الركن المعنوي في جريمة السرقة

إن السرقة جريمة مقصودة لا تقع إلا إذا توفر القصد الجرمي لدى مرتكبها.

ولا يمكن ملاحقة شخص بسرقة غير مقصودة مهما بلغت جسامة الخطأ الذي وقع به.

 فمن يأخذ حقيبة غيره ظانا أنها حقيبته بالرغم من اختلاف لوني الحقيبتين، فلا يعد سارق لها إذا ثبت، مثلا، أنه عند أخذه الحقيبة كان ساهي ولم ينتبه إلى اختلاف اللون.

 ولا يمكن ملاحقته بسرقة مقصودة لانتفاء علمه بملكية الغير لها، لاعتقاده أنها ملكه.

وككل الجرائم المقصودة لا بد أن يتوفر لدى الفاعل القصد الجرمي العام، بعنصرية العلم والإرادة. لكن القصد العام لا يكفي وحده لقيام جريمة السرقة، بل لا بد أن يتوفر لدى الفاعل، إضافة للقصد العام، قصدأ جرمية خاصة، يتمثل بنية التملك.

1- القصد الجرمي العام ( العلم والإرادة).

يتوفر هذا القصد بعلم الفاعل بأركان الجريمة، واتجاه إرادته إلى ارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة.

و بإسقاط هذا المفهوم على السرقة نستخلص أنه لا بد لقيام القصد الجرمي العام فيها أن يعلم السارق أنه يستولي على مال مملوك للغير بدون رضاه، وأن تتجه إرادته للفعل والنتيجة، أي أن تتجه إرادته إلى الاستيلاء على الحيازة التامة للمال.

أ- عنصر العلم.

– فالفاعل يجب أن يكون عالما بأنه يأخذ مالا تعود ملكيته لغيره. فإذا انتفي علمه بهذه الواقعة غاب عن الجرم رکنه المعنوي، وبالتالي انتفت السرقة.

فإذا اعتقد الفاعل ملكيته للمال الذي أخذه، أو اعتقد أن المال متروك أو مباح، انتفي القصد الجرمي لديه.

فمن يستقل سيارة مشابهة لسيارته، ينتفي الركن المعنوي لديه، إذا كان يعتقد أنها سيارته. والطالب الذي يأخذ كتاب طالب أخر من على المقعد لا يعتبر سارقاً له إذا اعتقد أنه كتابه.

والملاحظ في هذه الأمثلة أن جهل الشخص الملكية المال للغير يعتبر غلطاً في الواقع، واقعة على أوصاف الشيء، أو على ظروف أخذه، أي على أحد عناصر الفعل.

 إلا أن الأمر يصبح خلاف ذلك، ولا ينتفي القصد الجرمي، إذا وقع الشخص في غلط في القانون.

كمن يستولي على قطعة أثرية ظاناً أن الآثار هي ملك لمكتشفها، أو إذا قام الدائن بالاستيلاء على مال لمدينة استيفاء لدينه، ظاناً بأن فعله مشروع.

فالقاعدة المطبقة هنا أن الغلط الواقع على القانون لا ينفي الركن المعنوي، فالفاعل يعتبر سارقاً في هذه الأمثلة، إذلا جهل في القانون. .

 – كما يجب أن يعلم الفاعل بعدم رضاء المالك أو الحائز للمال على أخذ المال.

 أما إذا اعتقد أو ظن أن المجني عليه راضية بذلك، فينتفي لديه الركن المعنوي.

 كما لو اعتاد أحد الرعاة على رعي قطيعه في أرض احد الأشخاص بناء على موافقته.

واستمر بذلك بالرغم من بيع الأرض لشخص أخر دون علمه بذلك. فهذا الراعي لا يمكن ملاحقته من قبل المالك الجديد بجرم السرقة لانتفاء علمه بعدم رضاء المالك الجديد عن تصرفه، واستمراره بفعله استنادا لموافقة المالك القديم.

ب- عنصر الإرادة.

إضافة للعلم بأركان الجريمة يجب أن تتجه إرادة الفاعل إلى الفعل والنتيجة.

 وكما أشرنا سابقاً، فإن جريمة السرقة  تتميز باندماج النتيجة مع الفعل، لأن النتيجة تتحقق بمجرد ارتكاب الفعل، وتتكامل معه.

 فلا بد لتوافر هذا العنصر أن تتجه إرادة الفاعل إلى النشاط الجرمي، أي إلى فعل الأخذ الذي يتمثل بمجموعة الحركات التي يأتيها الفاعل، والتي من شأنها إخراج المال من حيازة المجني عليه وإدخالها في حيازة أخرى.

وينتفي هذا العنصر إذا كانت الإرادة مكرهة على الفعل، كمن يقوم بسرقة مال مملوك لغيره تحت تهديد السلاح أو الابتزاز.

 كما يجب أن تتجه الإرادة إلى إخراج الشيء مادية من حيازة المجني عليه وإدخاله في حيازة الفاعل أو حيازة غيره، وأن تتجه إرادته إلى الاستيلاء على الحيازة التامة للشيء.

وينتفي القصد الجرمي إذا لم تتجه إرادة الفاعل إلى إخراج الشيء ماديا من حيازة المجني عليه، كأن يكون قد وضعه شخص أخر في جيبه أو في حقيبته دون علم منه.

 أو إذا استولى على الشيء معتقدا أن مالكه قد تخلى له نهائيا عنه، أي معتقدا أنه سلم له على سبيل الحيازة التامة، بينما كان قصد المجني عليه منصبا على تسليمه الحيازة الناقصة، كالعارية مثلا، أو في اليد العارضة فقط، لفحصه مثلا وإعادته إليه.

1- القصد الجرمي الخاص (نية التملك).

إن القصد الخاص في السرقة يتمثل بنية تملك الشيء.

وهذا لا يعني أن يصبح السارق، بحكم القانون مالكا للشيء، باعتبار أن القانون لا يعتد بهذه النية، وأن السرقة ليست سببا معترفا به قانونا لاكتساب الملكية.

 فما تعنيه نية التملك هو إرادة الظهور على الشيء بمظهر المالك له، أي إرادة مباشرة السلطات التي ينطوي عليها حق الملكية.

وهذه النية تقوم على عنصرين:

عنصر سلبي يتمثل في إرادة حرمان المالك من سلطاته على الشيء، ويتجلى هذا العنصر بالعزم على الاحتفاظ بالشيء و عدم رده.

و عنصر إيجابي يتمثل في اتجاه إرادة السارق إلى أن يحل محل المالك في سلطاته على الشيء، أي أن يتصرف بالشيء كما يفعل المالك، ويتجلى هذا العنصر بإرادة السارق أن يباشر على الشيء سلطة تشبه في مظهرها و عناصرها السلطة التي يعترف بها القانون للمالك.

 وهذا يعني أن نية التملك لا تتجه إلى الملكية كحق، لأن النية السيئة لا تنشئ حقاً في القانون ، و إنما تتجه إلى الملكية “كمركز واقعي وفحوى اقتصادي، أي مجموعة من السلطات والمزايا الفعلية .

 واستنادا إلى ما تقدم فإن نية التملك تتمثل في الاتجاه إلى الاستيلاء على الحيازة التامة للشيء، وتنتفي تبعا لذلك إذا  كانت الإرادة قد اتجهت إلى اكتساب اليد العارضة على الشيء، كمن يأخذ شيئا بقصد الاطلاع عليه وإرجاعه إلى مكانه ولو كان ذلك الأخذ ضد إرادة المالك أو الحائز.

أو كمن يأخذ الشيء على سبيل المزاح، باعتبار أن المزاح يفترض وضع يد عارض ومؤقت ويعني حتما العزم على رد الشيء.

أما إذا تصرف بالمال ببيعه مثلا فيعتبر سارقاً له، فلا يجوز أن يبلغ المزاح حد التصرف في الشيء ببيعه، لأن التصرف سلطة لا يباشرها غير المالك.

 كما تنتفي نية التملك إذا كانت الإرادة قد اتجهت إلى اكتساب الحيازة الناقصة.

ومن هذا القبيل من يأخذ شيئا بنية استعماله أو الانتفاع به مؤقتا ثم إعادته.

فلا يعد سارقاً الطالب الذي يأخذ قلم زميله کي يستعمله ثم يعيده لصاحبه، أو الشخص الذي يأخذ دابة جاره ليحرث بها أرضه ويردها بعد ذلك.

– وتجدر الإشارة إلى أن المشرع السوري قد أفرد الاستعمال أشياء الغير بدون وجه حق نصاً خاصاً في المادة 637 من قانون العقوبات السوري، كما يلي كل من استعمل دون حق شيئا يخص غيره، بصورة تلحق به ضررة، ولم يكن قاصدا اختلاس الشيء، عوقب بالحبس حتى ستة أشهر وبالغرامة…، أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

 والملاحظ في هذا النص عدم اعتبار المشرع الاستعمال أشياء الغير سرقة ما دام الفاعل لم يقصد الاستيلاء على الشيء، أي تملكه.

 إلا أنه يشترط الإيقاع العقاب أن يؤدي استعمال الشيء إلى ضرر يلحق بصاحب الشيء.

أما في حالة انتفاء الضرر فلا عقاب.

كما تجدر الإشارة إلى أن هذا النص لا يشمل السيارات، وان كان ينطبق عليها وصف استعمال أشياء الغير، إذا قام شخص بأخذ سيارة مملوكة لأخر وتنزه بها، ثم أعادها إلى مكانها أو تركها في مكان آخر.

فلقد أفرد المشرع السوري لسرقة السيارة، ولاستعمالها دون قصد سرقتها، نصاً مستقلاً في صلب المادة 625 مكرر، معتبراً أن أخذ السيارة دون قصد تملكها جرم جنائي الوصف.

 وهو ما سنتناوله في معرض شرح الظروف المشددة لجريمة السرقة. كما تنتفي نية التملك لدى الدائن الذي يستولي على مال المدينه ضمانا و تأمينا لدينه دون أن يقصد تملكه، بل بقصد رده إلى صاحبه بعد الوفاء بالدين .

وتنتفي النية أيضا لدى الشخص الذي يستولي على منقول لغيره، كمسدس أو سكين، لمنع أذاه، كما لو جرد الفاعل رجلاً من سلاحه خشية الإصابة به، فلا سرقة ولو أخفي هذا السلاح.

– وعند توافر القصد الجرمي، العام والخاص، بالصورة التي سبق بيانها، تقوم جريمة السرقة، ولا عبرة بعد ذلك للباحث أو الدافع الذي دفع الفاعل إلى السرقة، سواء كان دافعا شريفا أو دنيئا .

 فيستوي أن يكون الدافع إلى السرقة الحاجة، أو التصدق على الفقراء، أو الطمع أو مجرد الانتقام، أو الرغبة في الإثراء أو في إفقار المجني عليه، كما لا يؤثر في قيام القصد، وتوفر السرقة، غنى السارق أو سمعته الشريفة ، فقد يكون مدفوعاً إليها بعامل الطمع في مال الغير.

وبالرغم من عدم الاعتداد بالدافع في قيام القصد الجرمي، فإن للدافع أثرا في تقدير العقوبة، شدة أو ليناً، بحسب کونه شريفاً أو دنيئاً.

– ولا بد لقيام القصد من معاصرته للفعل المادي الذي تتكون منه الجريمة، أما القصد اللاحق له فلا يكفي لقيام الجريمة.

فإذا كان الاستيلاء على الشيء بحسن نية ثم نشأ سوء القصد بعد ذلك فلا سرقة.

فلا يعد سارقاً من يأخذ متاعا لأخر معتقداً أنه مملوك له ثم تتبين له الحقيقة فيما بعد ورغم ذلك لم يرده لصاحبه.

ولا يعد سارقاً أيضاً من يأخذ شيئاً يعتقد أنه قد أعير له أو أودع لديه، ثم تسوء نيته عندما يكتشف الحقيقة فيقرر الاستيلاء عليه.

 لكن الأمر يختلف إذا كانت يد الشخص على الشيء عارضة، ثم قامت لديه بعد وضع يده نية الاستيلاء عليه، فإن قصد السرقة يعد متوافرة لديه.

 وعلة ذلك أن وضع اليد العارضة على الشيء لا يشكل أخذا، باعتبار أنه لا ينطوي على تبديل الحيازة.

فالحيازة باليد العارضة تبقى للمالك وليس لصاحب اليد العارضة، ومن ثم لا عبرة بأن نية التملك لم تكن متوفرة عند وضع اليد العارضة.

 وفعل الأخذ يرتكب حين يقرر صاحب اليد العارضة الاستيلاء على الشيء، لأنه في هذه اللحظة يخرجه من حيازة مالكه ويدخله في حيازته، وفي هذه اللحظة ذاتها توافرت نية التملك، وتحقق بذلك تعاصر القصد مع فعل الأخذ.

وعليه يعد سارقاً من يتناول من صاحب محل بيع المجوهرات خاتما ليطلع عليه بغية شرائه، أي أن نيته كانت حسنة عند تناوله للخاتم، ولكن هذه النية ساءت بعد برهة، فهرب بالخاتم .

كما يعد سارقاً أيضاً من يتناول شيئاً ليطلع عليه بدافع الفضول وبنية حسنة، ثم تسوء نيته بعد الاطلاع عليه فيفر به

– ولا ريب أخيراً أن تقدير توافر أو انتفاء القصد الجرمي هي مسألة موضوع تعود لمحكمة الموضوع دون رقابة محكمة النقض.

إلا أن إغفال الحكم التحدث عن القصد، إثباتا أو نفية، يجعله قاصرا في التعليل، وقابلا للطعن بالنقض

 

 

Scroll to Top