الوسم: استشارات محامي

  • الأحكام العامة لجرائم المعلوماتية والانترنت

    تضمن الفصل الخامس من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية الأحكام العامة المتعلقة بهذا القانون، كالظروف المشددة التي تشمل جميع نصوصه التجريمية، والشروع، والعلنية، والمصادرة وغيرها من القواعد العامة المتعلقة بالجرائم التقليدية والنواحي الإجرائية.

    واستناول في هذا الجزء القواعد المتعلقة بظروف التشديد والشروع والعلنية والمصادرة على التتالي:

     أولا: ظروف التشديد:

    نصت المادة 30 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية على ما يلي:

    ( تشدد العقوبات، وفق القواعد العامة للتشديد المنصوص عليها في قانون العقوبات النافذ، في الحالات التالية:

    1- إذا كان موضوع الجريمة يمس الدولة أو السلامة العامة.

    2) إذا جرى ارتكاب الجريمة بواسطة عصابة منظمة.

    3) إذا وقعت الجريمة على قاصر أو من في حكمه.

    4) إذا استغل مرتكب الجريمة عمله الوظيفي لارتكاب الجريمة.)

     وعليه فقد حدد المشرع أربعة ظروف تؤدي إلى تشديد العقوبة وفق المادة 247 من قانون العقوبات وهذه الظروف هي:

    أ- إذا كان موضوع الجريمة يمس الدولة أو السلامة العامة:

    ويتحقق ظرف التشديد هذا عندما يكون محل الجريمة يمس الأجهزة الحكومية كالوزارات والإدارات والشركات والمؤسسات والجهات الأخرى التابعة للقطاع العام والمشترك،

    ويستوي هنا أن يكون محل الجريمة المعلومات أو الأموال العائدة للدولة، وتشمل المعلومات مختلف أنواعها سواء أكانت معلومات تمس أمن الدولة أو لا، كالمعلومات المتعلقة بشؤون الموظفين أو المعلومات المتعلقة بموارد الدولة وغير ذلك من المعلومات.

    كما لو قام الجاني بالدخول بطريقة غير مشروعة إلى المعلومات المخزنة في حواسيب إحدى الوزارات سواء تم الدخول بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، وقام بنسخ هذه المعلومات أو إتلافها أو تغييرها.

    كما يتحقق ظرف التشديد إذا كان محل الجريمة أموال عائدة للدولة سواء أكانت هذه الأموال منقولة أم غير منقولة، أم كانت عائدة برمتها إلى القطاع العام أو المشترك، كما لو قام الجاني باختراق موقع إلكتروني عائد لأحد مصارف الدولة وقام بتحويل الأموال لحسابه بطريقة غير مشروعة.

    و يتحقق ظروف التشديد أيضاً إذا كان محل الجريمة يمس السلامة العامة والحقيقة أن مفهوم السلامة العامة من الأتساع بمكان بحيث يصعب تحديده تحديدا دقيقة، فالمشرع لم يقم بتحديد معنى هذه العبارة، ولم تقم التعليمات التنفيذية لهذا القانون بذلك أيضا.

    ويمكن أن نحدد مفهوم السلامة العامة هنا في الحالات التي ينتج عن الجريمة ضرر بالصحة العامة أو بفئة معينة من الناس، كما لو قام الجاني باختراق حواسيب معمل للأدوية عن طريق الإنترنت، ثم قام بالتلاعب بكميات المواد الدوائية الداخلة في تصنيع الأدوية، الأمر الذي أدى إلى حدوث أضرار صحية عند مستخدمي هذه الأدوية.

     ففي هذه الحالة نكون أمام جريمة إيذاء مقصود مع ظرفين للتشديد، الأول هو ظرف التشديد المنصوص عليه بالفقرة ب من المادة 28 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية والذي يضاعف الحد الأدنى لعقوبة الجريمة المنصوص عليها في القوانين الجزائية إذا ارتكبت باستخدام الشبكة الإنترنت، أما ظرف التشديد الثاني فهو المنصوص عليه في المادة 30 لأن الجريمة أدت إلى الأضرار بالسلامة العامة.

    ب- ارتكاب الجريمة بواسطة عصابة منظمة:

    عرف المشرع في المادة الأولى من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية العصابة المنظمة بأنها:

     (جماعة أشخاص أو فعاليات، عادة ما تكون ذات تنظيم مركزي، تهدف إلى ممارسة الأنشطة الإجرامية، سواء على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي).

    والواقع أن المشرع لم يحدد في هذا التعريف الحد الأدنى المطلوب قانون الأفراد هذه العصابة، وفي تقديرنا أن الحد الأدنى لأفراد العصابة المنظمة يجب أن يكون ثلاثة أشخاص فأكثر، وذلك تماشياً مع سياسة المشرع السوري في المادة 326 عقوبات المتعلقة بجمعيات الأشرار، وتعريف الجماعة الإجرامية في قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص رقم 3 لعام 2010، حيث اشترط المشرع في كلا الحالتين أن تتكون الجماعة من ثلاثة أشخاص فأكثر.

    وبناء على ذلك فيتحقق ظرف التشديد المذكور، إذا تم تكوين جماعة من ثلاثة أشخاص فأكثر، ذات تنظيم مركزي، بهدف ارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، ويقصد بالتنظيم المركزي أن يكون هناك توزيع لدور كل فرد من أفراد الجماعة في ارتكاب الجرائم، سواء أكانت هذه الجماعة تعمل على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

    ج- إذا وقعت الجريمة على قاصر أو من في حكمه:

    ويقصد بالقاصر كل ذكر أو أنثى لم يتم الثامنة عشر من عمره، أما من هو في حكم القاصر فهم فاقدو وناقصو الأهلية كالمجنون والمعتوه والسفيه وذو الغفلة، وعلة التشديد في هذه الحالات هو حاجة هؤلاء للحماية القانونية أكثر من غيرهم بسبب ضعفهم وعدم قدرتهم على حماية أنفسهم، ومثال ذلك الأفلام والصور الخلاعية الموجهة للقاصرين على الانترنت.

    د- إذا استغل مرتكب الجريمة عمله الوظيفي لارتكاب الجريمة:

    ويتحقق ظرف التشديد هنا عندما يقوم العامل في إحدى الجهات العامة أو الخاصة بارتكاب إحدى جرائم المعلوماتية مستغلا وضعه الوظيفي، أي عندما تسهل الوظيفة ارتكاب الجريمة، كما لو قام أحد العاملين بالدخول إلى الأجهزة الحاسوبية لشركة ما ونسخ المعلومات دون أن يكون مصرح له بذلك.

     ثانيا: الشروع:

    نصت المادة 31 من قانون الجريمة المعلوماتية على ما يلي:

    ( يعاقب على الشروع في الجنح المنصوص عليها في هذا القانون، وفق الأحكام الواردة في قانون العقوبات النافذ.)

    والشروع وفقا للقواعد العامة- هو كل محاولة لارتكاب جناية أو جنحة (معاقب على الشروع فيها) بدأت بأفعال ترمي مباشرة إلى اقترافها، تعتبر کالجريمة نفسها إذا لم يحل دون إتمامها سوى ظروف خارجة عن إرادة الفاعل .

    فالشروع هو جريمة بدأت فيها الأفعال التنفيذية إلا أن النتيجة الجرمية لم تتحقق لظروف خارجة عن إرادة الفاعل.

     والمعيار الذي أخذ به المشرع السوري للتمييز بين الأفعال التحضيرية والأفعال التنفيذية، هو المعيار الشخصي الذي ينظر إلى مقدار الخطورة التي وصل إليها الجاني من خلال أفعاله، وهو المعيار الذي يحقق للمجتمع حماية أكبر.

    أما المعيار المادي فهو ضيق؛ لأنه لا يعاقب الفاعل على أفعاله إلا إذا كانت داخلة ضمن الركن المادي للجريمة أو لظرف مشدد لها .

    والأصل أنه إذا وقف نشاط الفاعل عند العمل التحضيري فلا عقاب عليه، إلا إذا كانت الأفعال التي قام بها تشكل جرائم بحد ذاتها.

    والشروع نوعان: شروع تام، وفيه يقوم الجاني بجميع الأفعال التنفيذية إلا أن النتيجة الجرمية لا تتحقق لظروف خارجة عن إرادته.

     ويطلق على هذا الشروع أيضا اسم الجريمة الخائبة.

     أما النوع الثاني فهو الشروع الناقص، وفيه لا يكتمل النشاط الجرمي، وتتوقف الجريمة في مراحلها الأولى لظروف خارجة عن إرادة الفاعل. ويطلق على هذا الشروع اسم الجريمة الموقوفة.

    والشروع بنوعيه يمكن تصوره في جرائم المعلوماتية، فمن يقوم باختراق نظام معلوماتي الأحد المصارف عن طريق الإنترنت، ويقوم بإدخال البيانات اللازمة لإجراء التحويلات المالية غير المشروعة، ثم لا تتحقق النتيجة الجرمية المتمثلة بتحويل النقود، نتيجة وجود خطأ في إدخال بعض البيانات، فإن نشاط الفاعل يشكل هنا شروعة تامة في الاحتيال.

    وقد يقف نشاط الفاعل عند حد الشروع الناقص، كما لو تم إلقاء القبض على أحد الهكرة أثناء وجوده في أحد مقاهي الإنترنت، وهو يقوم باختراق إحدى شبكات المصارف، بغية إجراء تحويلات غير مشروعة.

     ثالثا: العلنية على الشبكات المعلوماتية:

    نصت المادة 32 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية على ما يلي:

     ( تعد الشبكة من وسائل العلنية المنصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين الجزائية

    النافذة.)

    وقد حدد المشرع وسائل العلنية في قانون العقوبات بالمادة 208 التي نصت على ما يلي:

     ( تعد وسائل للعلنية:

    1. الأعمال والحركات إذا حصلت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو شاهدها بسبب خطأ الفاعل من لا دخل له بالفعل.
    2. الكلام أو الصراخ سواء جهر بهما أو نقط بالوسائل الآلية بحيث يسمعهما في كلا الحالين من لا دخل له بالفعل.
    3. الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها إذا عرضت في محل عام أو مكان مباح للجمهور أو معرض للأنظار أو بيعت أو عرضت للبيع أو وزعت على شخص أو أكثر.)

    وبناء على ذلك فقد جعل المشرع من الشبكة الانترنت والشبكات الداخلية وشبكات الهاتف النقال وغيرها من الشبكات، وسيلة من وسائل العلنية، بمعنى أنها أصبحت تنزل منزلة المحل العام أو المكان المباح للجمهور، فالعلنية تتحقق في المعلومات التي توضع في متناول عامة الجمهور أو فئة منه على موقع إلكتروني، والتي يمكن لأي فرد الوصول إليها.

    ولا يدخل في مفهوم العلنية المراسلات ذات الطابع الشخصي التي تتم عبر البريد الإلكتروني، أو في المحادثات الشخصية على الشبكة.

    والحقيقة أن هناك طائفة من الجرائم التقليدية التي اشترط المشرع فيها أن ترتكب بوسيلة علنية، كجريمتي الذم والقدح العلني المنصوص عليهما بالمادتين 568 و 570 عقوبات، وجريمتي الذم والقدح العلني الموجه إلى موظف المنصوص عليهما بالمادتين 376 و 378 عقوبات، وجريمة تحقير علم الدولة بشكل علني المنصوص عليها بالمادة 374 عقوبات، وغير ذلك من الجرائم. فشرط العلنية المطلوب يتحقق في جميع هذه الجرائم إذا ارتكبت على الشبكة.

    رابعا: المصادرة:

     نصت المادة 34 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية على ما يلي:

    ( أ- مع عدم الإخلال بحقوق الغير الحسني النية، تحكم المحكمة بمصادرة الأجهزة والبرمجيات الحاسوبية، أو أي وسائل أخرى مستخدمة في ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون. .

    ب- و يجوز أيضا الحكم بوقف أو إغلاق الموقع الإلكتروني المستخدم في ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، أو أي منظومة مشابهة، إذا كانت الجريمة قد ارتكبت بعلم صاحب هذا الموقع أو المنظومة.)

    و المصادرة هنا هي مصادرة عينية و هي عقوبة مالية إضافية، تنزع بموجبها ملكية شيء للمحكوم عليه جبرة، ومن غير مقابل ليصبح ملكا للدولة.

     وقد جعل المشرع من مصادرة الأجهزة والبرمجيات الحاسوبية، أو الوسائل الأخرى المستخدمة في ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية عقوبة إضافية وجوبية، أي يجب على المحكمة أن تحكم بها في حكمها النهائي.

    أما الحكم بوقف أو إغلاق الموقع الإلكتروني المستخدم في ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، أو أي منظومة مشابهة، إذا كانت الجريمة قد ارتكبت بعلم صاحب هذا الموقع أو المنظومة. فهو أمر جوازي يعود تقديره إلى المحكمة، وهو من قبيل تدابير الاحتراز العينية التي تهدف علاج المجرم، ومنعه من العودة إلى ارتكاب الجريمة، وحماية المجتمع من خطره.

  • النتيجة الجرمية في إساءة الائتمان

    إن النتيجة الجرمية، كعنصر من عناصر الركن المادي لإساءة الائتمان، تتمثل بالضرر الذي يترتب على النشاط الجرمي فيها. فلا بد من توافر الضرر لاكتمال عناصر الركن المادي .

    وقد أشارت المواد 656-657 إلى ضرورة حصول الضرر فيها عندما حددت إحدى عقوبتي الجريمة بأنها الغرامية التي تتراوح بين ربع قيمة الردود والعطل والضرر وبين نصفها…” (المادة 656).

     والغرامة “حتى ربع قيمة الردود والعطل والضرر… (المادة 657).

     

    والضرر في إساءة الائتمان هو الضرر بمفهومه العام، فهو في جوهره اعتداء على حق أو مصلحة يحميها القانون، سواء تمثل هذا الاعتداء في تفويت کسب أو تحقيق خسارة.

     استناداً لذلك فإن الضرر في إساءة الائتمان يجب أن يفهم بأوسع معانيه: فيستوي فيه أن يكون مادياً أو معنوياً، حقيقياً أو احتمالياً، جسيماً أو يسيراً، يصيب مالك الشيء أو غيره ممن لهم على الشيء حقوق.

     كما يستوي فيه أن يكون المتضرر شخصا طبيعية أو اعتباري، معينة أو غير معين.

     كما يستوي فيه أن يكون المدعى عليه قد حصل على كسب من فعله أم لم يحصل  والضرر المادي الذي يصيب الذمة المالية للمجني عليه يساويه الضرر المعنوي الذي يصيب السمعة والمكانة. وتطبيقاً لذلك يعتبر مسئولاً عن إساءة الائتمان العامل بشركة لتوزيع الحليب الذي يضيف ماء إليه ويسلمه للزبائن، ويحتفظ لنفسه بثمن الكمية الزائدة، لأن الشركة وإن لم يصبها ضرر مادي، باعتبار أنه يرد إليها ثمن كمية الحليب الذي تم تسليمه، فقد يصيبها ضرر معنوي يتمثل في فقدانها لثقة زبائنها إذا اكتشفوا هذا الغش .

     ولا يشترط أن يصيب المجني عليه ضرر بالفعل أو حال، بل يكفي أن يكون هذا الضرر محتملا .

     ومن أمثلة الضرر المحتمل أن يتسلم وكيل مبلغا من المال ليدفعه سدادا لرسم أو أجر لعمل فينجز ما أسند إليه بغير مقابل أو بمقابل أقل، ولكن بطريقة غير مشروعة، ثم يحتفظ بما تبقى لنفسه.

    فالضرر هنا وإن لم يكن حالا إلا أنه محتمل، فقد يتعرض الموكل مستقبلا للمطالبة بالمبلغ كله أو بالفرق، وقد يطالب فضلا عن ذلك بالتعويض.

    ويستوي في تحقق الضرر کون قيمة الشيء محل إساءة الائتمان كبيراً أو ضئيللاً.

    إضافة إلى ذلك فإنه لا عبرة بشخصية المتضرر من الجريمة، فقد يكون المالك نفسه، وهو الأصل، ولكن قد يطال الضرر أيضا الحائز حيازة ناقصة.

    فالعبرة في هذه الحالة بصفة الأمين لا بصفة المالك. فكما تصيب إساءة الائتمان بالضرر مالك المال باعتبارها تشكل اعتداء على حق الملكية، إلا أنها قد تصيب بالضرر من كانوا يحوزون المال حيازة قانونية ثم استأمنوا الفاعل عليه فأساء الأمانة.

    ومثال ذلك المودع لديه والمرتهن والوكيل إذا أجروا ما في يدهم إلى غير هم، فاختلس المستأجر المال أو تصرف به.

    فالضرر هنا يصيب هؤلاء الأشخاص فضلا عن المالك.

    وتقوم جريمة إساءة الائتمان سواء كان المتضرر شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً كشركة أو مؤسسة أو مستشفى، معيناً أو غير معين.

    وتطبيقاً لذلك فإن من يجمع تبرعات لصالح منكوبي كارثة ثم يستولي عليها لنفسه يرتكب إساءة  الائتمان بالرغم من أن الأشخاص، طبيعيين أو معنويين، الذين سوف توزع عليهم هذه المعونات لم يحددوا أو يعينوا  بعد، ذلك أنه يكفي وجود أشخاص أياً كانوا سيصيبهم الضرر من جراء فعل المدعى عليه .

    وعندما يتوفر الضرر بالصور السابقة الذكر يتوفر عنصر النتيجة الجرمية في إساءة الائتمان بصرف النظر عما إذا  حقق المدعى عليه كسب من وراء فعله أم لا.

    وما يؤكد ذلك أن المشرع قد حدد بعض صور النشاط الجرمي التي قد لا ينال الفاعل فيها أي مكسب، كصورتي الإتلاف والتمزيق .

     وتجدر الإشارة أخيرة إلى أن الضرر بمفهومه العام المشار إليه لا يتحقق في إساءة الائتمان بالنقود والأشياء المثلية بمجرد التصرف بها ما لم يترافق مع هذا التصرف إرادة الاستمرار في تغيير الحيازة من ناقصة إلى تامة، والإصرار على هذا الاستمرار.

     لذلك اشترطت المادة 657 توجيه الإنذار لرد مثل المال أو نوعه.

     بالتالي ما دام ممكناً لمستلم المال المثلي أو النقود أن يرد مثله أو نوعه في أي وقت، فإن الضرر، أي الاعتداء على الملكية، لا يظهر إلا بعد توجيه الإنذار وعدم رد مثل المال أو نوعه.

     فعبارة “عدم إبراء ذمته رغم الإنذار ” تشير إلى هذا المعني بوضوح.

    والإنذار هو إخطار يوجهه مالك المال إلى المؤتمن عليه، عن طريق الكاتب بالعدل، يطالبه به بإبراء ذمته خلال فترة معينة.

     إذن لا تتحقق النتيجة الجرمية، في إساءة الائتمان في الأشياء المثلية إلا في حالة عدم إبراء المدعى عليه ذمته بعد توجيه الإنذار إليه..

     وإبراء الذمة في الأشياء المثلية يكون بإعادة مثل المال أو نوعه، وهذا ما دعا محكمة النقض السورية إلى اعتبار ” الإنذار ركن من أركان جريمة إساءة الائتمان وليس وسيلة من وسائل إثباتها.

    فالمشرع اشترط أن يسبق الإدعاء بهذه الجريمة إنذار ليتدبر المؤتمن أمره ويبرئ ذمته بتسليم المال أو الشيء الذي أؤتمن عليه أو مثيلا له  يستخلص من ذلك أن النتيجة الجرمية في صورة إساءة الائتمان بالأشياء المثلية لا تظهر بمجرد الامتناع عن التسليم أو التصرف بالمال الذي أؤتمن عليه والذي يبقى بإمكانه إعادة منله، وإنما تتحقق بالامتناع عن إبراء الذمة بعد الإنذار .

  • الركن المعنوي في جرم الاحتيال

    الاحتيال كالسرقة جريمة مقصودة، لا يمكن أن تقع بخطأ مهما بلغت درجة جسامته.

    ولا يكفي القصد العام وحده الوقوع جرم الاحتيال، بل يجب فضلا عن ذلك أن يقوم لدى المحتال قصد خاص، يتمثل بنية تملك المال.

    القصد الخاص

    يتمثل القصد الخاص في الاحتيال بنية تملك المال المستولى عليه أو تمليكه للغير مباشرة. وبمعنى أخر فإن القصد الخاص يتمثل بنية الظهور بمظهر المالك على الشيء المسلم للمحتال، ونية مباشرة كافة سلطات المالك عليه، وعند تخلف هذه النية ينتفى الاحتيال لانتفاء القصد الخاص.

     وبناء على ذلك، لا يقوم هذا القصد إذا تسلم الفاعل المال بالخداع بقصد الانتفاع به ثم إعادته بعد ذلك لصاحبه، أو إذا تسلمه لفحصه ومعاينته ثم رده.

    كما ينتفي القصد الخاص على من ينتحل صفة ليست له بقصد حمل البائع على قبول تقسيط ثمن سلعة ، دفع جزءاً من الثمن معجلاً ثم قام بسداد بعض الأقساط، ولكنه عجز في النهاية عن دفع الباقي، لأن نيته لم تكن متجهة إلى الاستيلاء على مال البائع وتملكه، وإنما اتجهت فقط إلى مجرد أخذ رضائه بالبيع بثمن بعضه مقسط وبعضه معجل

    وتجدر الإشارة إلى أن القصد الخاص لا يتطلب اتجاه إرادة الفاعل إلى الإثراء.

    فمجرد اتجاه النية إلى مباشرة سلطات المالك على المال المستولى عليه يعتبر كافية بغض النظر عن الآثار التي تترتب على ذلك بالنسبة لذمة المجني عليه.

     فمن استولى بالخداع على مال مملوك للغير، وتبرع به، يعتبر القصد الخاص متوفر لديه، ويلاحق بجرم الاحتيال.

    الدافع أو الباعث على الاحتيال

    إن الدافع في التشريع السوري يخضع للقاعدة الواردة في المادة (191 فقرة 2 من قانون العقوبات) والقاضية بأن “الدافع لا يكون عنصرا من عناصر التجريم”.

    وتطبيقا لذلك عندما يتوفر القصد الجرمي للاحتيال بشقيه العام والخاص، فلا اعتداد بعد ذلك بالدافع أو الباعث الذي حرك نشاط الفاعل، فيستوي أن يكون الدافع أو الباعث الطمع أو الانتقام من المجني عليه، أو أن يكون الانتفاع بالمال الذي استولى عليه لإنفاقه على نفسه في علاج أو تعليم أو التصدق به للفقراء.

     وتطبيقا لذلك يعد مرتكباً لجريمة الاحتيال الدائن الذي يستولي بالخداع على مال لمدينه يعادل قيمة دينه، ذلك أن الرغبة في استيفاء الدين هو مجرد دافع لا ينفي القصد الجرمي.

    فالدافع سواء كان شريف أو شائناً يعتبر أمراً زائداً عن حاجة القصد الجرمي في الاحتيال الذي يكفي فيه توفر العلم والإرادة.

     العلم بأركان الجريمة وإرادة النشاط الجرمي و النتيجة الجرمية وثبوت نية التملك.

     

  • النتيجة الجرمية (تسليم المال) في جرم الاحتيال مع أمثلة

    نستطيع استخلاص النتيجة الجرمية في الاحتيال من نص المادة 641، حيث عبرت عنها بقولها “

    كل من حمل الغير على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو أسناداً تتضمن تعهداً أو إبراء فاستولى عليها احتيالاً…”.

    من هنا يتضح أن النتيجة الجرمية للاحتيال هي التسليم الصادر من المجني عليه إلى المحتال تحت تأثير الغلط الذي أوقعه فيه بخداعه.

     هذا التسليم المتمثل بنقل حيازة مال من المجني عليه إلى المحتال يفترض فيه أن يكون وليد إرادة معيبة. واتجاه الإرادة المعيبة إلى تسليم المال هو الذي يميز جريمة الاحتيال عن جريمة السرقة.

     فالتسليم في السرقة ينفي عنصر الأخذ حتى ولو كان نتيجة غلط أو خداع.

    أما الاحتيال فيتم باتجاه إرادة المجني عليه إلى تسليم المال إلى المحتال، وإن كانت هذه الإرادة معيبة.

     وبتعبير أخر، فإن إرادة المجني عليه في السرقة لا ترضى عن استيلاء السارق على المال، بينما تتجه إرادة المجني عليه في الاحتيال إلى تسليم المال عن رضا.

    وزيادة في الإيضاح نورد المثال التالي: لنفترض أن شخصا أتى منزل أحد الناس مدعية بأنه موظف في مؤسسة الكهرباء مكلف بفحص التمديدات الداخلية، فقام بإدخاله، وأثناء انشغاله المزعوم بالفحص شاهد مبلغا من المال على منضدة فأخذه.

     فهنا لا يتوافر بفعله جرم الاحتيال بل جرم السرقة، لأن إرادة صاحب المنزل لم تتجه إلى تسليمه النقود.

     إلا أن الحال يختلف فيما لو ادعى هذا الشخص أنه مكلف من مؤسسة الكهرباء بتحصيل الاشتراكات الشهرية، فقام صاحب المنزل بتسليمه المال، فالجريمة هنا احتيال لا سرقة، لأن إرادة المجنى عليه اتجهت فعلا إلى التسليم.

    – إضافة إلى وجوب اتجاه الإرادة إلى التسليم لا بد أيضا أن يتحقق نوع من الاتصال المادي بين المحتال وبين المال الذي يسلم إليه .

     إلا أن ذلك لا يعني أن التسليم لا يتم إلا بالمناولة المادية، فالتسليم هو عمل قانوني بمقتضاه ينقل المجني عليه حيازة المال إلى المحتال وليست المناولة المادية سوى المظهر المادي لهذا العمل، أو هي على الأقل أثر .

    وبناء على ذلك فثمة حالات كثيرة تتم فيها جريمة الاحتيال بالتسليم دون أن يصطحب بمناولة مادية للشيء. وتطبيقا لذلك فإن التسليم يتحقق سواء بالمناولة يدا بيد أو بتسليم مفتاح المكان الذي يوجد به المال، أو بوضع المال تحت تصرف المحتال بحيث يتسلمه حينما يريد.

     ويتحقق التسليم أيضأ سواء قام به المجني عليه نفسه أو شخص أخر، وسواء كان المستلم هو المحتال ذاته أو شخص أخر .

    فمن يحتال على شخص فيو همه بقدرته على استحضار الأرواح ومخاطبة الجن ويحمله على دفع مبلغ من المال، فسيان بعدئذ أن يدفع المال عنه قريب أو صديق، وأن يتسلمه المحتال ذاته أو مستخدما لديه أو قريب أو صديق، سواء كان هذا الشخص مساهمة في الاحتيال أو حسن النية.

     ومن تطبيقات التسليم غير المصحوب بمناولة مادية حمل المجني عليه بالخداع على وضع توقيعه أسفل سند يقدمه إليه المحتال، أو على تسجيل اسمه في دفتر لديه على أنه ممن يستحقون في ذمته مبلغا من المال، أو على إدراج اسمه في قائمة من يستحقون إعانات بطالة أو شيخوخة أو تعويضا تقاعدية، أو أن يحذف من دفاتره مبلغاً ثابتاً في ذمة المحتال.

     بناء على ذلك فالتسليم يتحقق في الأحوال السابقة طالما أن الإرادة اتجهت إليه واتخذت مظهرا ماديا يتمثل في اتصال المحتال بالمال بأي وسيلة كانت أو بواسطة أي شخص كان.

     

    ومتى حصل التسليم الذي اتجهت إليه الإرادة المعيبة قام جرم الاحتيال ولو لم يصب المجني عليه ضرر مالي منه،  أو بمعنى أخر أن تنقص ثروة المجني عليه في مجموعها.

     فللضرر في جرم الاحتيال مفهوم أخر غير نقصان العنصر الإيجابي لذمة المجني عليه.

    فهذا الضرر يتحقق بمجرد العدوان على الملكية والمساس بحرية الإرادة.

     وتطبيقا لذلك فجرم الاحتيال يتحقق بحق من يحصل على قرض بإحدى الطرق الاحتيالية التي نصت عليها المادة 641 ولو ثبتت ملاءته المادية وقدرته وعزمه على الوفاء.

     ومن خدع أخر ليحمله على تسليمه شيئا يرتكب جريمة الاحتيال ولو ترك للمجني عليه ثمنه أو أكثر منه .

    كما يرتكب الاحتيال أيضا الدائن الذي يقوم بتحصیل مال لمدينه بإحدى طرق الاحتيال کي يستطيع أن يفيه دينه.

    ومتى حصل التسليم الذي اتجهت إليه الإرادة المعيبة نسيان أن تكون حيازة المجني عليه للمال مشروعة أو غير مشروعة.

    فالاحتيال يقوم بحق من يستولي على مال بإحدى طرق الاحتيال سواء كان حائز المال مالكاً شرعياً له، أو سارقأ له أو متحصلاً عليه من جريمة أيا كانت .

    و العلة في ذلك أن المال المسروق أو المتحصل عن جريمة هو محل الملكية مالكه الشرعي، وهي ملكية واجبة الاحترام وقد وقع الاعتداء عليها، وبالإضافة إلى ذلك فقد وقع الاعتداء على حرية إرادة الحائز.

     ولا عبرة أيضا في تسليم المال للغرض الذي يسعى وراءه المجني عليه منه، مشروعا كان أو غير مشروع .

     فقد يسلم المجني عليه المال للمحتال ليستثمره له، أو ليحقق له منفعة مشروعة أيا كانت، وقد يسلمه المال لتحقيق غرض غير مشروع كتقديم رشوة إلى موظف أو تهريب مواد يمنع استيرادها، أو إقامة علاقة غير شريفة مع فتاة، فيستغل المحتال ذلك ويمنيه بتحقيق ما يريد ويتسلم منه مالا نظير سعيه إلى معاونته فيما يسعى إليه.

     فعلى الرغم من عدم مشروعية الغرض الذي سلم لأجله المال، فإن ملكية المال تبقى واجبة الاحترام، وقد تحقق فيها الاعتداء على هذه الملكية إضافة للاعتداء على حرية إرادة المجنى عليه.

  • الاحتيال عن طريق  استعمال اسم مستعار أو صفة كاذبة مع أمثلة

    هذه الوسيلة الخامسة والأخيرة من وسائل الاحتيال التي عددتها المادة 641.

     ولا يشترط المشرع لتوافرها سوى استخدام المحتال لاسم مستعار أو لصفة كاذية.

     أي أن الكذب بالاسم أو الصفة الذي يؤدي إلى حمل الغير على تسليم المال يعتبر كافيا لقيام هذه الوسيلة دون اشتراط تدعيم هذا الكذب بمظاهر خارجية .

     إلا أنه يشترط لتحقق الاحتيال بهذه الوسيلة أن لا يكون الادعاء واضح الكذب بحيث يتبين حقيقته الشخص العادي. فإذا ادعى شخص أنه تاجر كبير وطلب مالا من شخص ليستثمره له، وكان ملبسه ومظهره لا يتفقان بحال مع صفة التاجر، فإن فعل هذا الشخص لا يعتبر احتيالاً حتى ولو استطاع الحصول على مال من هذا الشخص.

     كما يشترط أيضاً أن يأتي الشخص فعلا إيجابياً بأن ينتحل الاسم أو الصفة الكاذبة، أما إذا ترك المجني يعتقد خطأ في صفة ليست له، أو كانت له وزالت عنه، وتمكن بذلك من الحصول على مال الغير فإن جريمة الاحتيال لا تقوم في حقه، ويبقى الخلاف بينه وبين المجني عليه عند قبض المال و عدم إنجاز ما وعد به أو تلكأ في إنجازه مدني الصفة لا عنصر جزائي فيه”.

    1- الاسم المستعار

    الاسم المستعار هو كل اسم غير الاسم الحقيقي للفاعل.

    وسواء كان ذلك الاسم الشخص حقيقي أو لشخص خيالي لا وجود له، وسواء كان الاسم كله كاذبة أو بعضه فقط، وسواء لقي التحريف الاسم الأول أو الثاني أو اللقب.

     فيعتبر مرتكباً للاحتيال بهذه الوسيلة من ينتحل اسم عائلة أو لقبها.

     إلا أن اسم الشهرة لا يعتبر من الأسماء المستعارة ولو اختلف إلى حد كبير عن الإسم الحقيقي للشخص، لأن اسم الشهرة هو اسم يثبت لصاحبه با لاستعمال، فهو إذن اسم غير مستعار.

     ولا ترتكب جريمة الاحتيال كذلك بهذه الوسيلة في حالة تشابه أو تطابق اسم المدعى عليه مع اسم شخصية معروفة، فانتحل هذه الشخصية وترتب على ذلك تسليمه مالا بناء على ذلك الاسم.

     فالفاعل هنا لم يستعمل اسماً مستعاراً، بل استعمل اسمه الحقيقي. إلا أن الفاعل هنا يسأل عن جريمة الاحتيال باستعمال الدسائس لأنه انتحل شخصية الغير ودعم كذبه بسظهر خارجي هو تطابق أو تشابه الأسماء.

    2- الصفة الكاذبة

    يراد بالصفة المركز الذي يشغله شخص بين الناس بمقتضى وظيفته أو مولده أو حرفته.

    ويتمثل استعمال الصفة الكاذبة بانتحال لقب أو وظيفة أو مهنة أو رتبة أو قرابة، أو أية صفة توحي بالثقة دون مطالبة مدعيها تقديم دليل يثبت صحتها .

     أما الصفات التي تتطلب تقديم ما يثبت تمتع الشخص بالصفة التي يدعيها فإن مجرد الادعاء الكاذب يحمل تلك الصفة لا تتحقق به وسيلة استعمال صفة كاذبة، ولا تقوم معه بالتالي جريمة الاحتيال.

    ولما كانت الصفات التي اعتاد الناس على عدم تطلب دليل يثبت صحتها عديدة لا تقبل الحصر، فنذكر منها صفة الطبيب والمحامي والمهندس والضابط والموظف والتاجر .

     فمن يدعي كذبة إحدى هذه الصفات وأمثالها ويحمل الغير على تسليمه مالاً يرتكب جريمة الاحتيال.

     أما الصفات التي تتطلب تقديم ما يثبت صحتها، فمثالها صفة الدائن والمالك وبلوغ سن الرشد. فمن يدعي كذباً أنه دائن ويطلب الوفاء بما يدعي من دين، أو يدعي أنه مالك لما يحوزه الغير وهو ليس كذلك، ويطلب تسليمه إليه، أو يدعي أنه راشد في حين أنه قاصر ليحمل الغير على التعاقد معه أو على إجراء تصرف قانوني يسلمه بموجبه ما، ففي هذه الفرضيات لا يرتكب مدعي الصفة جريمة الاحتيال إذا اعتقد الغير في ادعائه وسلمه ما، لأنه كان يجب على من سله المال أن يطالبه بتقديم الدليل الذي يثبت حمله لإحدى هذه الصفات.

    فهذه الصفات هي من النوع التي اعتاد الناس على تطلب دليل يثبت صحتها، فإذا قصر الشخص في ذلك فيكون قد قصر في حق نفسه.

    بيد أن هذه الادعاءات قد تندرج ضمن وسيلة استعمال الدسائس إذا أيدها الشخص بمظاهر خارجية.

    كما لو وضع القاصر لحية وشاربأ مستعاراً ليبدو أكبر سناً ويستطيع بذلك حمل الغير على تسليمه مالاً.

     أو أبرز مدعي صفة الدائن سندا مزورة مطالبة باستيفائه.

     أو أبرز المالك سنداً مزورة يثبت ملكيته للشيء الذي يطالب بتسليمه له.

     وتجدر الإشارة أخيرة إلى أن الصفة تكون كاذبة إذا كانت غير ثابتة للشخص وقت ادعائها، سواء لأنها لم تثبت له أصلا، أو لم تثبت له بعد، أو كانت ثابتة له ثم زالت عنه.

  • الاحتيال عن طريق التصرف بأموال بغير صفة

    هذه هي الوسيلة الرابعة من وسائل الاحتيال الواردة في نص المادة 641، والتي عبر عنها بقوله:

     “أو بتصرفه بأموال منقولة أو غير منقولة وهو يعلم أن ليس له صفة للتصرف بها”.

    وباعتبار أن الاحتيال في أصله يعتمد على الكذب فإنه يفترض في هذه الطريقة أن يكون الفاعل قد أقدم على التصرف بالمال وهو يزعم أن له صفة للتصرف فيه، كمالك أو كنائب عن المالك.

    وبناء على ذلك إذا اعترف المتصرف بالمال للمتصرف إليه بأنه لا يملك على الشيء سلطة التصرف به، فإن هذا التصرف لا يعد احتيالاً حتى ولو استولى المتصرف على مقابل مالي، لأن المتصرف لم يكذب، ولأن المتصرف له لم يخدع. والذي يميز هذه الوسيلة عما سبقها من وسائل أن المشرع يكتفي فيها بالكذب المجرد دون اشتراط تأييد هذا الكذب مظاهر خارجية .

     والملاحظ أن المشرع لم يكن موققا باشتراطه العلم بعدم وجود الصفة ضمن صيغة النص. فالجرم يقع بمجرد التصرف بمال ليس للمتصرف صفة للتصرف فيه، أما العلم فهو أحد عناصر الركن المعنوي للاحتيال، والمشرع بذلك يكون قد أقحمه في الوسيلة وهي من عناصر الركن المادي.

     لذلك كان أولى بالمشرع إغفال ذكر عبارة العلم هنا باعتبار العلم مطلوب حتماً في الركن المعنوي للجريمة.

     فالمالك الذي يتصرف بماله دون أن يعلم أن هناك سبباً قانونياً يمنعه من ذلك لا يرتكب جرم الاحتيال لغياب الركن المعنوي.

     ويثار التساؤل هنا عن تحديد المجني عليه بجرم الاحتيال باستعمال هذه الوسيلة، أهو المتصرف إليه، أم المالك الأصيل للمال، أم الاثنين معاً؟

     إن المجني عليه في هذه الوسيلة ليس سوى المتصرف إليه فقط. أما مالك المال الذي كان محلاً للتصرف فلا يعتبر مجنياً عليه في جريمة الاحتيال هذه، ولكنه قد يكون مجنياً عليه في جريمة أخرى، قد تكون سرقة أو إساءة ائتمان، وقد تكون جريمة احتيال مستقلة.

    فإذا كان المحتال قد سرق المال من المالك وتصرف به للغير، فهو سارق بمواجهة المالك ومحتال بمواجهة المتصرف إليه.

     أما إذا كان المال موجود تحت يده على سبيل الأمانة فتصرف به، فهو مسيء للائتمان بمواجهة المالك، ومحتال بمواجهة المتصرف إليه.

     أما إذا كان قد استولى على المال بالحيلة والخداع من مالكه ثم تصرف به، فهو يرتكب جريمتي احتيال مستقلتين، أولاهما ضحيتها المالك، والأخرى ضحيتها المتصرف إليه.

    إذن يشترط لتوافر هذه الوسيلة الاحتيالية شرطين:

    – التصرف بمال منقول أو عقار. – انتفاء الصفة في التصرف.

    1- التصرف بأموال منقولة أو غير منقولة.

    إن المقصود بالتصرف هنا كل عمل قانوني يتعلق بحق عيني. فقد يكون هذا العمل القانوني ناقلاً للملكية كما في لبيع أو المقايضة أو الهبة بمقابل مادي ، وقد يكون تصرفاً صادرة عن الإرادة المنفردة كالوصية إذا تعلقت بمال ليس للموصي سلطة التصرف فيه وكان يفرض على الموصى له التزاماً بتسليم شيء في حياته.

     كما يجوز أن يكون هذا التصرف متعلقا بحق عيني آخر غير حق الملكية كالانتفاع أو الارتفاق أو الرهن.

    وبناء على ما تقدم يخرج من مجال التصرف الذي يقوم به الاحتيال كل عمل قانوني يتعلق بحق شخصي، لأن الحقوق الشخصية تقتصر على إنشاء موجبات لا حقوقاً عينية.

    فتأجير عقار الغير لقاء أجرة دفعها المستأجر مقدما لا يشكل جريمة احتيال لأن عقد الإيجار لا يعتبر تصرف قانونية في جريمة الاحتيال.

     وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية أنه لا يعتبر تصرف في ملك الغير قيام الوكيل بتأجير مال الموكل بعد عزل وكالته، فالتأجير هذا لا يعد تصرفة قانونية لقيام جرم الاحتيال و إنما يجعل الوكيل المعزول مسئول مدني عن الأضرار التي ألحقها بموكله بسبب ذلك الإجراء الذي صدر عنه بصورة غير قانونية”

    وإذا تحقق التصرف، بالمعنى السالف ذكره، فيستوي بعد ذلك أن يكون محل التصرف ما منقوة أو عقارا، كما يستوي أن يكون المحتال قد سلم المال المتصرف فيه إلى المجني عليه أو لم يسلمه، لأنه ليس من شروط صحة التصرف أن يسلم المحتال ما تصرف فيه إلى المجني عليه، فالتصرف ينعقد قانوناً بالتقاء الإرادتين.

    ولذلك تقع الجريمة تامة ولو لم يحدث التسليم. وبعبارة أخرى إن جريمة الاحتيال تقع بانعقاد هذا التصرف والاستيلاء على المقابل من المجني عليه حتى ولو لم يحدث التسليم .

    2- انتفاء الصفة في التصرف بالمال.

    إن سلطة التصرف بالمال تكون أصلا لمالكه.

     والمالك قد يمارس هذه السلطة بنفسه أو بواسطة نائبه، سواء كانت النيابة قانونية كنيابة الولى، أو قضائية كنيابة القيم أو الوصي، أو اتفاقية كنيابة الوكيل.

    والقاعدة أن تصرف النائب كتصرف الأصيل سواء بسواء.

    – بناء على ذلك فإن تصرف المالك بملكه ينفي جرم الاحتيال، بشرط عدم وجود قيود قانونية على سلطته في التصرف بماله، فإذا كان هناك سبب قانوني يحرم المالك بموجبه من التصرف بماله، ثم تصرف فيه رغم ذلك يكون قد تصرف في مال ليست له صفة التصرف فيه، ومن ثم يرتكب الاحتيال بهذه الوسيلة.

     والمثال على ذلك المدين المحجوز على ماله حجزا تنفيذياً.

     فالقانون يمنع مالك العقار أو المنقول المحجوز عليه حجزا تنفيذيا أن يتصرف به.

    وكذلك المالك الذي آل إليه المال مع تقييد ملكيته بشرط المنع من التصرف حيث يكون هذا الشرط صحيح .

     والمسألة التي تثار هنا تتعلق بمالك العقار الذي يبعه عدة مرات قبل أن يسجل عقد البيع لأي من المشترين في السجل العقاري، فهل تتوافر هذه الوسيلة ويتوافر بموجبها جرم الاحتيال بحقه؟

     إن هذا المالك لا يرتكب جريمة الاحتيال لأن ملكية العقار لا تنتقل قانوناً من البائع إلى الشاري إلا بالتسجيل.

     يترتب على ذلك أن البائع يظل مالكة للعقار وله حق التصرف فيه إلى أن يتم تسجيل عقد البيع، فإذا باع ذات العقار قبل التسجيل لشخص ثان كان البيع صحيحاً، إذا لا يعتبر وارداً على ملك الغير ولا تقوم في حقه بالتالي جريمة الاحتيال لأنه يكون قد تصرف فيما يملك.

    وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية

     “أن بيع المالك عقاره مرة ثانية لا يشكل جرم الاحتيال طالما أن العقار مسجل باسمه في السجل العقاري ولم ينتقل إلى اسم المشتري الأول، والخلاف بين المتعاقدين هنا هو خلاف مدني .

    ولكن إذا اعترفنا بأن مالك العقار الذي باعه بعقد لم يقيد بعد في السجل العقاري لا يرتكب جريمة الاحتيال، بوسيلة التصرف بأموال ليس له صفة للتصرف فيها، إذا باعه ثانية، أفلا يعتبر جرم الاحتيال باستعمال الدسائس قائما بحقه؟

    نعتقد بإمكانية ملاحقة هذا الشخص بجرم الاحتيال باستعماله للدسائس المتمثلة بالكذب المدعم بمظهر خارجي، سواء بصفته كمالك، أو بوجود المنزل في حيازته، أو بتقديمه لسند الملكية كمظهر خارجي مادي يدعم مزاعمه.

    أضف إلى ذلك أن المالك في هذه الحالة يمتنع عليه التصرف بالعقار بعد أن باعه أول مرة بعقد لم يسجل بعد، لأنه ملتزم تجاه المشتري الأول بالامتناع عن إجراء أي تصرف من شأنه أن يعيق تسجيل المشتري الأول و انتقال الملكية إليه، فإذا باع العقار مرة ثانية كان هذا إخلالاً منه بالتزامه المذكور، الأمر الذي يعتبر معه متصرفاً في مال يملكه، ولكن ليس له حق التصرف فيه، فتقوم في حقه جريمة الاحتيال.

    واستطراداً نقول أن البائع حين يتعاقد مع المشتري الثاني قد يكون متواطئاً مع المشتري الأول لسلب أموال المشتري الثاني، حيث يسارع الاثنان إلى نقل الملكية إضراراً به مما يدخل هذا أيضا في إطار استعمال الدسائس.

    – أما بالنسبة للنائب، فكما أشرنا، فهو يعتبر صاحب صفة للتصرف بالمال، وتصرفه به كتصرف الأصيل ذاته، فكلاهما ينتج أثاره القانونية ويرتبها في ذمة الأصيل، حقوقا كانت أو التزامات.

    أما إذا خرج النائب عن حدود نیابته زالت عنه صفته وجاز وقوع الجريمة منه.

     فالوكيل أو النائب الذي انقضت وكالته أو نیابته أو إذا عزل أو إذا خرج عن حدود النيابة ثم تصرف في مال الأصيل يرتكب جريمة الاحتيال.

    وتطبيقا لذلك فإن بيع الوكيل المعزول لعقار موكله بعد عزله يعتبر تصرفا بأموال ليس له صفة للتصرف فيها، ويلاحق بجرم الاحتيال.

    وإذا كان الاحتيال بهذه الوسيلة يتوفر بحق المالك الذي يتصرف بماله بالرغم من وجود سبب قانوني يمنعه من التصرف به، ويتوفر أيضا بحق النائب الذي يتصرف بالمال بعد عزله أو انقضاء نيابته أو وكالته، فمن باب أولى أن يقوم الاحتيال بحق الشخص الذي يتصرف بالمال وهو ليس مالكا له، وليس له حق التصرف فيه، كالمحتال الذي يبيع مال الغير دون أن يكون نائبا عنه .

  • جرم السرقة ليلاً حسب المادة 626 عقوبات

    جاء النص على هذه الصورة المشددة للسرقة في المادة 626 كما يلي:

    ” يقضي بالعقوبة نفسها إذا ارتكب السرقة لي شخصان أو أكثر مقنعين أو كان أحدهم يحمل سلاح ظاهرة أو مخبأ، أو إذا حصلت بفعل شخص واحد مسلح في مكان معد لسكنى الناس”.

    بتحليل هذا النص نستنتج أنه يتضمن جنايتي سرقة، عقابهما واحد، القاسم المشترك بينهما هو ظرف الليل، مع اختلاف الظروف الأخرى المرافقة له.

    وإذا أردنا توظيف الرياضيات فيهما لخلصنا إلى المعادلتين التاليتين:

     1- الليل + تعدد السارقين + تقنع الجميع أو حمل السلاح من أحدهم = سرقة موصوفة (م 626).

     2- الليل والسارق واحد + حمل السلاح + مسكن = سرقة موصوفة (م 626).

    والواضح هنا أن الحكمة من تشديد العقاب وجعله جنائية هو الخطورة الخاصة للسرقة حين يجتمع فيها الظروف المشددة السابقة، لاسيما وأن اجتماع طرفين من هذه الظروف يجعل السرقة مشددة تشديداً جنحياً.

    فكما رأينا سابقاً في معرض شرح المادة 628 أن السرقة ليلاً مع تعدد السارقين، أو السرقة ليلا من شخص واحد في مسكن يشدد عقابها تشدیداً جنحياً، وهو الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة.

    بالتالي فإن السرقة ليلا مع تعدد السارقين تعتبر جنحة مشددة، أما إذا أضيف إليها التقنع أو حمل السلاح فتصبح الجريمة سرقة موصوفة.

     أما السرقة ليلاً من شخص واحد في مسكن فتعتبر جنحة مشددة، أما إذا كان هذا الشخص مسلحا فتصبح الجريمة سرقة موصوفة .

    ولقد سبق لنا تحلیل مدلولات الظروف المشددة المذكورة سابقا، فنحيل إليها.

    وعند توفر ظروف التشديد المذكورة في المادة 626 يعاقب السارق أو السارقين بعقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى خمس عشرة سنة، وهي ذات العقوبة المذكورة في المادة 625 التي أحالت إليها المادة 626.

1