الوسم: استشارات قانونية

  • الخصائص العامة لعقد تقديم الاستشارة القانونية

    عقد تقديم الاستشارة كما بينا سابقا بأنه عقد يلتزم بمقتضاه المستشار أن يقدم مشورة اللمستفيد لقاء أجر يحصل عليه ، من شأن هذه الاستشارة أن ترشد وتعين المستفيد على اتخاذ قراره المناسب .

     ومن هذا التعريف يتبين لنا أن لعقد تقديم الاستشارة عدد من الخصائص يتميز بها نعرض لها على الوجه الاتي :

     اولاً : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد رضائي:

    يكفي لانعقاده مجرد التراضي ، أي مجرد توافق الإرادتين ، ولا يستلزم أي شكلية معينة الانعقاده ، لأن القانون لا يشترط ذلك حيث نصت المادة / ۷۳ من القانون المدني العراقي على أن :

    (( العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من احد العاقدين بقبول الآخر على وجه الذي يثبت اثره في المعقود عليه ))

    وهذا النص يؤكد على الأصل في العقد انعقاده بمجرد توفر الإيجاب والقبول دون اشتراط إفراغهما في قالب معين هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن الأصل في العقود الرضائية.

    ومن ثم يكتفي توافق إرادتي المستفيد والمستشار ، من دون الحاجة لإفراغ العقد في قالب معين ، فهو لا يندرج في طائفة العقود الشكلية التي يتعين إفراغها في شكل معين حتى تستوفي شرائط وجودها القانوني ،

    ولهذا ينعقد في الأصل بمجرد تلاقي إرادة كل من المستشار والمستفيد ، ومن غير أن تشترط أي إجراءات أخرى يفرضها القانون ويلتزم بها المتعاقدين فمثلما يكون الإيجاب والقبول شفاها يمكن أن يكون كتابة.

    ولا يمنع من كون العقد أن يكون رضائية ، أن يشترط في إثباته شكل مخصوص إذ يجب التمييز بين وجود العقد وطريقة إثباته ،

    فما دام يكفي في وجود العقد رضاء المتعاقدين فالعقد رضائي ، حتى لو اشترط القانون لأثباته كتابه أو نحوها ، مثال ذلك أن القواعد العامة في الأثبات تشترط الكتابة لأثبات التصرفات القانونية التي تزيد قيمتها على خمسة الاف دينار أياً كان محلها إذ تنص المادة / ۷۷ / ثانية من قانون الأثبات العراقي على انه

    (( اذا كان التصرف القانوني تزيد قيمته على (5000) خمسة آلاف دينار أو كان محدد القيمة ، فلا يجوز أثبات هذا التصرف – انقضاؤه بالشهادة – مالم يوجد اتفاق أو قانون ينص على خلاف ذلك )) ،

    وأن كان العرف في فرنسا يقضي بكتابة هذا العقد ، إلا أن العرف في العراق يختلف عنه في فرنسا حيث أن الغالبية في عقود تقديم الاستشارة تكون شفوية ولا يلجأ أطراف العقد إلى الكتابة لأن الاستشارة غالبا ما تكون معلومة أنية, هذا من جانب ، ومن جانب أخر فأن غاية الكتابة في هذا العقد هي للأثبات فقط وليست شرط لانعقاده كما بينا سابقا .

    ثانياً : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد ملزم للجانبين:

    إن عقد تقديم الاستشارة القانونية ينشأ ومنذ لحظة أبرامه التزامات متقابلة في ذمة عاقديه بحيث يكون كل منهما ، في الوقت ذاته ، دائنا ومدينة للأخر ، وهذا يعني أنه لا يحق

    لأي طرف من أطرافه أن يتحلل من العقد بإرادته المنفردة دون أن يتحمل الآثار القانونية المترتبة على ذلك ، فوصف العقد بأنه ملزم للجانبين معناه انه منشئ لالتزامات في ذمة كل طرف فيه.

    إلا أن هناك من يرى عدم دقة هذا التحليل معتبرة أن العقد الملزم للجانبين معناه أنه لا يحق لأي طرف من أطرافه فسخ العقد بإرادته المنفردة ،

    أما كون العقد قد أنشأ التزامات في ذمة كل طرف فيه فأنه يوصف بأنه تبادلي أو عقد بمقابل ، فالعقد الملزم للطرفين ليس معناه انه من حق أي طرف من أطرافه التحلل من الرابطة العقدية بإرادته المنفردة مع تحمل الأثار القانونية ، وإنما معناه أنه لا يجوز لأي من الطرفين التحلل من هذه الرابطة وأن كان على استعداد لتحمل الأثار القانونية لهذه التحلل .

    ويرى من ذهب إلى اعتبار عقد تقديم الاستشارة القانونية صورة من صور عقد المقاولة وكما سنرى لاحقأ ، تمتع المستفيد فيه بسلطة فسخ العقد وإيقاف تنفيذه بأي وقت قبل إتمام الاستشارة والدليل على ذلك نص المادة / 1/885 من القانون المدني العراقي التي تنص على أنه

    (( لرب العمل فسخ العقد ويوقف التنفيذ في أي وقت قبل إتمامه على أن يعوض المقاول عن جميع ما انفقة من المصروفات وما انجزه من الأعمال وما كان يستطيع كسبه لو انه أتم العمل))

    وبإمعان شدید بهذا النص نرى إن السلطة الممنوحة للمستفيد باعتباره رب العمل ، تزيل أي تناقض ينازع الإلزامية المتقابلة لأطراف هذا العقد ، وذلك لأن الجزاء المترتب على المستفيد جراء هذا الفسخ يتمثل بتعويض المستشار بوصفه المقاول عن جميع ما انفقه من مصروفات وما انجز من عمل وما كان يستطيع كسبه لو انه أتم هذا العمل ، وهذا ما يؤكد إن المستفيد ملزم باحترام العقد وأن تحلله منه لا يعني عدم ترتيب التبعات القانونية عليه.

    وهذا ما دلت عليه أيضا المادة / 60 من قانون المحاماة العراقي والتي جاء فيها

     (( أذا | عزل الموكل محاميه بدون سبب مشروع بعد المباشرة بعمله يكون ملزمة بدفع كامل الأتعاب كما لو كان قد أنهى العمل لصالح موكله ، اذا حصل العزل قبل المباشرة بالعمل فيستحق المحامي أتعاب المثل عن الجهد الذي بذله تمهيدا للمباشرة بالعمل)) ،

     وعليه اذا قام المستفيد بعزل المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية بغير سبب مشروع بعد الاتفاق ومباشرة المستشار بالعمل ، فأنه يستحق الأتعاب المتفق عليها ،

    أما أذا تم العزل قبل المباشرة بالعمل فأنه يستحق أجر المثل نظير الوقت والجهد الذي بذلهما في المرحلة التمهيدية للعمل من لقائه المستفيد وأخذ المعلومات عن الاستشارة ومناقشته فيها ، ومن ثم دراسة الاستشارة وما إلى ذلك من جهود تسبق المباشرة بالعمل .

    ولما كان هذا العقد يفرض التزامات على عاتق المستشار بتقديم الاستشارة والمحافظة على السر المهني فأنه بالمقابل يفرض على المستفيد التزام بدفع الأجر ، فضلا عن التعاون .

    ومن هنا يتبين لنا إن الاستشارة التي يترتب عليها التزامات قانونية هي الاستشارة التي تكون محلاً لعقد تقديم الاستشارة ، أما الاستشارة المجانية التي تقدم إلى قريب أو صديق فلا يطلق عليها محلا لعقد تقديم الاستشارة بالمعنى الدقيق والصحيح ولا يترتب عليها أثار قانونية ، سوی الالتزام بالحرص والعناية الذي فرضه المشرع على الكافة.

     ثالثاً : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد معاوضة :

    عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد معاوضة إذ يأخذ فيه المتعاقد مقابلا لما أعطاه فالمستفيد يحصل على الاستشارة التي يبتغيها والمستشار يحصل على الأجر المحدد له بموجب العقد ،

    أما اذا لم يحدد الأجر بموجب العقد ، ففي هذه الحالة يتم تحديد اجر المستشار على أساس اجر المثل ، إذ تنص المادة /59 من قانون المحاماة العراقي على انه

    (( أذا لم تحدد أتعاب المحاماة بأتفاق خاص يصار في تعينها إلى أجر المثل ))

    وكذلك نص المادة /۳۱ من قانون محاماة في إقليم كردستان العراق إذ تنص على أنه

    (( اذا لم يعين بدل أتعاب المحامي بأتفاق خاص يصار في تعينها إلى أجر المثل ))) بأعتبار أن الاستشارة القانونية عمل من أعمال المحاماة حسب ما جاء في المادة / 1/۲۲ من قانون المحاماة العراقي.

    رابعاً : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد فوري التنفيذ في الأصل:

    العقد فوري التنفيذ هو الذي تتحدد فيه التزامات المتعاقدين بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول، ولا يكون الزمن عنصرة جوهرية في تنفيذه ، حتى ولو كان هذا التنفيذ على دفعات .

    حيث أن المتعاقدين في عقد تقديم الاستشارة ينفذان التزاماتهما في الغالب في الوقت المحدد لذلك ودفعة واحده .

    إلا أنه يجوز أن يكون العقد مستمر التنفيذ اذا ما اتفق المستشار القانوني مع شركة ما على تقديم خدماته في تقديم الاستشارة القانونية على شكل دفعات اذا كان موضوع الاستشارة من الصعب تنفيذه على دفعة واحدة أو كانت من السعة بحيث لا يصح تنفيذها إلا على مراحل والمثال على ذلك أشترط القانون على كل شركة خاصة يزيد رأس مالها على حد معين أن يعین مشاور قانونية ، إذ تنص المادة / 35 من قانون المحاماة العراقي على أنه

     (( ۱- على كل شركة عراقية أو مشروع يكون رأسمال كل منهما مائة الف دينار فأكثر تعيين مشاور قانوني من المحامين المسجلين في جدول المحامين

    ۲ – على كل شركة أجنبية أو فرع لها في العراق تعين مشاور قانوني من المحامين المسجلين في جدول المحامين ))

     وتنص المادة  / ۲۰ من قانون المحاماة في إقليم كردستان العراق على

     (( اولاً: على الشركات الوطنية التجارية والصناعية والزراعية والخدمية أو الاستشارية مساهمة كانت أو ذات مسؤولية محدودة والتي لا يقل رأس مالها عن (۲۰۰) (مائتين وخمسين ألف دينار) والشركات الأجنبية التي تعمل في الإقليم أو من لها فرع فيه أن تتعاقد مع محامي أو أكثر من المستشارين أو الممارسين لتقديم الاستشارة القانونية )))

    ففي هذا الحالة يعد عقد تقديم الاستشارة من العقود المستمرة التنفيذ.

    خامساً : عقد تقديم الاستشارة القانونية من العقود المحددة بالأصل:

    العقد المحدد هو العقد الذي يتحدد فيه مركز المتعاقدين المالي عند التعاقد فيعرف كل طرف المقدار الذي له والمقدار الذي عليه).

    حيث يستطيع كل من المستشار والمستفيد في عقد تقديم الاستشارة أن يحدد المقدار الذي أعطى والمقدار الذي اخذ فالمستشار يعرف عند أبرام العقد نطاق الاستشارة التي سيدلي بها والزمن الذي عليه أن يؤدي خلاله الاستشارة ،

    وبالمقابل فأن المستفيد يعرف مقدار الأجر الذي سيدفعه عوض عن الاستشارة وكذلك حدود التعاون الذي يفرضه عليه عقد تقديم الاستشارة مع المستشار ، فهذه الالتزامات بين طرفي العقد محددة بحيث لا تثير أية نزاع أو اجتهاد أو تفسير لبنود العقد قد تضر بأحد الأطراف ، وان لا يبقى بندة أو شرط يحمل اكثر من اجتهاد أو تأويل منعاً لأية أضرار.

    ولكن من الممكن أن يكون عقدة غير محدد كما لو أتفق المستشار القانوني مع شركة على أن يقدم الأول الاستشارة كلما احتاجتها ولمدة سنة مثلا مقابل راتب شهري مقطوع ، وهنا التزام الطرف الأول المستشار القانوني غير محدد أو ثابت في مثل هذا العقد.

    سادساً : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مدني :

    يعد عقد تقديم الاستشارة من العقود المدنية وذلك لأن هذا العقد يقوم على أداء ذات طبيعة ذهنية ومن المقرر أن الأعمال ذات الاداءات الذهنية تعتبر أعمالا مدنية ،

    وبالتالى فأن القانون المدني وأحكامه في الواجبة التطبيق ما دام هدف العقد هو تقديم هذه الخدمة المتميزة.

    إلا أن جانباً من الفقه يرى أن عقد تقديم الاستشارة وأن كان من حيث الأصل مدنياً ، إلا انه من الممكن أن يكون تجارياً نتيجة لاكتساب الصفة التجارية بالتبعية اذا وردت الاستشارة بمناسبة عمل من الأعمال التجارية وكانت هذه الأعمال من الأهمية بحيث تطغى على النشاط المهني ،

    وعلى سبيل المثال فالمهندس سواء كان معمارياً أم استشارياً لايقتصر عمله على وضع التصميمات والمقاسات والأشراف على تنفيذها بل يتعدى ذلك إلى القيام بعملية البناء ذاتها فيورد المواد والأدوات ويقدم العمال والفنيين اللازمين ولهذا فأنه يعد تاجرأ .

    إلا أننا نذهب مع الاتجاه الذي يرى إن هذا العقد هو عقد مدني ، ذلك لأن الفقه القانوني استقر على استبعاد الإنتاج الذهني أو ما يسمى بالإنتاج الأول من نطاق الأعمال التجارية

    لأن هذا الإنتاج المتمثل بالاستشارة يكون غير مسبوق بعملية شراء ولا يتضمن تداولا للسلع سواء اقصد المستشار الحصول على الربح أم لم يقصد ذلك .

    عليه فأنه من المقرر أن الأعمال الذهنية تعتبر أعمالاً مدنية ولو قام بها الشخص على وجه الاحتراف ، كالمهندس الاستشاري والمستشار القانوني والرسام وغيرهم ، وذلك لأن هذه الأعمال تعتمد على العقل والفكر أكثر من اعتمادها على العمل اليدوي .

    سابعاً : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد بتقديم العمل:

    يعد عقد تقديم الاستشارة القانونية من العقود الواردة على العمل ، فالعمل هو الوسيلة أو الأداء لتحقيق النتيجة النهائية المتفق عليها والتي تتمثل بالاستشارة ،

    فعقد تقديم الاستشارة لا يرد على التصرفات القانونية وإنما يرد على أعمال مادية وطبيعة الأداء فيه أداء ذهنية يعتمد على العقل ،

    حيث أن المستشار ملزم بالإضافة للالتزامات الأصلية المتمثلة بتقديم الاستشارة والسرية يكون ملزما بالنصيحة للمستفيد لما يتمتع به المستشار من الخبرة والتفوق في مجال مهنته حيث أن هذه الأعمال تتصل بمهنته .

  • تعريف عقد تقديم الاستشارة القانونية

    على الرغم من الأهمية البالغة لعقد تقديم الاستشارة القانونية ، فقد لامسنا كثرة الدراسات لهذا النوع من العقود إلا أنها لم تكن معمقة لتناول هذا العقد بشيء من التحليل والتأصيل والتفصيل هذا من جانب.

    من جانب أخر فأن المهمة الرئيسة عند التعريف بأي شيء تقتضي اكتشاف ماهية هذا الشيء ، ومن ثم تحديد العناصر التي تميزه عن غيره ، فلكل شيء جوهر يستقل به عن غيره، وأن التعريف بالشيء يستوجب تحديد هذا الجوهر .

    وتتعدد الالتزامات في هذا النوع من العقود بحسب الفرد المتخصص والجهة التي يعود لها ، فعقد تقديم الاستشارة قد يلتزم بموجبه فرداً متخصصاً في فرع من فروع المعرفة لديه تجربة وممارسة جعلت منه عنصرأ متميزة في تخصصه بما يملكه من مواهب وقدرة فائقة في المعرفة والإدراك ،

     وقد يكون مكتبة استشارية عامة مرتبط بالدولة كما في المركز القومي للاستشارات الهندسية التابع لوزارة الأعمار والإسكان وكذلك المكاتب الاستشارية في كليات القانون والحقوق التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي أو مكتبة خاصأ يمتلكه أفراد في تخصصات مختلفة يعمل بموجب إجازة تخوله ممارسة العمل الاستشاري .

    وقبل أن تعرف عقد تقديم الاستشارة القانونية ينبغي لنا أن نبين مفهوم العقد بصفة عامة ، ليتسنى لنا تعريف عقد الاستشارة ، فقد أتت بعض القوانين ومنها القانون العراقي واللبناني والكويتي والفرنسي على تعريف العقد ،

    وامتنعت بعض القوانين الأخرى عن تعريفه كالقانون المصري والسوري والليبي والسوداني ، معتبرة أن التعريف مسألة فقهية من المناسب ترکه اللاجتهاد الفقهي) ، فعرفه القانون المدني العراقي بصورة عامة عندما تتناول مفهوم العقد في المادة /۷۳ على

    (( أن العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه )) 

    وعرفة التقنين المدني الفرنسي العقد في المادة /۱۱۰۱ منه بأنه

    (( هو اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين ، بإعطاء شيء أو بفعله أو بالامتناع عن فعله ))

     ومن الملاحظ على تعريف التقنين المدني الفرنسي انه يخلط بين تعريف العقد وتعريف الالتزام”.

    ومما تجدر الإشارة اليه أننا في موضوع دراستنا أمام عقد حدیث ، انبثق عن التطور المتلاحق للفكر الإنساني ، وما لاحق هذا التطور من انتشار الهائل للجهات المختصة في إعطاء الاستشارة ، فهذا العقد يقوم على ركيزة أساسية وهي الالتزام بتقديم الاستشارة ،

    وقد نال هذا العقد حظه من التطور شأنه في ذلك شأن سائر أغلب المهن الحرة التي تتطور ، لتضع الاستشارة النظرية موضع التنفيذ، وذلك عن طريق طلب النصيحة من المستشار من قبل المستفيد لحاجته الملحة والتي ينفرد بها المتخصص مقابل أجر يدفعه.

    وعلى هذا الأساس فحينما يكون الالتزام الأساسي ومحل الأداء الرئيس في العقد هو تقديم الاستشارة فأن هذا العقد هو عقد تقديم الاستشارة ، فكونه يبرم بين طرفين المستشار والمستفيد ، بغية أن يحصل الأخير على مشورة من شأنها أن توجهه لاتخاذ قراره .

    فالمستفيد عاد يسأل المستشار باعتباره حائزا ومقتنية للمعارف الفنية التي تؤهله أن تقدم المساعدة ، هذه المساعدة تتخذ عادة شكل الاستشارة التي يطلبها المستفيد من المستشار .

    ومن هنا يتبين لنا إن المستشار يقدم خبرته ودرايته المتمثلة في شكل مشورة يقدمها للمستفيد وهي اداءات ذات طبيعة ذهنية وعقلية وفنية.

    إن هذه الأداءات التي يلتزم بها المستشار تجاه المستفيد تفرض أن المستشار ، يمتلك قدرة من المعارف وأن الأداء الأساسي الذي يلتزم به هو نتاج لأعمال العقل والفكر ، وهذه الاداءات ذات الطبيعة الذهنية يصعب حصر المهن التي تمارس من خلالها ،

     فعلى سبيل المثال لا الحصر يندرج تحت هذه الطائفة المحامين والأطباء – الخبراء المحاسبين – المعمارين – المهندسين الاستشاريين – الاستشاريين القانونيين – الاستشاري في مجال أنظمة الحاسب الألي وغيرهم .

    ومن هنا نلاحظ عدم استقرار الفقه القانوني على وضع تعریف جامع مانع لهذا العقد ، وذلك لصعوبة تحديد مضمون هذا النوع من العقود ، ولما كان هذا العقد يدور في فلك الالتزام بالاستشارة ، فذهب جانب من الفقه الفرنسي في تعريفه لعقد تقديم الاستشارة بأنه

     (( العقد الذي يتعهد فيه المهني أن يقدم بمقابل استشارة لغير المتخصص في فرع من فروع المعارف الفنية العلمية يكون من شأنها أن يستند أليها غير المتخصص في اتخاذ قراره ))) ،

     فمن خلال تحليل هذا التعريف يتبين لنا أنه يركز على الهدف من أبرام هذا العقد والذي يتمثل في الحصول على مشورة من شأنها إنجاح الأهداف التي يسعى اليها طرفي العقد ، حيث يرتكز هذا العقد على التزام المستشار بتقديم معلومات معينة معتمدة في ذلك على مجرد تفوقه وخبرته الفنية في مجال عمله المتميز ، ولهذا نلاحظ إن الفقه العربي قد سایر الفقه الفرنسي في أتجاهه في تعريف عقد تقديم الاستشارة حيث جاءت تعريفاته مبنية على طبيعة أداء المستشار كونه أداء ذهنية وعقلية فقد عرف بأنه

    (( العقد الذي يكون الأداء الرئيسي فيه هو تقديم الاستشارة )).

    وعرفه أخر بأنه (( العقد الذي يعتمد على أداء معين لمستشار متخصص في مجال معين الذي يضع فيه رب العمل ثقته نتيجة خبرة فنية وعملية مكتسبة وبالتالي يتخذ من خلال توجيهه قراره النهائي )).

     وعرف كذلك (( بأنه اتفاق بين شخصين أحدهما مهني – يقال له الاستشاري – متخصص في فرع من فروع المعرفة الفنية ، يلتزم بمقتضاه في موجهة الطرف الأخر – يقال له العميل – ومقابل أجر ، أن يقدم على وجه الاستقلال ، استشارة ودراسة ، هي أداء من طبيعة ذهنية ، من شأنها أن تؤثر بطريقة فعالة في توجيه قرارات العميل )).

    ولكل ما سبق من تعاريف يتبين لنا ملامح عقد تقديم الاستشارة القانونية وعناصره الأساسية والتي تمكننا أن نعرف هذا العقد بأنه :

    أتفاق بين شخصين أحدهما المستشار القانوني يلتزم بمقتضاه في مواجهة الطرف الأخر المتمثل بالمستفيد ومقابل أجر بأن يضع تحت يديه مشورة قانونية هادية ومرشده من شأنها أن توصله إلى الهدف الذي يسعى اليه.

    وعلى هذا الأساس فأن المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية يرقى فيها من أن يكون عاملا على آلة أو فني يطبق نظريات فنية معينة ، وإنما هو نتاج عقل بشري متخصص مبتكر ومبدع يستمدها من عقله وخبرته .

    وبتحليل لمجمل التعاريف يتبين لنا إن عقد تقديم الاستشارة القانونية، يقوم على أداءات متميزة من جانب المستشار ، و يتمتع بعدد من الخصائص ، وينفرد بعدد من السمات ، هذا فضلا من أنه يظم طرفين وهما المستشار القانوني والمستقيد إضافة إلى الأداء المميز الذي يتمثل بالاستشارة القانونية .

  • تطور شركة المساهمة والتعريف بها وخصائصها

    تطورالشركة المساهمة

    يختلف الفقه حول الأصل التاريخي لنشأة شركة مساهمة:

    فادعى بعضهم أن لبناتها الأولى قد أرسيت بظهور بنك “سان جيورجيو” في جمهورية جنوة عام 11409).

    ولمح آخرون إلى أن جذورها تمتد إلى “جمعية التجار المغامرين” التي عرفتها إنكلترا في أوائل القرن الخامس عشر .

    والراجح أن شركات الأسهم قد ظهرت في إنكلترا وهولندا وفرنسا في القرن السابع عشر لتنفيذ المشاريع الكبرى الناجمة عن اكتشاف القارة الأمريكية وفتح طريق الهند، وتكرست شخصيتها الاعتبارية استنادا للأوامر الملكية القاضية بإحداثها.

    وتبني قانون التجارة العثماني أحكام شركة الأسهم في القانون الفرنسي وأدخل عليه بعض التعديلات، كما تم تعديل بعض أحكامها أثناء الانتداب الفرنسي، وبعد ذلك صدر قانون التجارة رقم 149 لعام 1949 الذي تبني أحكام القانون اللبناني لعام 1942 مع بعض التعديلات، وأخيراً نظم المشرع السوري أحكام الشركة المساهمة في قانون الشركات رقم 3 لعام 2008 في الباب السادس منه بالمواد من 86 حتى 202.

    تعريف الشركة المساهمة وخصائصها

    تعريف الشركة المساهمة

    من قراءة نصوص قانون الشركات نستطيع أن نستخلص تعريفا للشركة المساهمة ونعرفها على النحو التالي:

    هي شركة تجارية بشكلها تستمد اسمها من موضوع عملها، تتألف من خمسة وعشرين مساهمة على الأقل، ويتألف رأسمالها من أسهم يطرح جزء منه على الاكتتاب العام وتكون مسؤولية المساهمين فيها محدودة بما يملكونهم من أسهم، وتكون أسهمها متساوية القيمة وقابلة للتداول وللإدراج في أسواق الأوراق المالية. ( مادة 86 و 87 و 88 شركات ) .

    خصائص الشركة المساهمة

    مما تقدم من تعريف للشركة المساهمة نخلص إلى أنها تتمتع بخصائص تتعلق بصفتها التجارية وأسمها ورأس مالها ومسؤولية الشريك فيها.

     أولاً – صفتها التجارية:

     تعد الشركة المساهمة ذات صفة تجارية أيا كان موضوع عملها وحتى ولو قامت بنشاط مدني كالزراعة مثلاً، وبالتالي فهي شركة تجارية بشكلها، وتكتسب صفة التاجر وتكون خاضعة الأحكام قانون التجارة والالتزامات التجار، ولأحكام الإفلاس والصلح الواقي.

    ثانياُ – اسمها:

    لا يكون للشركة المساهمة اسما مؤلف من اسم المساهمين أو اسم بعضهم كما هو الحال في شركات الأشخاص.

    وإنما يستمد اسمها من غرضها، أي من طبيعة النشاط الذي أسست لمزاولته.

    وذلك لأن شخصية الشريك فيها ليس لها أدنى اعتبار في تكوينها.

    كما أن الغاية الرئيسية من ذكر أسماء الشركاء في عنوان الشركة هي تقوية ائتمانها بإعلام الغير بأسماء الشركاء المسؤولين بالتضامن، بينما في الشركة المساهمة تكون مسؤولية الشركاء محدودة بقيمة أسهمهم، لذلك يؤخذ اسمها من موضوع نشاطها فيقال مثلا: “شركة الصناعات النسيجية المساهمة”.

    على أنه يمكن أن يستمد اسم الشركة من اسم شخص طبيعي إذا كان غرض الشركة استثمار براءة اختراع مسجلة باسم هذا الشخص.

     كما أن ليس بالضرورة أن يستمد اسم الشركة المساهمة من غرضها فقد يكون عبارة عن اسم جغرافية أو اسم أحد الحيوانات أو مشاهير الرجال أو أي تسمية عابرة، كما هو حال ” شركة غدق المساهمة”.

     وأيا كانت التسمية فيجب أن يتبع اسم الشركة عبارة “ مساهمة ” وذلك لتمييزها عن الشركة المحدودة المسؤولية ولإزالة أي لبس حول نوعها في حال الترخيص لها باستعمال اسم شخص طبيعي عندما تستثمر براءة اختراع مسجلة باسمه، فيوضح ذلك أن الشخص ليس شريكاً متضامناً فيها.

    كما يجب أن يذكر اسمها وسجلها في مطبوعاتها وإعلاناتها وعقودها مع إدراج رأسمالها في هذه الأوراق.

     فإذا أغفل أعضاء مجلس الإدارة أو من يمثلها بذكر هذه البيانات جاز للمحكمة عندئذ اعتبارهم مسؤولين بالتضامن عن التزامات وديون الشركة تجاه الغير حسن النية الذي أبرم عقود مع الشركة دون أن يتبين له الشكل القانوني للشركة أو رأسمالها، (مادة 4/88 شركات).

     ثالثاً – رأس مالها:

    يتميز رأس مال الشركة المساهمة بضخامة كبرى، نظرا لأن هذا الشك من الشركات يقوم على الاعتبار المالي.

    ويقسم رأس المال إلى أجزاء صغيرة متساوية القيمة، يسمي كل جزء منها سهما.

    وهي قابلة للتداول بالطرق التجارية وللإدراج في أسواق الأوراق المالية.

    ويجب أن يطرح جزء من رأسمالها على الاكتتاب العام.

    ونظرا لأن الشركة المساهمة تضطلع بالمشروعات الاقتصادية الكبرى، فلقد أناط المشرع بمجلس الوزراء وبناء على اقتراح وزير الاقتصاد وضع حد أدنى لرأسمالها لا يجوز النزول عنه بأي حال من الأحوال .

    فإذا نقص رأسمال عن الحد الأدنى، جاز لوزارة الاقتصاد منح الشركة مهلة ستة أشهر لتصحيح أوضاعها أو تحويل شكلها القانوني إلى شكل محدودة المسؤولية، وفي حال عدم امتثال الشركة لطلب الوزارة خلال المهلة الممنوحة لها جاز للوزارة طلب حل الشركة من محكمة البداية المدنية التي يوجد في منطقتها المركز الرئيسي للشركة. (مادة 3/90 شركات).

    كما وضع المشرع حدا أدني لقيمة السهم فلا يجوز أن يقل السعر الإسمي للسهم عن خمسمائة ليرة سورية.

    ولكن لم يضع المشرع حداً أقصى لقيمة السهم وهذا من شأنه تحقيق المرونة في تقدير القيمة الاسمية للسهم.

    وعليه فإن تقسيم رأس المال إلى أسهم قابلة للتداول وللإدراج في سوق الأوراق المالية مع تحديد مسؤولية المساهم بقدر قيمة أسهمه، هي الخصيصة البارزة للشركة المساهمة التي تمنحها عن غيرها من الشركات، والتي جعلتها الأداة المثلى لجمع المدخرات اللازمة لأي حجم من المشروعات الاقتصادية.

    رابعاً – مسؤولية المساهم المحدودة:

     لا يكون المساهم في الشركة المساهمة مسوؤلاً عن ديون الشركة إلا بقدر القيمة الإسمية للأسهم التي يملكها في الشركة.

    ويترتب على ذلك أنه متى أو في المساهم بقيمة الأسهم التي يملكها امتنع على دائني الشركة مطالبته بشيء.

    كما أنه لا يكتسب صفة التاجر نظرا لمسؤوليته المحدودة، وبالتالي فإن إفلاس الشركة المساهمة لا يؤدي إلى شهر إفلاسه.

    ولا تختلط صفة المساهم في الشركة بصفة المؤسس وإن كان مكتتبأ في أسهم الشركة. فالمؤسس هو من يبادر في تأسيس الشركة، ويشارك في وضع نظامها الأساسي واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للتأسيس، ويتحمل المؤسسون المسؤولية عن الأخطاء التي يرتكبونها عند تأسيس الشركة أو عند فشل مشروع تأسيسها.

    كما تكون مسؤوليتهم تضامنية ويلتزمون بالتعويض عن الضرر الناجم عن بطلان الشركة أو أي خطأ في التأسيس. أما إذا تم تأسيس الشركة المساهمة دون خطأ من المؤسسين، فإن مسؤولية جميع المساهمين، بما فيهم المؤسسين، تكون محدودة عن ديون والتزامات الشركة بحدود ما يملكونه من أسهم في رأسمالها .

  • هل يمكن للشركة محدودة المسؤولية الاكتتاب العام أو إصدار أوراق مالية قابلة للتداول؟

    حظر الاكتتاب العام أو إصدار أوراق مالية قابلة للتداول

    غالبا ما يكون مشروع الشركة المحدودة المسؤولية صغيرة أو متوسط الحجم، لذلك نرى أن المشروع أناط بوزير الاقتصاد إقرار الحد الأدنى لرأسمال الشركة.

    وعليه فإن الشركة لا تقدم إلا ضمان متواضعاً لضعف رأسمالها ولأن مسؤولية الشركاء فيها محدودة بقدر حصصهم،

    لذلك نصت الفقرة الثامنة من المادة /56/ على عدم جواز بأي حال من الأحوال طرح حصص الشركة المحدودة المسؤولية على الاكتتاب أو توجيه الدعوة للجمهور لشراء حصص فيها أو إدراج حصصها في أي سوق مالية،

    كما لا يحق للشركة إصدار أسناد قرض قابلة للتداول.

    ويرجع ذلك إلى ضرورة حماية الإدخار العام، ومنع المضاربة على صكوك الشركات المحدودة المسؤولية التي لا تقدم إلا ضماناً متواضعاً.

    وهذا بالطبع لا يعني عدم جواز تداول حصص الشركاء، ولكن بغير طرق تداول الأوراق المالية الصادر عن شركات المساهمة، وإنما بالتنازل عن الحصة.

    ولنفس الأسباب المذكورة أعلاه حظر المشرع على الشركة المحدودة المسؤولية القيام بأعمال التأمين أو المصارف أو التوفير (مادة 9/56 شركات).

     ولا يخفى أن الغاية من ذلك حماية مصالح المستثمرين، نظرا لأن هذه الأعمال تتضمن كثيراً من المخاطر التي يخشى معها إفلاس الشركة. وقد عاقب المشرع الشركاء والمديرين الذين يخالفون هذا المنع بالعقوبة المنصوص عليها الجريمة الاحتيال. (مادة10/85 شركات).

  • هل لشركة الحاصة شخصية اعتبارية؟

    انتفاء الشخصية الاعتبارية لشركة المحاصة

    نصت الفقرة الثانية من المادة 51 من قانون الشركات على أنه:

    “ليس لشركة المحاصة شخصية اعتبارية ولا تخضع لمعاملات الشهر المفروضة على الشركات الأخرى”.

    وعليه فقد نص القانون صراحة تتمتع شركة المحاصة بالشخصية الاعتبارية واقتصارها على كونها عقدة بين الشركاء مع ما للعقود من أثر نسبي.

    وهذا ما يميزها عن غيرها من الشركات الأخرى التي تخضع لإجراءات الشهر وتتمتع بالشخصية الاعتبارية، رغم عدم شهرها، وكل ما في الأمر أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الشخصية على الغير إلا بعد القيام بمعاملات الشهر التي يتطلبها القانون.

     ويتفرع عن انتفاء الشخصية الاعتبارية لشركة المحاصة أنه ليس لها اسم تجاري أو عنوان ولا ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء، وليس لها كذلك موطن أو جنسية خاصة بها.

    كما أنها لا تخضع لإجراءات التسجيل في سجل الشركات أو لمسك الدفاتر التجارية.

    ويترتب على ذلك أيضا أنه لا يجوز شهر إفلاس الشركة، وإنما يشهر إفلاس الشريك الذي تعاقد مع الغير إذا توقف عن دفع ديونه التجارية وكان تاجراً.

     

    قيام شركة المحاصة على الاعتبار الشخصي

    شركة تعد المحاصة من شركات الأشخاص.

    فأساس تكوينها الثقة المتبادلة بين الشركاء والمعرفة الوثيقة فيما بينهم.

    فالاعتبار الشخصي هو عماد هذه الشركة.

    وهذه الصفة تبدو أكثر وضوح في شركة المحاصة عن باقي شركات الأشخاص نظرا لأن الشركاء لا يظهرون في مواجهة الغير، ويقدمون حصصهم غالبأ ملكا للشريك المدير، ويعتمدون في نتائج أعمال الشركة على مجرد الثقة فيمن تلقى حصصهم ويتعامل باسمه الخاص.

    ويترتب على اعتبار شركة المحاصة من شركات الاعتبار الشخصي أنه لا يجوز تداول الحصص إلا بموافقة جميع الشركاء.

    وأن تنازل أحد الشركاء عن حصته يقتصر أثره على العلاقة بين طرفيه ولا شأن للشركاء الآخرين به، طبقا لمبدأ نسبية العقود.

    كما أن شركة المحاصة تنقضي بطرق الانقضاء المتعلقة بالاعتبار الشخصي، إذ تنتهي الشركة إذا ما شهر إفلاس أحد الشركاء أو حجر عليه أو توفي كل ذلك ما لم يتفق على غير ذلك.

    وتجدر الإشارة إلى أن حكم المادة 40 من قانون الشركات لا يسري على شركة المحاصة، وهو ما يتعلق باستمرار الشركة بين باقي الشركة الأحياء بالرغم من وفاة أحد الشركاء.

    فالحكم المذكور مقصور على شركة التضامن وشركة التوصية، ولا يمتد بالتالي إلى شركة المحاصة.

    ومع ذلك إذا نص عقد شركة المحاصة على استمرار الشركة رغم وفاة أو انسحاب أحد الشركاء، فإنه يجب تقدير حصة الشريك المتوفى أو المنسحب في الأرباح التي حققتها الشركة، فضلا عن جواز استرداده الأموال.

  • ركن ومحل جرم الاحتيال في القانون السوري

    ركن محل الاحتيال

    يتطلب الاحتيال موضوعاً أو محلاً هو ذلك المال المسلم للمدعى عليه نتيجة نشاطه الجرمي المتمثل بالحيلة والخداع.

    وقد عبرت الفقرة الأولى من المادة 641 عنه بقولها

     “مالا منقولا أو غير منقول أو أسنادا تتضمن تعهدا أو إبراء

     إذن فمحل جريمة الاحتيال هو المال.

     وهذا المال يجب أن يكون مادية مملوكة للغير سواء كان منقولا أم غير منقول.

    وبالرغم من أن جميع المحررات و السندات والوثائق تدخل ضمن مفهوم المال المنقول إلا أن المشرع نص صراحة على الأسناد المتضمنة تعهدا أو إبراء.

    والجدير ذكره أن المال محل جرم الاحتيال هو ذاته المال محل جرم السرقة، باستثناء فارق واحد بينهما ، و هو أن السرقة لا تقع إلا على منقول، بينما الاحتيال يقع، في القانون السوري، على المنقول والعقار.

     لذلك سنتعرض بإيجاز المفهوم المال في الاحتيال محيلين بالنسبة لتفصيلاته إلى ما سبق ذكره في جريمة السرقة.

    1- إذن يشترط في محل الاحتيال أن يكون مالاً، والمال هو كل شيء يصلح أن يكون محلاً لحق الملكية.

    والإنسان لا يمكن أن يكون محلاً لجرم الاحتيال.

     فمن يخدع فتاة ويحملها على التسليم في عرضها لا يرتكب جريمة احتيال .

     كما لا يرتكبها من يخطف أخر بالحيلة والخداع.

     فمحل هذه الجرائم ليس مالاً، وبالتالي يلاحق مرتكبيها عن جرائم أخرى قد تكون الاغتصاب أو الخطف أو الحرمان الحرية.

    ويشترط بطبيعة الحال أن يكون المال متقومة، سواء كانت قيمته كبيرة أو ضئيلة، مادية أو معنوية، كتذكار أو رسالة أو خصلة شعر أو أي شيء له مكانة وقيمة لدى حائزه.

    2- ويشترط في المال أن يكون ذو طبيعة مادية، أي قابلا للحيازة والتسليم والتملك الشخصي، بصرف النظر عن طبيعة مادته، صلبة أو سائلة أو غازية.

     فيخرج بالتالي من مفهوم المال الأشياء المعنوية، أي غير المادية، كالحقوق والأفكار والألحان والمخترعات و الشعر، لأنها أشياء معنوية لا تدرك بالحس وليس لها كيان مادي يمكن الاستيلاء عليه.

     بيد أن هذه الأشياء تتحول إلى منقولات مادية صالحة لتكون محلا للاحتيال إذا أفرغت في وعاء مادي، كسند أو كتاب أو نوتة موسيقية أو براءة اختراع وتم الاستيلاء عليه بالخداع، لأن الاحتيال هنا يقع على المادة التي دون بها الحق أو الكتاب الذي وضعت به الأفكار أو النوتة التي تتضمن اللحن الموسيقى أو براءة الاختراع.

     أما الحقوق في حد ذاتها والأفكار والألحان والمخترعات فليس لها كيان مادي يصلح ليكون محلا للاحتيال.

    3- ويشترط أن يكون المال موضوع الاحتيال مملوكة للغير.

     بالتالي لا يقع الاحتيال في حالة من يستعمل الخداع الاسترداد ماله من يد سارقه، أو حالة المؤجر الذي ينتزع بالخداع من المستأجر الشيء الذي أجره له قبل انتهاء مدة العقد، ولو كان المستأجر قد أدي الأجرة عن المدة بأكملها.

    ولا يرتكب جريمة الاحتيال أيضا من يستولي على مال لا مالك له، مثل المال المباح أو المتروك.

    والمثال على ذلك أن يهم شخص بحيازة مال مباح فيتدخل شخص ويدعي ملكيته للمال ويؤيده شخص ثالث بذلك، فهو لا يرتكب الاحتيال لأن محله غير مملوك لأحد.

    إلا أن الحكم يختلف لو أن الشخص هذا حاز الشيء المتروك أو المباح فقام المحتال بخداعه وحصل عليه، فهنا تقوم جريمة الاحتيال لأن المال المباح أصبحت ملكيته لمن يحوزه، والتسليم هنا انصب على مال مملوك للغير.

    ويستوي أخيرا أن يكون محل الاحتيال ما منقوط أو غير منقول. وهذا ما يميز الاحتيال عن السرقة وعن إساءة الائتمان، اللتان لا تقعا إلا على مال منقول.

     وللمنقول في جريمة الاحتيال ذات المعنى الذي حددناه في جريمة السرقة، فنحيل إليه.

    وبالرغم من دخول الأسناد ضمن مفهوم المال المنقول، إلا أن المشرع ذكرها صراحة بعبارة “الأسناد التي تتضمن تعهدا أو إبراء”.

    والأسناد تعني الصكوك أو المحررات ذات القيمة المالية، أي كل ورقة تحمل تعهدا أو إبراء. والمراد بالتعهدات الموجبات على اختلاف موضوعاتها، ومثالها سند الدين.

     أما الإبراء فيراد به كل إنهاء الموجب أيا كان سبب هذا الإنهاء، ومثاله سند المخالصة، أي السند الذي يثبت الإبراء من الدين.

     ويبدو أن الحكمة من إيراد الأسناد بصورة مستقلة عن المنقول تتجلى بكون الاحتيال الذي يكون محله الأسناد يظهر في صورتين مختلفتين:

    الأولى: تتمثل بالحصول بطريق الخداع على السند ذاته المتضمن تعهدا أو إبراء.

     فللسند في هذه الحالة طبيعة مادية وله بالإضافة إلى ذلك قيمة مالية، فأمره لا يثير صعوبة تذكر، والاحتيال يقوم بهذه الحالة.

    الثانية: تتمثل بالحصول بطريق الخداع على التعهد أو الإبراء في سند موجود في حيازة المجني عليه، ودون أن يقتضي ذلك حصول المحتال على السند ذاته.

    والفرض هنا أن يستطيع المحتال أن يحصل على تعهد في ذمة الغير المصلحته أو أن يحصل على إبراء من تعهد في ذمته دون أن يقتضي ذلك حصوله على السند.

     والمثال على ذلك أن يحصل المحتال بالخداع على تسجيل اسمه في قائمة من يستحقون إعانة بطالة أو مرض أو تعويض عائلي، أو أن يحمل المجني عليه على أن يثبت في دفتره اسمه على أنه يستحق ما في ذمته، أو على أن يحذف من دفاتره مبلغا كان ثابتا في ذمته .

  • ماهو الايذاء المقصود وماهي أنواعه في القانون السوري؟

    الإيذاء المقصود

    يشترك الإيذاء مع القتل في أن كلاهما يشكلان اعتداء إنسان على إنسان أخر.

     فإن أدى الاعتداء، مقصوداً كان أم غير مقصود، إلى إزهاق روح المجني عليه، نكون أما جرم القتل. أما إذا أدى الاعتداء، مقصودا كان أم غير مقصود، إلى المساس بسلامة المجني عليه الجسدية. نكون أمام جرم الإيذاء.

    ويشترك الإيذاء مع القتل في محل الاعتداء، وهو الإنسان الحي، بالتالي لا يقع جرم الإيذاء على حيوان، وإنما يعتبر إضرارا بأموال الغير (م 715 ق.ع)، أو جريمة إساءة معاملة (م 748- 749 ق.ع).

     كما لا يقع الإيذاء على الجنين، وإنما تحمي الجنين نصوص الإجهاض. وما يصح قوله في القتل يصح قوله في الإيذاء بهذا الخصوص، ولقد سبق لنا الإفاضة في شرح ذلك.

    إذا فالإيذاء يتمثل بأفعال الاعتداء التي تستهدف المساس بسلامة الإنسان الجسدية. وتختلف صور الإيذاء في القانون، شدة أو بساطة، استنادا إلى خطورة الإصابة اللاحقة بالمجني عليه، وليس استنادا إلى ما كان يرمي إليه الفاعل.

     فإذا ضرب الجاني المجني عليه صفعة على وجهه، قاصداً مجرد إيلامه، فأدت الصفعة إلى فقدان البصر في إحدى عيني المجني عليه، يلاحق الفاعل استنادا إلى خطورة الإصابة التي لحقت الصفعة إلى فقدان البصر في إحدى عيني المجني عليه، يلاحق الفاعل استنادا إلى خطورة الإصابة التي لحقت بالضحية، وهي إحداث عاهة دائمة، حتى ولو لم يكن يقصدها أصلا.

    وكما رأينا في جرائم القتل المقصود أن الركن المعنوي فيها يتميز بتوافر نية إزهاق الروح، فإن الركن المعنوي في جميع صور الإيذاء المقصود يتميز بانصراف نية الفاعل إلى المساس بالسلامة البدنية للمجني عليه.

     فمتى توفرت هذه النية يلاحق الفاعل عن جرم الإيذاء، ليس استنادا لخطورة نيته، وإنما، كما أسلفنا، استنادا لخطورة الإصابة اللاحقة بالمجني عليه. فكلما ازدادت درجة جسامة الضرر أو الأذى، ازدادت خطورة مسئولية مرتكبه، وبالتالي ازدادت جسامة العقوبة المترتبة عليه.

    نخلص من ذلك، إلى أن جرائم الإيذاء تشترك مع بعضها في الركن المادي وفي الركن المعنوي، إلا أن ما يميزها عن بعضها البعض هو نصوص التجريم التي تحدد الصور المختلفة للإيذاء.

     فلقد قسم المشرع السوري جرائم الإيذاء إلى أصناف أو درجات، استنادا لخطورة الضرر اللاحق بالمجني عليه معتمدة التدرج في الجسامة استناداً إلى معيار مادي هو التعطيل عن العمل لمدة أقل من عشرة أيام، أو بين العشرة أيام و العشرين يوما، أو أكثر من عشرين يوماً ففي هذه الحالات تشدد العقوبة تشديداً جنحياً.

    إلا أنها تنقلب إلى جناية إذا أدى الإيذاء إلى إحداث عاهة دائمة، أو أدى إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها، أو أدى إلى الوفاة دون قصد إحداثه .

    وتجدر الإشارة إلى أن تصنيف جرائم الإيذاء استناداً إلى خطورة الإصابة اللاحقة بالمجني عليه لا يقتصر فقط على جرائم الإيذاء المقصودة، التي تتطلب توافر نية المساس بسلامة المجني عليه الجسدية، بل إن معیار خطورة الإصابة هو أيضا الذي يحدد صور الإيذاء غير المقصود، الذي يكتفي فيه بتوافر الخطأ لقيام الركن المعنوي، بصورة إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة الشرائع والأنظمة.

    وباعتبار أن جرائم الإيذاء المقصود تجمعها أحكام مشتركة ناتجة عن اشتراکها جميعها بالركن المادي وبالركن المعنوي. وأن ما يميزها عن بعضها هي النصوص التجريمية التي صنف بموجبها المشرع هذه الجرائم إلى درجات مختلفة استنادا لخطورة الإصابة اللاحقة بالمجني عليه.

1