يبرز من خلالها هذا النشاط.

     بيد أنه في المال القيمي، أي الذي يجب رده بالذات، فإن استيلاء الأمين عليه بأحد الأفعال المحددة في المادة 656، تقوم إساءة الائتمان في حقه إذا توفر الركن المعنوي، بدون أي شرط أخر.

     أما إذا كان المال مثلياً، أي الذي يمكن رد مثله أو نوعه، فإن إساءة الائتمان لا تقوم بمجرد الاستيلاء على هذا المال و الظهور عليه بمظهر المالك، وإنما يشترط أن ينذر المجني عليه الفاعل أولا بضرورة رد مثل ما استلمه، ثم لا يبرئ ذمته بعد الإنذار.

     وهذا ما اشترطه صراحة نص المادة 657 بعبارة ” ولم يبرئ ذمته رغم الإنذار “.

    نستخلص من ذلك أنه بدون الإنذار لا تقوم جريمة إساءة الائتمان في الأموال المثلية .

    فالنص اعتبر الإنذار ركناً في صورة إساءة الائتمان بالأشياء المثلية يتوجب على المجني عليه القيام به حتى تثبت بعده بصورة قاطعة تغيير نية الأمين من مجرد حائز حيازة ناقصة إلى حائز حيازة تامة، ومالك للمال المالي الذي سلم إليه على وجه الأمانة.

    صور النشاط الجرمي لإساءة الائتمان

    أما صور النشاط الجرمي لإساءة الائتمان التي ذكرها المشرع فهي، كما أشرنا، كتم الشيء المسلم على سبيل الأمانة أو اختلاسه أو إتلافه أو تمزيقه (المادة 656)، أو التصرف به (المادة 657).

    ونحدد فيما يلي مدلول هذه الصور .

    أولاً- الكتم :

    الكتم يعني إنكار الأمين وجود الشيء في حيازته توصلا إلى التخلص من التزامه برده و احتفاظه به لنفسه.

    فهو إذن نشاط سلبي يتمثل في جحود الأمين حق المالك للمال الذي يحوزه حيازة ناقصة.

     وإذا كان الكتم لغويا يتم عادة بالإخفاء، إلا أن هذا ليس بشرط لازم، إذ قد لا يخفيه بل يدعي ملكيته، وبالتالي فإن المعنى القانوني للكتم أوسع من معناه اللغوي. وقد يلجأ الأمين إمعاناً منه في التضليل إلى ادعاء سرقة أو ضياع المال المؤتمن عليه.

     وبناء على ذلك يستوي في قيام الكتم إنكار الحيازة للشيء أصلاً عن طريق إنكار التسليم أو العقد، أو عدم إنكارها والادعاء پملكية هذا الشيء .

     كما يستوي في قيام الكتم الادعاء كذبا برد المال أو ضياعه أو سرقته.

    ثانياً- الاختلاس

    الاختلاس يتحقق بكل فعل لا يخرج به الأمين الشيء من حيازته متى كشف عن نية تغيير الحيازة من ناقصة إلى تامة.

    فعندما يقوم الأمين، تجاه الشيء المؤتمن عليه، بفعل يدخل ضمن سلطات المالك، يعتبر مختلسة له .

    ومثال ذلك أن يتسلم الخياط من الزبون قطعة قماش ليخيطها له بنطالا فيخيطها ثوب أو قميصاً لنفسه.

    أو أن يؤتمن شخص على شيء فيعرضه للبيع، أو أن يؤتمن شخص على سند فيطالب لنفسه بالحق المثبت فيه.

     ويتفق الاختلاس مع الكتم في أن الأمين، في الحالتين، لا يخرج المال المؤتمن عليه من حيازته. ويختلف عنه بأنه لا يكتفي فيه بمجرد إنكار وجود الشيء لديه، بل هو يستعمله أو ينتفع به في صورة تكشف عن اعتباره نفسه في ذات مرکز مالكه، أو سالكاً إزاءه مسلك المالك.

    ثالثاً: الإتلاف

    من قيمته أو هو صورة من صور التصرف المادي بالشيء يتمثل بتعييب الشيء أو تغيير هيئته المادية، مما ينقص على الأقل تقل منفعته وأوجه استخدام المالك له.

    يتضح من ذلك أن جوهر النشاط الجرمي في إساءة الائتمان هو إرادة تغيير نوع الحيازة من ناقصة إلى تامة، هذه الإرادة التي يكشفها أحد الأفعال المذكورة بالنصوص السابقة.

    وعند انتفاء الاستيلاء بالمعنى السابق تنتفي إساءة الائتمان.

    وتطبيقا لذلك لا يعد مسيئاً للائتمان من يتأخر في رد الشيء المسلم له في الوقت المحدد، أو من يهلك لديه الشيء نتيجة إهمال أو سرقة أو حادث مفاجئ كالحريق.

     فما دام الأمين لا يجحد حق ملكية المالك للشيء، ولا يدعي ملكيته له، فلا يسأل عن إساءة ائتمان إذا أخل بأي التزام أخر من التزامات عقد الأمانة.

    بيد أنه إذا ثبت بالدليل القاطع أن نية الأمين قد اتجهت إلى إضاعة الشيء على مالكه قامت الجريمة في حقه.

    ويجدر التنويه هنا إلى أن طبيعة النشاط الجرمي لا تختلف سواء كان المال قيمياً أو مثلياً، فهو دائما نشاط مادي يعبر عن إرادة تغيير الحيازة الناقصة إلى حيازة تامة، بصرف النظر عن الصورة التي يبرز من خلالها هذا النشاط.

     بيد أنه في المال القيمي، أي الذي يجب رده بالذات، فإن استيلاء الأمين عليه بأحد الأفعال المحددة في المادة 656، تقوم إساءة الائتمان في حقه إذا توفر الركن المعنوي، بدون أي شرط أخر.

     أما إذا كان المال مثلياً، أي الذي يمكن رد مثله أو نوعه، فإن إساءة الائتمان لا تقوم بمجرد الاستيلاء على هذا المال و الظهور عليه بمظهر المالك، وإنما يشترط أن ينذر المجني عليه الفاعل أولا بضرورة رد مثل ما استلمه، ثم لا يبرئ ذمته بعد الإنذار.

    والإتلاف هو إحدى سلطات مالك الشيء، فإذا صدر عن الحائز حيازة ناقصة، فهو يجحد ملكية مالك المال ويظهر إزاء الشيء بمظهر المالك.

    ومن أمثلة الإتلاف: نزع جزء من آلة ائتمن الشخص عليها، أو محوه من لوحة ائتمن عليها لتوقيع راسمها، أو نزعه لبعض صفحات كتاب أو مخطوط ائتمن عليه.

    رابعاً – التمزيق

    هو أيضا صورة من صور التصرف المادي بالشيء يتمثل بإعدام ذاتية الشيء وفقده كيانه على نحو يفقده صلاحية تأدية المنفعة التي أعد لها، فتنعدم تبعا لذلك قيمته المالية.

     والتمزيق كالإتلاف سلوك لا يدخل إلا ضمن سلطات المالك، فإذا صدر عن حائز حيازة ناقصة فهو ينكر ملكية مالك المال، معتبراً نفسه كالمالك.

     و الواضح من خلال ترجمة عبارة التمزيق عن الأصل الفرنسي عدم دقتها.

    فالتمزيق عبارة توحي أن المحل الواقع عليه هو شيء ورقي، كسند أو مخطوط أو كتاب، فهذه الأشياء هي التي تمزق وتتمزق.

     إلا أن الترجمة الأدق للأصل الفرنسي لهذه الكلمة يعني ” تدمير أو إعدام ” للشيء سواء كان ورقيا أم لا.

    وتطبيقاً لهذا المعنى يدخل ضمن مفهوم التمزيق: أن يؤتمن شخص على سند فيمزقه، أي يجزئ مادته قطعاً صغيرة، أو يؤتمن على كتب أو مخطوطات هامة فيحرقها، أو يؤتمن على آلة فيعدمها، أو على طعام فيلتهمه، أو على حيوان فيقتله.

     

    خامساً – التصرف بالمثليات

    أشارت المادة 656 إلى هذا الفعل بقولها ” كل تصرف بمبلغ من المال أو بأشياء أخرى من المثليات “.

    ويقصد بالتصرف بالمثليات التصرف القانوني والتصرف المادي بها .

     و التصرف القانوني يتمثل بتخويل الغير حقا عينيا على الشيء وإخراجه في الوقت ذاته من حيازة المدعى عليه.

     وتطبيقاً لذلك إذا كان الشيء من غير النقود فالتصرف القانوني به يكون ببيعه أو المقايضة عليه أو هبته.

     أما إذا كان الشيء نقوداً فالتصرف به يكون بإنفاقه أو بإقراضه.

     أما التصرف المادي فيتمثل بإفناء مادة الشيء إما باستهلاكه، كأن يكون طعاماً فيأكله، وإما بتعريضه للهلاك، كأن يكون الشيء غلالا فيصنع منها لعائلته خبزاً ويأكلوه، أو يتركها للطيور وتلتقطها.

  • النتيجة الجرمية في إساءة الائتمان

    إن النتيجة الجرمية، كعنصر من عناصر الركن المادي لإساءة الائتمان، تتمثل بالضرر الذي يترتب على النشاط الجرمي فيها. فلا بد من توافر الضرر لاكتمال عناصر الركن المادي .

    وقد أشارت المواد 656-657 إلى ضرورة حصول الضرر فيها عندما حددت إحدى عقوبتي الجريمة بأنها الغرامية التي تتراوح بين ربع قيمة الردود والعطل والضرر وبين نصفها…” (المادة 656).

     والغرامة “حتى ربع قيمة الردود والعطل والضرر… (المادة 657).

     

    والضرر في إساءة الائتمان هو الضرر بمفهومه العام، فهو في جوهره اعتداء على حق أو مصلحة يحميها القانون، سواء تمثل هذا الاعتداء في تفويت کسب أو تحقيق خسارة.

     استناداً لذلك فإن الضرر في إساءة الائتمان يجب أن يفهم بأوسع معانيه: فيستوي فيه أن يكون مادياً أو معنوياً، حقيقياً أو احتمالياً، جسيماً أو يسيراً، يصيب مالك الشيء أو غيره ممن لهم على الشيء حقوق.

     كما يستوي فيه أن يكون المتضرر شخصا طبيعية أو اعتباري، معينة أو غير معين.

     كما يستوي فيه أن يكون المدعى عليه قد حصل على كسب من فعله أم لم يحصل  والضرر المادي الذي يصيب الذمة المالية للمجني عليه يساويه الضرر المعنوي الذي يصيب السمعة والمكانة. وتطبيقاً لذلك يعتبر مسئولاً عن إساءة الائتمان العامل بشركة لتوزيع الحليب الذي يضيف ماء إليه ويسلمه للزبائن، ويحتفظ لنفسه بثمن الكمية الزائدة، لأن الشركة وإن لم يصبها ضرر مادي، باعتبار أنه يرد إليها ثمن كمية الحليب الذي تم تسليمه، فقد يصيبها ضرر معنوي يتمثل في فقدانها لثقة زبائنها إذا اكتشفوا هذا الغش .

     ولا يشترط أن يصيب المجني عليه ضرر بالفعل أو حال، بل يكفي أن يكون هذا الضرر محتملا .

     ومن أمثلة الضرر المحتمل أن يتسلم وكيل مبلغا من المال ليدفعه سدادا لرسم أو أجر لعمل فينجز ما أسند إليه بغير مقابل أو بمقابل أقل، ولكن بطريقة غير مشروعة، ثم يحتفظ بما تبقى لنفسه.

    فالضرر هنا وإن لم يكن حالا إلا أنه محتمل، فقد يتعرض الموكل مستقبلا للمطالبة بالمبلغ كله أو بالفرق، وقد يطالب فضلا عن ذلك بالتعويض.

    ويستوي في تحقق الضرر کون قيمة الشيء محل إساءة الائتمان كبيراً أو ضئيللاً.

    إضافة إلى ذلك فإنه لا عبرة بشخصية المتضرر من الجريمة، فقد يكون المالك نفسه، وهو الأصل، ولكن قد يطال الضرر أيضا الحائز حيازة ناقصة.

    فالعبرة في هذه الحالة بصفة الأمين لا بصفة المالك. فكما تصيب إساءة الائتمان بالضرر مالك المال باعتبارها تشكل اعتداء على حق الملكية، إلا أنها قد تصيب بالضرر من كانوا يحوزون المال حيازة قانونية ثم استأمنوا الفاعل عليه فأساء الأمانة.

    ومثال ذلك المودع لديه والمرتهن والوكيل إذا أجروا ما في يدهم إلى غير هم، فاختلس المستأجر المال أو تصرف به.

    فالضرر هنا يصيب هؤلاء الأشخاص فضلا عن المالك.

    وتقوم جريمة إساءة الائتمان سواء كان المتضرر شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً كشركة أو مؤسسة أو مستشفى، معيناً أو غير معين.

    وتطبيقاً لذلك فإن من يجمع تبرعات لصالح منكوبي كارثة ثم يستولي عليها لنفسه يرتكب إساءة  الائتمان بالرغم من أن الأشخاص، طبيعيين أو معنويين، الذين سوف توزع عليهم هذه المعونات لم يحددوا أو يعينوا  بعد، ذلك أنه يكفي وجود أشخاص أياً كانوا سيصيبهم الضرر من جراء فعل المدعى عليه .

    وعندما يتوفر الضرر بالصور السابقة الذكر يتوفر عنصر النتيجة الجرمية في إساءة الائتمان بصرف النظر عما إذا  حقق المدعى عليه كسب من وراء فعله أم لا.

    وما يؤكد ذلك أن المشرع قد حدد بعض صور النشاط الجرمي التي قد لا ينال الفاعل فيها أي مكسب، كصورتي الإتلاف والتمزيق .

     وتجدر الإشارة أخيرة إلى أن الضرر بمفهومه العام المشار إليه لا يتحقق في إساءة الائتمان بالنقود والأشياء المثلية بمجرد التصرف بها ما لم يترافق مع هذا التصرف إرادة الاستمرار في تغيير الحيازة من ناقصة إلى تامة، والإصرار على هذا الاستمرار.

     لذلك اشترطت المادة 657 توجيه الإنذار لرد مثل المال أو نوعه.

     بالتالي ما دام ممكناً لمستلم المال المثلي أو النقود أن يرد مثله أو نوعه في أي وقت، فإن الضرر، أي الاعتداء على الملكية، لا يظهر إلا بعد توجيه الإنذار وعدم رد مثل المال أو نوعه.

     فعبارة “عدم إبراء ذمته رغم الإنذار ” تشير إلى هذا المعني بوضوح.

    والإنذار هو إخطار يوجهه مالك المال إلى المؤتمن عليه، عن طريق الكاتب بالعدل، يطالبه به بإبراء ذمته خلال فترة معينة.

     إذن لا تتحقق النتيجة الجرمية، في إساءة الائتمان في الأشياء المثلية إلا في حالة عدم إبراء المدعى عليه ذمته بعد توجيه الإنذار إليه..

     وإبراء الذمة في الأشياء المثلية يكون بإعادة مثل المال أو نوعه، وهذا ما دعا محكمة النقض السورية إلى اعتبار ” الإنذار ركن من أركان جريمة إساءة الائتمان وليس وسيلة من وسائل إثباتها.

    فالمشرع اشترط أن يسبق الإدعاء بهذه الجريمة إنذار ليتدبر المؤتمن أمره ويبرئ ذمته بتسليم المال أو الشيء الذي أؤتمن عليه أو مثيلا له  يستخلص من ذلك أن النتيجة الجرمية في صورة إساءة الائتمان بالأشياء المثلية لا تظهر بمجرد الامتناع عن التسليم أو التصرف بالمال الذي أؤتمن عليه والذي يبقى بإمكانه إعادة منله، وإنما تتحقق بالامتناع عن إبراء الذمة بعد الإنذار .

  • ماهي حالات تشديد عقوبة إساءة الائتمان؟

    جاء في المادة 658 من قانون العقوبات ما يلي:

     “1- تشدد وفقا لمنطوق المادة 247 العقوبات المنصوص عليه في المادتين 656 و 657 إذا ارتكب الجرم أحد الأشخاص المذكورين أدناه بالأموال المسلمة إليهم أو المناط أمرها بهم وهم:

    أ- مدير مؤسسة خيرية وكل شخص مسئول عن أموالها

     ب- وصي القاصر وفاقد الأهلية أو ممثله

     ج- منفذ الوصية أو عقد الزواج

    د- كل محام أو كاتب عدل أو وكيل أعمال مفوض

    هـ –  كل مستخدم أو خادم مأجور

     و- كل شخص مستناب من السلطة الإدارة أموال تخص الدولة أو الأفراد أو لحراستها

     2- ويمكن أن يمنع المجرم منعا باتاً عن ممارسة العمل الذي ارتكب بسببه الجرم”.

    من الواضح أن علة التشديد تتمثل في أن كلا من الصفات التي استلزمها المشرع لهذا التشديد ينطوي على قدر من الثقة لا يتوافر في المؤتمن على المال في مجال الجريمة العادية.

     ومن شأن هذه الثقة أن تسهل لصاحبها إساءة الائتمان، وأن تكشف تبعا لهذا عن شدة خطورته الإجرامية.

    ويشترط لتشديد العقوبة أن تقوم في الأصل جريمة إساءة الائتمان بأركانها التي سبق شرحها، ثم تتوافر بذات الوقت في مرتكبها إحدى الصفات الست التي أوردها المشرع على سبيل الحصر في النص.

    كما يشترط أن يكون التسليم المولد للمركز الائتماني قد تم استناداً إلى إحدى الصفات المذكورة. وتطبيقا لذلك، إذا كان المال قد سلم، مثلا، المحام بصفته الشخصية كصديق أو قريب وليس بصفته كمحام، فتصرف به، فالجريمة إساءة ائتمان بسيطة وليست مشددة.

    أما الصفات التي شدد العقاب في حال توفرها، فهي كما جاءت في النص:

    أ- مدير مؤسسة خيرية وكل شخص مسئول عن أموالها.

    والمؤسسات الخيرية هي التي لا تستهدف تحقيق الربح من نشاطاتها، أيا كان الغرض الخيري الذي تسعى لتحقيقه، سواء كان اجتماعي أو علمي أو ديني، والتشديد يطال في هذه الحالة مدير تلك المؤسسة وأي شخص أخر مسئول عن أموالها، كأمين الصندوق ومدير الحسابات، وبصفة عامة كل شخص مسئول عن تحصيل إيراداتها أو الاحتفاظ بها أو التصرف فيها وفقا للأغراض المحددة لها.

    ب- وصی القاصر وفاقد الأهلية أو ممثله.

     والتشديد يشمل هنا كل من ينوب عن فاقد الأهلية أو ناقصها أيا كان سبب فقدان الأهلية أو نقصه. کولي القاصر أو وصية والقيم على المجنون أو المعتوه، وأيا كان مصدر الإنابة، سواء كان القانون أو القضاء أو الإرادة.

    ج- منفذ الوصية أو عقد الزواج.

     هنا يتناول التشديد الشخص الذي يتسلم مالا من الموصي بمقتضی عقد الوصية ليسلمه إلى الموصى له بعد وفاة الموصي، فيستولي عليه.

     ويتناول أيضا الشخص الذي يعود إليه الإشراف على إرساء العلاقات المالية بين الزوجين في الإطار الذي يحدده عقد الزواج، أي المشرف على أن تكون في حيازة أحد الزوجين أو كليهما أموال معينة قد تكون مملوكة للزوج الأخر.

    فهذا الشخص تقتضي مهمته أن يحوز هذه الأموال ليسلمها إلى أحد الزوجين الذي ينبغي أن تكون في يده وفقا لشروط عقد الزواج، فهو يرتكب إساءة ائتمان إذا استولى عليها لنفسه.

    د- كل محام أو كاتب عدل أو وكيل أعمال مفوض .

     فهؤلاء إذا استلموا أموالا استنادا إلى صفاتهم هذه کي يسلموها لأصحاب الحق فيها أو ليستخدموها لمصلحة صاحب الحق، فيستولوا عليها لأنفسهم، يشدد العقاب عليهم.

    هـ – كل مستخدم أو خادم مأجور.

     لهذين التعبيرين ذات المدلول الذي سبق وشرحناه بالنسبة للسرقة.

     والجامع بينهما انقطاعهما لعمل لحساب شخص، طبيعي أو معنوي، وتقاضيهما أجرا لقاء ذلك العمل.

     أما الفارق بينهما فهو طبيعة عمل كل منهما، فهو ذهني بالنسبة للمستخدم، كأمين السر أو المحاسب، ومادي بالنسبة للخادم يتمثل بانقطاع شخص للقيام بالأعمال المادية التي يحتاج إليها شخص أخر في حياته اليومية، سواء كان ملحقا ببيته، كالخادمة والبواب، أم بشخصه كالسائق. وتقوم جريمة إساءة الائتمان المشددة بحق المستخدم أو الخادم إذا تسلم أي منهما بمقتضى صفته هذه مالاً منقولاً من مخدومه على سبيل الأمانة، فيستولي عليه لنفسه.

    و – كل شخص مستناب من السلطة لإدارة أموال تخص الدولة أو الأفراد أو لحراستها.

    هذا الظرف المشدد يشمل أي شخص تكلفه السلطة أو تعهد إليه بإدارة أموالها المنقولة أو أموال الأفراد المنقولة أو لحراسة أي من هذه الأموال .

    والفرض هنا أن الأموال تسلم لأحد الأشخاص لإدارتها كوكيل أو لحراستها كوديع، أي على سبيل الحيازة الناقصة، فيستولي عليها لنفسه.

    وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كي يتوفر هذا الظرف يشترط أن لا يكون الشخص موظفاً عاماً ولا مكلفا بخدمة عامة يتسلم مالا بحكم وظيفته، أي أن تسلمه للمال هو أحد الاختصاصات التي ترتبط بوظيفته، فهنا يصبح استيلاء هذا الشخص على الأموال مشکلا لجريمة الاختلاس وليس جريمة إساءة الائتمان.

     إذن يجب توافر هذا الظرف أن يكون الشخص الذي كلفته الدولة بإدارة أو بحراسة الأموال فردا عادياً أو موظفاً عاما ليس من اختصاصه إدارة أموال الدولة أو الأفراد أو حراستها، ولكن كلف بذلك على وجه رسمي.

     والمثال على هذه الحالة أن تسلم الدولة إلى مقاول مواد أولية ليستعين بها في تنفيذ مشروع لحسابها فيستولي عليها، أو أن تعود إلى أحد الأشخاص بتحصيل أموال بعض المواطنين السوريين المستحقة من قبل دولة أجنبية فيحصلها ويستولي عليها لنفسه.

    – أما عقوبة إساءة الائتمان المشددة بالنسبة لهؤلاء الأشخاص فلقد أحال المشرع إلى المادة 247 من قانون العقوبات مقدار التشديد الذي ترتفع إليه العقوبات المنصوص عليها في المادتين 656 و 657.

    وهذا يعني أن تزاد عقوبة الحبس من الثلث إلى النصف وأن تضاعف الغرامة.

     أي يزاد على الحد الأدنى للعقوبة ثلثه وعلى الحد الأعلى نصفه.

    فعقوبة المادة 656 و هي من شهرين إلى سنتين تصبح بعد التشديد من شهرين وعشرين يوماً حتى الثلاث سنوات مع مضاعفة الغرامة.

    أما عقوبة المادة 657 و هي الحبس حتى سنة فتصبح بعد التشديد الحبس حتى سنة ونصف وتضاعف الغرامة.

    بالإضافة إلى ذلك فإنه يجوز أن يمنع المدعى عليه منعا باتا من ممارسة العمل الذي ارتكب بسببه أو بمناسبته الجرم.

  • ماهو عقوبة جرم الاحتيال لتأمين وظيفة عامة؟

    إن علة تشدید عقاب هذا الاحتيال تتمثل في أنه يخل بثقة المواطنين عامة في القواعد القانونية التي بمقتضاها يتم شغل الوظائف العامة أو أعمال الإدارة العامة، من حيث شروط التعيين فيها ونزاهة إجراءات هذا التعيين.

    فقد نصت المادة 51 من قانون العقوبات على أن

     ” تتراوح مدة الحبس بين عشرة أيام وثلاث سنوات إلا إذا انطوى القانون على نص خاص “.

    وهذه الحالة تفترض أن يقوم المحتال بخداع المجني عليه بزعمه القدرة على تعيينه في وظيفة عامة أو العمل لدى إحدى الإدارات العامة في الدولة، فيؤدي خداعه إلى وقوع المجني عليه في غلط يدفعه إلى تسليم المال للمحتال لقاء قيامه بهذه المهمة.

     ويستوي لقيام الاحتيال بهذه الحالة أن تتوافر في المجني عليه شروط التعيين في الوظيفة أو العمل العام أو لا تتوافر فيه تلك الشروط.

    والشرط الأساسي لقيام هذا الظرف المشدد هو الإدعاء كذبة بالقدرة على تأمين الوظيفة أو العمل.

     بالتالي لا يتوافر هذا الظرف المشدد، ولا يقوم الاحتيال أصلاً، إذا كان المدعى عليه صادقاً في إدعائه واتجهت نيته فعلا إلى تأمين هذه الوظيفة.

     وإن كان من الممكن أن يتوافر في حقه جرم الرشوة أو جرم صرف النفوذ إذا توافرت أركانهما.

    ويشترط كذلك لتوافر هذا الظرف أن يكون إدعاء المحتال منصبة على تأمين وظيفة عامة أو عمل في إحدى الإدارات العامة أيا كانت درجة هذه الوظيفة أو العمل، وأياً كان الراتب، وأياً كان النظام القانوني لهذه الوظيفة أو لهذا العمل.

    وينتفي الظرف المشدد، تبعا لذلك، إذا انصب الاحتيال على تأمين عمل خاص لدى شخص طبيعي أو شركة أو مؤسسة خاصة.

  • الشروع في الاحتيال وعقوبته مع أمثلة تطبيقية

    عاقب المشرع بنص المادة 641 على جريمة الاحتيال بعقوبة جنحية الوصف، والقاعدة العامة في التشريع السوري حسب نص المادة 201 من قانون العقوبات، أن الشروع في الجنح لا عقاب عليه إلا بنص، وقد ورد العقاب على الشروع في الاحتيال في الفقرة الثانية من المادة 641 ونصها:

    «2- يطبق العقاب نفسه في محاولة ارتكاب هذا الجرم»

    والملاحظ أن المشرع السوري قد سوى من حيث العقوبة بين جريمة الاحتيال التامة والشروع فيها.

    ولابد لدراسة الشروع في الاحتيال من وضع معيار للتمييز بينه وبين الأعمال التحضيرية التي لا عقاب عليها ومن معرفة الحد الفاصل بين الشروع والاحتيال التام.

    تقع جريمة الاحتيال تامة إذا تحققت نتيجتها الجرمية، وهذه النتيجة هي التسليم.

     أي أنه عندما يسلم المجني عليه للمحتال المال نتيجة للغلط الذي أوقعه فيه بخداعه يعتبر الاحتيال تامة، ومادون التسليم فقد يشكل النشاط شروعاً في الاحتيال وعقابه عقاب الجرم التام، وقد يشكل عملا تحضيرية للاحتيال لا عقاب عليه إلا إذا شكل بحد ذاته جرم مستقلا وقد عرفت المادة 199 من قانون العقوبات السوري الشروع بأنه:

    كل محاولة لارتكاب جناية بدأت بأفعال ترمي مباشرة إلى اقترافها تعتبر كالجناية نفسها إذا لم يحل دون إتمامها سوى ظروف خارجة عن إرادة الفاعل»..

    وتطبيقا لما جاء في هذا النص فإن الاحتيال يعد مشروعاً فيه إذا ما كانت وسائل الخداع ترمي مباشرة إلى حصول التسليم.

     ومعنى ذلك، أنه يعد عملاً تحضيرياً للاحتيال، كل نشاط يأتيه المدعى عليه قبل مرحلة استعمال وسائل الخداع إزاء المجني عليه، أي كل نشاط يأتيه الفاعل قبل سعيه إلى الاتصال بالمجني عليه لخداعه .

     إذا فالحد الفاصل بين العمل التحضيري و الشروع هو السعي إلى الاتصال بالمجني عليه لخداعه، وكل نشاط يسبق هذا السعي هو مجرد عمل تحضيري، وهذا السعي في ذاته هو البدء في التنفيذ.

    باختصار نقول أن إعداد وسائل الاحتيال وترتيبها والعمل على إعطائها قوة إقناعية للتأثير بها على الغير يعد عملاً تحضيرياً، أما استخدام هذه الوسائل بمواجهة المجني عليه بعد شروعاً سواء كان الأخير معنيا أم غير معين، وسواء كان موجودا عند مباشرة النشاط أم غير موجود ويتأمل المحتال أن يقع في حبائل خداعه أي شخص في المستقبل.

     وتطبيق لذلك يعتبر عملاً تحضيرياً قيام الفاعل بإعداد مكتب للشركة الوهمية التي سيدعو الناس للاكتتاب بها، أو تزوير الأوراق تمهيدا لاستخدامها بعد ذلك لتدعيم الكذب، أو الاتفاق مع شخص ثالث لتدعيم كذبه الذي سيدلي به أمام المجني عليه.

     ويعتبر شروعاً في الاحتيال وضع إعلان في صحيفة يبين فيه مزايا الشركة الوهمية ويدعو الناس إلى الاكتتاب بها، أو تقديم السند الزور إلى المجني عليه لتدعيم كذبه، أو الإدلاء بالكذب أمام المجني عليه بحضور الشخص الثالث المستعد لتدعيم هذا الكذب.

    وقد يتخذ الشروع في الاحتيال صورة الجريمة المستحيلة، والقاعدة أن المشرع السوري لم يعتد بالجريمة المستحيلة، واعتبرها شروعة في الجريمة، واستثنى من ذلك حالة إذا أتى الفاعل فعله عن غير فهم، أو ارتكب فعلا مباحأ ظانا  أنه يشكل جريمة (مادة 202 من قانون العقوبات).

    والمثال على الجريمة المستحيلة أن يزعم أحدهم أمام المجني عليه أنه مدير لإحدى الشركات ويطلب منه ما ليستثمره له، في الوقت الذي يكون فيه المجني عليه هو المدير الحقيقي لهذه الشركة، أو أحد أقربائه أو احد الموظفين لديه.

     ومن أمثلة الاحتيال عن غير فهم، أن يدعي شخص النبوة أو انه صلاح الدين الأيوبي أو الظاهر بيبرس ويطالب بالمزايا المرتبطة بهذا المركز الذي يدعيه.

     والمثال على الجريمة الوهمية في الاحتيال أن تكون الادعاءات التي يدلي بها الفاعل إلى المجني عليه صادقة تماما بحيث يستحيل تصور الخداع فيها، في حين أن الفاعل يعتقد أنها كاذبة ويستهدف خداع المجني عليه والاستيلاء على بعض ماله.

     وتجدر الإشارة إلى أن العدول الطوعي عن الشروع في الاحتيال لا عقاب عليه إلا إذا شكلت الأفعال التي قام بها قبل العدول جرمأ مستقلاً (مادة 199 فقرة 3).

    بيد أنه لابد أن يكون العدول اختيارية وليس قسرية، أي أن يعود العدول لإرادة الفاعل وليس لسبب خارج عن إرادته.

    فمن يخدع أخر ليسلمه مالاً، وقبل التسليم يتراجع من تلقاء نفسه يعتبر عدولا طوعية لا عقاب عليه، أما إذا  تراجع لأنه شعر أن أمره قد افتضح أولم يثمر خداعه، وطلب منه المزيد من الإثبات عن مزاعمه، ففضل الرجوع الفشله، فلا يعتد هنا بعدوله، ويعتبر شارعا في الجريمة.

    ولا ننسى أن العدول عن الجريمة بعد إتمامها لا يعتد به، فالمحتال الذي يتسلم المال من المجني عليه بعد خداعه، ثم يندم على فعله ويعيد المال لصاحبه، يعتبر مرتكباً لجرم الاحتيال التام، ورد المال لا ينفي المسؤولية عنه ولا يؤثر على أركان الجريمة.

    فالرد هنا ليس عدولاً وإنما ندما، فيطبق على فاعله قواعد الندم الإيجابي الواردة في الفقرة الأخيرة من المادة 200 من قانون العقوبات التي منحت للقاضي سلطة تخفيض العقوبة حتى الثلثين إذا نجحت مساعي الفاعل في الندم الإيجابي، أي إذا أعاد المال فعلاً إلى المجني عليه، أما إذا لم تنجح مساعيه، فلا تخفيف في هذه الحالة، كما لو اتصل بالمجني عليه بعد استيلائه على ماله وأخبره بوجود المال مخبأ في مكان معين، فلم يعثر المجني عليه على ماله نتيجة عثور شخص أخر عليه وأخذه.

  • النتيجة الجرمية (تسليم المال) في جرم الاحتيال مع أمثلة

    نستطيع استخلاص النتيجة الجرمية في الاحتيال من نص المادة 641، حيث عبرت عنها بقولها “

    كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو أسناداً تتضمن تعهداً أو إبراء فاستولى عليها احتيالاً…”.

    من هنا يتضح أن النتيجة الجرمية للاحتيال هي التسليم الصادر من المجني عليه إلى المحتال تحت تأثير الغلط الذي أوقعه فيه بخداعه.

     هذا التسليم المتمثل بنقل حيازة مال من المجني عليه إلى المحتال يفترض فيه أن يكون وليد إرادة معيبة. واتجاه الإرادة المعيبة إلى تسليم المال هو الذي يميز جريمة الاحتيال عن جريمة السرقة.

     فالتسليم في السرقة ينفي عنصر الأخذ حتى ولو كان نتيجة غلط أو خداع.

    أما الاحتيال فيتم باتجاه إرادة المجني عليه إلى تسليم المال إلى المحتال، وإن كانت هذه الإرادة معيبة.

     وبتعبير أخر، فإن إرادة المجني عليه في السرقة لا ترضى عن استيلاء السارق على المال، بينما تتجه إرادة المجني عليه في الاحتيال إلى تسليم المال عن رضا.

    وزيادة في الإيضاح نورد المثال التالي: لنفترض أن شخصا أتى منزل أحد الناس مدعية بأنه موظف في مؤسسة الكهرباء مكلف بفحص التمديدات الداخلية، فقام بإدخاله، وأثناء انشغاله المزعوم بالفحص شاهد مبلغا من المال على منضدة فأخذه.

     فهنا لا يتوافر بفعله جرم الاحتيال بل جرم السرقة، لأن إرادة صاحب المنزل لم تتجه إلى تسليمه النقود.

     إلا أن الحال يختلف فيما لو ادعى هذا الشخص أنه مكلف من مؤسسة الكهرباء بتحصيل الاشتراكات الشهرية، فقام صاحب المنزل بتسليمه المال، فالجريمة هنا احتيال لا سرقة، لأن إرادة المجنى عليه اتجهت فعلا إلى التسليم.

    – إضافة إلى وجوب اتجاه الإرادة إلى التسليم لا بد أيضا أن يتحقق نوع من الاتصال المادي بين المحتال وبين المال الذي يسلم إليه .

     إلا أن ذلك لا يعني أن التسليم لا يتم إلا بالمناولة المادية، فالتسليم هو عمل قانوني بمقتضاه ينقل المجني عليه حيازة المال إلى المحتال وليست المناولة المادية سوى المظهر المادي لهذا العمل، أو هي على الأقل أثر .

    وبناء على ذلك فثمة حالات كثيرة تتم فيها جريمة الاحتيال بالتسليم دون أن يصطحب بمناولة مادية للشيء. وتطبيقا لذلك فإن التسليم يتحقق سواء بالمناولة يدا بيد أو بتسليم مفتاح المكان الذي يوجد به المال، أو بوضع المال تحت تصرف المحتال بحيث يتسلمه حينما يريد.

     ويتحقق التسليم أيضأ سواء قام به المجني عليه نفسه أو شخص أخر، وسواء كان المستلم هو المحتال ذاته أو شخص أخر .

    فمن يحتال على شخص فيو همه بقدرته على استحضار الأرواح ومخاطبة الجن ويحمله على دفع مبلغ من المال، فسيان بعدئذ أن يدفع المال عنه قريب أو صديق، وأن يتسلمه المحتال ذاته أو مستخدما لديه أو قريب أو صديق، سواء كان هذا الشخص مساهمة في الاحتيال أو حسن النية.

     ومن تطبيقات التسليم غير المصحوب بمناولة مادية حمل المجني عليه بالخداع على وضع توقيعه أسفل سند يقدمه إليه المحتال، أو على تسجيل اسمه في دفتر لديه على أنه ممن يستحقون في ذمته مبلغا من المال، أو على إدراج اسمه في قائمة من يستحقون إعانات بطالة أو شيخوخة أو تعويضا تقاعدية، أو أن يحذف من دفاتره مبلغاً ثابتاً في ذمة المحتال.

     بناء على ذلك فالتسليم يتحقق في الأحوال السابقة طالما أن الإرادة اتجهت إليه واتخذت مظهرا ماديا يتمثل في اتصال المحتال بالمال بأي وسيلة كانت أو بواسطة أي شخص كان.

     

    ومتى حصل التسليم الذي اتجهت إليه الإرادة المعيبة قام جرم الاحتيال ولو لم يصب المجني عليه ضرر مالي منه،  أو بمعنى أخر أن تنقص ثروة المجني عليه في مجموعها.

     فللضرر في جرم الاحتيال مفهوم أخر غير نقصان العنصر الإيجابي لذمة المجني عليه.

    فهذا الضرر يتحقق بمجرد العدوان على الملكية والمساس بحرية الإرادة.

     وتطبيقا لذلك فجرم الاحتيال يتحقق بحق من يحصل على قرض بإحدى الطرق الاحتيالية التي نصت عليها المادة 641 ولو ثبتت ملاءته المادية وقدرته وعزمه على الوفاء.

     ومن خدع أخر ليحمله على تسليمه شيئا يرتكب جريمة الاحتيال ولو ترك للمجني عليه ثمنه أو أكثر منه .

    كما يرتكب الاحتيال أيضا الدائن الذي يقوم بتحصیل مال لمدينه بإحدى طرق الاحتيال کي يستطيع أن يفيه دينه.

    ومتى حصل التسليم الذي اتجهت إليه الإرادة المعيبة نسيان أن تكون حيازة المجني عليه للمال مشروعة أو غير مشروعة.

    فالاحتيال يقوم بحق من يستولي على مال بإحدى طرق الاحتيال سواء كان حائز المال مالكاً شرعياً له، أو سارقأ له أو متحصلاً عليه من جريمة أيا كانت .

    و العلة في ذلك أن المال المسروق أو المتحصل عن جريمة هو محل الملكية مالكه الشرعي، وهي ملكية واجبة الاحترام وقد وقع الاعتداء عليها، وبالإضافة إلى ذلك فقد وقع الاعتداء على حرية إرادة الحائز.

     ولا عبرة أيضا في تسليم المال للغرض الذي يسعى وراءه المجني عليه منه، مشروعا كان أو غير مشروع .

     فقد يسلم المجني عليه المال للمحتال ليستثمره له، أو ليحقق له منفعة مشروعة أيا كانت، وقد يسلمه المال لتحقيق غرض غير مشروع كتقديم رشوة إلى موظف أو تهريب مواد يمنع استيرادها، أو إقامة علاقة غير شريفة مع فتاة، فيستغل المحتال ذلك ويمنيه بتحقيق ما يريد ويتسلم منه مالا نظير سعيه إلى معاونته فيما يسعى إليه.

     فعلى الرغم من عدم مشروعية الغرض الذي سلم لأجله المال، فإن ملكية المال تبقى واجبة الاحترام، وقد تحقق فيها الاعتداء على هذه الملكية إضافة للاعتداء على حرية إرادة المجنى عليه.

  • الاحتيال عن طريق التصرف بأموال بغير صفة

    هذه هي الوسيلة الرابعة من وسائل الاحتيال الواردة في نص المادة 641، والتي عبر عنها بقوله:

     “أو بتصرفه بأموال منقولة أو غير منقولة وهو يعلم أن ليس له صفة للتصرف بها”.

    وباعتبار أن الاحتيال في أصله يعتمد على الكذب فإنه يفترض في هذه الطريقة أن يكون الفاعل قد أقدم على التصرف بالمال وهو يزعم أن له صفة للتصرف فيه، كمالك أو كنائب عن المالك.

    وبناء على ذلك إذا اعترف المتصرف بالمال للمتصرف إليه بأنه لا يملك على الشيء سلطة التصرف به، فإن هذا التصرف لا يعد احتيالاً حتى ولو استولى المتصرف على مقابل مالي، لأن المتصرف لم يكذب، ولأن المتصرف له لم يخدع. والذي يميز هذه الوسيلة عما سبقها من وسائل أن المشرع يكتفي فيها بالكذب المجرد دون اشتراط تأييد هذا الكذب مظاهر خارجية .

     والملاحظ أن المشرع لم يكن موققا باشتراطه العلم بعدم وجود الصفة ضمن صيغة النص. فالجرم يقع بمجرد التصرف بمال ليس للمتصرف صفة للتصرف فيه، أما العلم فهو أحد عناصر الركن المعنوي للاحتيال، والمشرع بذلك يكون قد أقحمه في الوسيلة وهي من عناصر الركن المادي.

     لذلك كان أولى بالمشرع إغفال ذكر عبارة العلم هنا باعتبار العلم مطلوب حتماً في الركن المعنوي للجريمة.

     فالمالك الذي يتصرف بماله دون أن يعلم أن هناك سبباً قانونياً يمنعه من ذلك لا يرتكب جرم الاحتيال لغياب الركن المعنوي.

     ويثار التساؤل هنا عن تحديد المجني عليه بجرم الاحتيال باستعمال هذه الوسيلة، أهو المتصرف إليه، أم المالك الأصيل للمال، أم الاثنين معاً؟

     إن المجني عليه في هذه الوسيلة ليس سوى المتصرف إليه فقط. أما مالك المال الذي كان محلاً للتصرف فلا يعتبر مجنياً عليه في جريمة الاحتيال هذه، ولكنه قد يكون مجنياً عليه في جريمة أخرى، قد تكون سرقة أو إساءة ائتمان، وقد تكون جريمة احتيال مستقلة.

    فإذا كان المحتال قد سرق المال من المالك وتصرف به للغير، فهو سارق بمواجهة المالك ومحتال بمواجهة المتصرف إليه.

     أما إذا كان المال موجود تحت يده على سبيل الأمانة فتصرف به، فهو مسيء للائتمان بمواجهة المالك، ومحتال بمواجهة المتصرف إليه.

     أما إذا كان قد استولى على المال بالحيلة والخداع من مالكه ثم تصرف به، فهو يرتكب جريمتي احتيال مستقلتين، أولاهما ضحيتها المالك، والأخرى ضحيتها المتصرف إليه.

    إذن يشترط لتوافر هذه الوسيلة الاحتيالية شرطين:

    – التصرف بمال منقول أو عقار. – انتفاء الصفة في التصرف.

    1- التصرف بأموال منقولة أو غير منقولة.

    إن المقصود بالتصرف هنا كل عمل قانوني يتعلق بحق عيني. فقد يكون هذا العمل القانوني ناقلاً للملكية كما في لبيع أو المقايضة أو الهبة بمقابل مادي ، وقد يكون تصرفاً صادرة عن الإرادة المنفردة كالوصية إذا تعلقت بمال ليس للموصي سلطة التصرف فيه وكان يفرض على الموصى له التزاماً بتسليم شيء في حياته.

     كما يجوز أن يكون هذا التصرف متعلقا بحق عيني آخر غير حق الملكية كالانتفاع أو الارتفاق أو الرهن.

    وبناء على ما تقدم يخرج من مجال التصرف الذي يقوم به الاحتيال كل عمل قانوني يتعلق بحق شخصي، لأن الحقوق الشخصية تقتصر على إنشاء موجبات لا حقوقاً عينية.

    فتأجير عقار الغير لقاء أجرة دفعها المستأجر مقدما لا يشكل جريمة احتيال لأن عقد الإيجار لا يعتبر تصرف قانونية في جريمة الاحتيال.

     وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية أنه لا يعتبر تصرف في ملك الغير قيام الوكيل بتأجير مال الموكل بعد عزل وكالته، فالتأجير هذا لا يعد تصرفة قانونية لقيام جرم الاحتيال و إنما يجعل الوكيل المعزول مسئول مدني عن الأضرار التي ألحقها بموكله بسبب ذلك الإجراء الذي صدر عنه بصورة غير قانونية”

    وإذا تحقق التصرف، بالمعنى السالف ذكره، فيستوي بعد ذلك أن يكون محل التصرف ما منقوة أو عقارا، كما يستوي أن يكون المحتال قد سلم المال المتصرف فيه إلى المجني عليه أو لم يسلمه، لأنه ليس من شروط صحة التصرف أن يسلم المحتال ما تصرف فيه إلى المجني عليه، فالتصرف ينعقد قانوناً بالتقاء الإرادتين.

    ولذلك تقع الجريمة تامة ولو لم يحدث التسليم. وبعبارة أخرى إن جريمة الاحتيال تقع بانعقاد هذا التصرف والاستيلاء على المقابل من المجني عليه حتى ولو لم يحدث التسليم .

    2- انتفاء الصفة في التصرف بالمال.

    إن سلطة التصرف بالمال تكون أصلا لمالكه.

     والمالك قد يمارس هذه السلطة بنفسه أو بواسطة نائبه، سواء كانت النيابة قانونية كنيابة الولى، أو قضائية كنيابة القيم أو الوصي، أو اتفاقية كنيابة الوكيل.

    والقاعدة أن تصرف النائب كتصرف الأصيل سواء بسواء.

    – بناء على ذلك فإن تصرف المالك بملكه ينفي جرم الاحتيال، بشرط عدم وجود قيود قانونية على سلطته في التصرف بماله، فإذا كان هناك سبب قانوني يحرم المالك بموجبه من التصرف بماله، ثم تصرف فيه رغم ذلك يكون قد تصرف في مال ليست له صفة التصرف فيه، ومن ثم يرتكب الاحتيال بهذه الوسيلة.

     والمثال على ذلك المدين المحجوز على ماله حجزا تنفيذياً.

     فالقانون يمنع مالك العقار أو المنقول المحجوز عليه حجزا تنفيذيا أن يتصرف به.

    وكذلك المالك الذي آل إليه المال مع تقييد ملكيته بشرط المنع من التصرف حيث يكون هذا الشرط صحيح .

     والمسألة التي تثار هنا تتعلق بمالك العقار الذي يبعه عدة مرات قبل أن يسجل عقد البيع لأي من المشترين في السجل العقاري، فهل تتوافر هذه الوسيلة ويتوافر بموجبها جرم الاحتيال بحقه؟

     إن هذا المالك لا يرتكب جريمة الاحتيال لأن ملكية العقار لا تنتقل قانوناً من البائع إلى الشاري إلا بالتسجيل.

     يترتب على ذلك أن البائع يظل مالكة للعقار وله حق التصرف فيه إلى أن يتم تسجيل عقد البيع، فإذا باع ذات العقار قبل التسجيل لشخص ثان كان البيع صحيحاً، إذا لا يعتبر وارداً على ملك الغير ولا تقوم في حقه بالتالي جريمة الاحتيال لأنه يكون قد تصرف فيما يملك.

    وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية

     “أن بيع المالك عقاره مرة ثانية لا يشكل جرم الاحتيال طالما أن العقار مسجل باسمه في السجل العقاري ولم ينتقل إلى اسم المشتري الأول، والخلاف بين المتعاقدين هنا هو خلاف مدني .

    ولكن إذا اعترفنا بأن مالك العقار الذي باعه بعقد لم يقيد بعد في السجل العقاري لا يرتكب جريمة الاحتيال، بوسيلة التصرف بأموال ليس له صفة للتصرف فيها، إذا باعه ثانية، أفلا يعتبر جرم الاحتيال باستعمال الدسائس قائما بحقه؟

    نعتقد بإمكانية ملاحقة هذا الشخص بجرم الاحتيال باستعماله للدسائس المتمثلة بالكذب المدعم بمظهر خارجي، سواء بصفته كمالك، أو بوجود المنزل في حيازته، أو بتقديمه لسند الملكية كمظهر خارجي مادي يدعم مزاعمه.

    أضف إلى ذلك أن المالك في هذه الحالة يمتنع عليه التصرف بالعقار بعد أن باعه أول مرة بعقد لم يسجل بعد، لأنه ملتزم تجاه المشتري الأول بالامتناع عن إجراء أي تصرف من شأنه أن يعيق تسجيل المشتري الأول و انتقال الملكية إليه، فإذا باع العقار مرة ثانية كان هذا إخلالاً منه بالتزامه المذكور، الأمر الذي يعتبر معه متصرفاً في مال يملكه، ولكن ليس له حق التصرف فيه، فتقوم في حقه جريمة الاحتيال.

    واستطراداً نقول أن البائع حين يتعاقد مع المشتري الثاني قد يكون متواطئاً مع المشتري الأول لسلب أموال المشتري الثاني، حيث يسارع الاثنان إلى نقل الملكية إضراراً به مما يدخل هذا أيضا في إطار استعمال الدسائس.

    – أما بالنسبة للنائب، فكما أشرنا، فهو يعتبر صاحب صفة للتصرف بالمال، وتصرفه به كتصرف الأصيل ذاته، فكلاهما ينتج أثاره القانونية ويرتبها في ذمة الأصيل، حقوقا كانت أو التزامات.

    أما إذا خرج النائب عن حدود نیابته زالت عنه صفته وجاز وقوع الجريمة منه.

     فالوكيل أو النائب الذي انقضت وكالته أو نیابته أو إذا عزل أو إذا خرج عن حدود النيابة ثم تصرف في مال الأصيل يرتكب جريمة الاحتيال.

    وتطبيقا لذلك فإن بيع الوكيل المعزول لعقار موكله بعد عزله يعتبر تصرفا بأموال ليس له صفة للتصرف فيها، ويلاحق بجرم الاحتيال.

    وإذا كان الاحتيال بهذه الوسيلة يتوفر بحق المالك الذي يتصرف بماله بالرغم من وجود سبب قانوني يمنعه من التصرف به، ويتوفر أيضا بحق النائب الذي يتصرف بالمال بعد عزله أو انقضاء نيابته أو وكالته، فمن باب أولى أن يقوم الاحتيال بحق الشخص الذي يتصرف بالمال وهو ليس مالكا له، وليس له حق التصرف فيه، كالمحتال الذي يبيع مال الغير دون أن يكون نائبا عنه .

1