الوسم: موقع المحامي

  • جريمة قتل الأصل أو الفرع في القانون السوري

    قتل الأصل أو الفرع

    أطلقت بعض التشريعات العربية ظرف التشديد المستند إلى صلة القربي ليشمل إضافة للقرابة المباشرة بين الأصول والفروع، قرابة الحواشي والنسب، فشددت القتل الواقع على الأخوة والأخوات، والقتل الواقع على الزوج أو الزوجة .

    في حين أن تشريعات أخرى قصرت ظرف التشديد هذا على الجرم الواقع على الأصول دون الفروع .

     أما قانون العقوبات السوري فلقد اتخذ موقفاً وسط مشدداً عقاب القتل إلى الإعدام، في الفقرة الثالثة من المادة 435، إذا ارتكب على أحد أصول المجرم أو فروعه”.

     فهو، من جهة، قصر ظرف التشديد على القرابة المباشرة بين القاتل والمقتول، دون أن يشمل علاقة الزوجية والأخوة والأخوات.

     ومن جهة أخرى لم يقصر ظرف التشديد على القتل الواقع على الأصل دون الفرع، بل جاء النص شاملاً جميع الأصول وإن علوا، الأب والأم والجد والجدة وأبو أو أم الجد أو الجدة. وجميع الفروع ، الأبناء والأحفاد مهما نزلوا، ذكورا كانوا أو إناث.

    ولا ريب أن تشديد المشرع عقاب قاتل أصله أو فرعه إلى الإعدام مرده إلى صلة القربي التي تفترض أقوى الأواصر وأقدس القيم الإنسانية، بحنان الأصل على الفرع، وبر الفرع للأصل.

     ولا بد لتوفر هذا الظرف المشدد أن يكون هناك اعتداء مقصود منه إزهاق روح إنسان حي، سواء أفضى هذا الاعتداء إلى نتيجة أم بقي في حيز الشروع.

    وأن يكون هناك صلة القربی المحددة بالنص، وهي القرابة المباشرة، فلا يجوز القياس أو التوسع في التفسير ليشمل التشديد الأخ أو الأخت أو العم أو الخال، أو الأزواج فيما بينهم. وأن يتوفر أخيراً القصد الجرمي، الذي يجب أن يكون “مزدوجاً أو مضاعفاً “.

     فيجب أن يتوفر لدى الفاعل القصد الجرمي العام المطلوب توافره أصلاً لجرم القتل البسيط، وهو نية إزهاق روح إنسان حي، إضافة لوجوب اتجاه هذا القصد إلى الأصل أو الفرع.

    ويبني على ذلك مجموعة من النتائج:

     1- إذا حصلت الوفاة نتيجة الاعتداء الفاعل، بالرغم من انتفاء القصد العام، أي نية إزهاق الروح، فالجرم لا يعدو أن يكون سوى قتلا خطأ، أو إيذاء مفضي إلى الموت.

    وفي الحالتين تنتفي إمكانية تشديد العقاب، إذا كان الميت احد أصول الفاعل أو فروعه.

    2- إن أسباب التبرير وموانع العقاب تسري على جميع الجرائم، بما فيها القتل الواقع على الأصل أو الفرع.

     وعلى ذلك فلا تشديد ولا عقاب على من يقدم على قتل أصله أو فرعه دفاعاً عن النفس أو إنفاذاً لنص قانوني أو في حالة جنون أو قوة قاهرة.

     3- ينتفي هذا الظرف المشدد عند وقوع غلط في الشخصية.

    فلو أن أحدهم أطلق النار على شخص قاصدا قتله، معتقدا أنه خصمه، فإذا به يفاجأ أنه قتل أصله أو فرعه.

    فهنا توفر لدى هذا القاتل القصد الجرمي العام المتمثل بنية إزهاق روح إنسان حي، وانتفى لديه القصد المضاعف أو المزدوج، فهو لم يكن يريد أن يزهق روح أصله أو فرعه.

     4- كما ينتفي هذا الظرف المشدد عند وقوع غلط في الشخص أو خطأ في التصويب.

     فلو أراد الفاعل قتل خصمه فأخطأه فأصاب ابنه أو أبيه الذي كان واقفاً أو مارة بجانب خصمه.

     فلا تشديد أيضاً لانتقاء القصد المزدوج أو المضاعف.

    بالمقابل يتوفر هذا الظرف إذا توفر القصد المزدوج، في حالة اتجاه قصد الفاعل إلى إزهاق روح أصله أو فرعه، فأطلق عليه النار فأصاب شخصا أخر ومات نتيجة لذلك.

    لأن الجريمة التي تقع على غير الشخص المقصود بها يعاقب فاعلها كما لو كان اقترف الفعل بحق من كان يقصد .

     ويرى بعض الفقه، الذي نؤيده، أن نص المادة 205لا يجب أن يطبق في هذه الحالة بحرفيته، وإنما يجب تطبيقه الضمن إطار المبادئ العامة التي عالجت أحكام الغلط المادي وأثره في المسئولية الجزائية .

    لاسيما وأن المادة 223 من قانون العقوبات في فقرتها الثانية قضت بأنه

     “إذا وقع الغلط على أحد الظروف المشددة فإن المجرم لا يكون مسئولا عن هذا الظرف، و هو بعكس ذلك يستفيد من العذر الذي جهل وجوده”.

    يستخلص من ذلك أن الفاعل الذي قصد قتل أباه أو ابنه فأصاب شخص أخر وقتله، إنما يعاقب بالعقوبة المقررة للقتل المقصود، ولا سبيل للأخذ بالظرف المشدد المستند إلى صلة القربي.

    ويرى بعض الفقه أن الفاعل يلاحق في هذه الحالة عن قتل تام غير مشدد بالنسبة للضحية، و عن شروع في قتل مشدد بالنسبة لأصله أو فرعه.

     وهذا يشكل اجتماعاً معنوياً الجرائم، تطبق فيه عقوبة الجرم الأشد، و هي عقوبة القتل التام .

    والمسألة الأخيرة التي تثار في هذا الصدد تتعلق بتعدد المساهمين في جريمة قتل الأصل أو الفرع.

    فهل يشمل ظرف التشديد جميع المساهمين أم يقتصر فقط على الشخص الذي يتوافر فيه؟

     إن المادة 215 من قانون العقوبات قد وضعت حلاً عاماً لهذه المسألة.

     بمقتضاه إن الظروف المادية التي من شأنها تشديد العقوبة أو تخفيفها أو الإعفاء منها تسري على جميع الشركاء في الجريمة والمتدخلين فيها.

    كما تسري عليهم أيضاً الظروف المشددة الشخصية والمزدوجة التي سهلت اقتراف الجريمة. وما عدا ذلك من الظروف فلا تطال إلا الشخص الذي تتعلق به.

     ولا ريب أن صلة القربي هي ظرف مشدد شخصي يقتصر مفعوله على الشخص الذي تتوافر فيه صلة القربي هذه دون غيره من الشركاء والمتدخلين، بشرط أن لا تكون هذه القرابة هي التي سهلت اقتراف الجريمة، فإن العقوبة المشددة تطال الجميع عندئذ.

  • ماهي شروط تشديد عقوبة القتل تحت التعذيب؟

    التشديد تبعاً لأسلوب التنفيذ (أعمال التعذيب والشراسة)

    إن إقدام القائل على تعذيب ضحيته، وجعله يتحمل آلاما كبيرة، قبل أو أثناء قتله لهو دليل على عراقته في الإجرام، وعلى انعدام القيم الإنسانية لديه.

     بعض التشريعات جعلت من هذا الظرف سبب يوجب تشديد العقوبة إلى الإعدام.

    أما القانون السوري فلقد اكتفي باعتبار هذا السبب موجباً للأشغال الشاقة المؤبدة.

    ولتوفر ظرف تشديد التعذيب لابد أن يلجأ إليه الفاعل لقتل ضحيته:

     كما لو تم القتل عن طريق فقئ عيني الضحية، أو بتر أعضائه، أو دفنه حيا، أو تعذيبه بواسطة آلة كهربائية تسبب له الموت.

    بيد أنه لا يشترط في أعمال التعذيب أن تكون السبب في الوفاة، ولا أن يكون الباعث إليها إحداث الوفاة، وإنما يكفي أن يكون الفاعل قد ” هيأ أو سهل أو أتم بها تنفيذ جريمة القتل المقصود” .

    بالمقابل، يشترط أن تكون أعمال التعذيب قد وقعت على المجني عليه وهو حي، أي أن يسبق التعذيب تنفيذ القتل أو يرافقه على الأقل.

     أما قيام القاتل بيتر أعضاء ضحيته بعد إزهاق روحه، أو فقئ عينيه، أو قطع لسانه… فلا يعتبر كل ذلك تعذيباً يوجب تشديد العقاب، لأن هذه الأفعال الشنيعة قد وقعت على جثة هامدة، وبالتالي، يعتبر ما قام به القاتل تمثيلاً بالجثة، موجبا لتطبيق حكم المادة 465 من قانون العقوبات عليه، وملاحقته بجرم التعدي على حرمة الأموات.

  • ماهي أسباب وظروف تشديد عقوبة القتل في القانون السوري؟

    القتل المقصود المشدد

    إن جرائم القتل المقصود المشدد لا تعتبر جرائم مستقلة قائمة بذاتها، بل هي جرائم قتل مقصود بسيط ترافقت مع ظرف من ظروف التشديد الواردة في المادتين 534- 335 من قانون العقوبات.

     وهذا يعني ضرورة توافر أركان القتل البسيط فيها مضافا إليها الظرف المشدد.

     وهذه الظروف التي ارتأى المشرع السوري، أسوة بالتشريعات الأخرى، اعتبارها مشددة لجرم القتل تستند في الغالب على معيار خطورة الفاعل أو إمعانه في الإجرام أو استهتاره بالقيم والمشاعر الإنسانية المتعارف عليها.

     ولقد شددت المادتين المذكورتين عقاب القتل إما إلى الأشغال الشاقة المؤبدة وإما إلى الإعدام.

    يستخلص من ذلك أن عقوبة القتل البسيط وهي الأشغال الشاقة المؤقتة من 15 إلى 20 سنة تصبح أشغال شاقة مؤيدة إذا توفر في القتل أحد الظروف الواردة في المادة 534، والإعدام إذا توفر أحد الظروف الواردة في المادة 535.

    ويمكننا تصنيف ظروف التشديد الواردة في المادتين المذكورتين بردها إلى المعايير التالية:

    1- التشديد تبعا لقصد الجاني (العمد)

     2- التشديد تبعا للطريقة التي نفذ فيها القتل (التعذيب)

     3- التشديد تبعا للدافع على ارتكاب القتل (القتل لسبب سافل – القتل للحصول على المنفعة الناتجة عن الجنحة- أو تمهيداً للجريمة أو تسهيلاً لتنفيذها أو للتهرب من عقابها)

     4- التشديد تبعا للمجني عليه: ويأتي ضمنه التشديد المبني على صفة خاصة بالمجني عليه الموظف والحدث)،  والتشديد المبني على تعدد المجني عليهم، والتشديد المبني على صلة القربي (الأصول والفروع).

    – استنادا لهذه المعايير، سنتناول بالشرح ظروف التشديد من خلال: .

    ظروف التشديد الواردة في المادة 534، التي تجعل العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.

    وظروف التشديد الواردة في المادة 535، التي تجعل العقوبة الإعدام.

     

    ظروف التشديد التي تجعل عقوبة القتل الأشغال الشاقة المؤبدة المادة(534)

    تنص المادة 534 من قانون العقوبات على ما يلي:

    يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة على القتل قصدا إذا ارتكب:

    1- لسبب سافل

     2- تمهيدا لجنحة أو تسهيلا أو تنفيذا لها أو تسهيلا لفرار المحرضين على تلك الجنحة أو فاعليها أو المتدخلين فيها أو للحيلولة بينهم وبين العقاب

     3- للحصول على المنفعة الناتجة عن الجنحة

    4- على موظف أثناء ممارسته وظيفته أو في معرض ممارسته لها

     5- على حدث دون الخامسة عشرة من العمر

     6- على شخصين أو أكثر

     7- في حالة إقدام المجرم على أعمال التعذيب أو الشراسة نحو الأشخاص”.

    استنادا إلى التصنيف المشار إليه سابقا، نستخلص من هذا النص، أن المشرع السوري شدد عقاب القتل المقصود إلى الأشغال الشاقة المؤبدة تبعا للمعايير التالية: الدافع – صفة المجني عليه طريقة التنفيذ.

    ظروف التشديد التي تجعل عقوبة القتل الإعدام (المادة 535)

    تنص المادة 535 من قانون العقوبات على ما يلي:

    يعاقب بالإعدام على القتل قصدا إذا ما ارتكب:

    1- عمداً

     2- تمهيداً لجناية أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها أو تسهيلاً لفرار المحرضين على تلك الجناية أو فاعليها أو المتدخلين فيها أو للحيلولة بينهم وبين العقاب.

     3- على أحد أصول المجرم أو فروعه”.

    يستخلص من هذا النص أن المشرع شدد عقاب القتل المقصود إلى الإعدام استنادا إلى معيار قصد الجاني في الفقرة الأولى، والدافع إلى ارتكاب الجريمة في الفقرة الثانية، وصفة المجني عليه في الفقرة الثالثة.

  • ماهو القصد الاحتمالي والنتائج الاحتمالية في جريمة القتل؟

    القصد الاحتمالي والنتائج الاحتمالية

    يجب التمييز بين القصد الاحتمالي بالمعنى المقصود في المادة 190، وبين النتائج الاحتمالية التي خالف بها المشرع، ينصوص صريحة وحالات خاصة، المبدأ الذي أقره في المادة المذكورة، بإلقاء عبء هذه النتائج الاحتمالية على الفاعل لمجرد أنها حصلت من فعله ولو لم ينصرف إليها قصده أو يوجه إليها إرادته أو يقبلها، بل ولو لم يتوقعها إطلاقاً.

    والمثال على ذلك في جرم القتل ، نص المادة 536 من قانون العقوبات التي عاقبت على التسبب بموت إنسان من غير قصد القتل بالضرب أو العنف أو الشدة أو أي عمل آخر مقصود”.

    فلو ضرب أحدهم خصمه لكمة على وجهه قاصداً المساس بسلامته الجسدية، ولم يقصد قتله، فمات المجني عليه من آثر اللكمة.

     فالفاعل يسأل بحسب النص المذكور عن وفاة الشخص، بالرغم من عدم اتجاه إرادته إلى هذه النتيجة، التي اتجهت أصلاً إلى مجرد المساس بسلامته البدنية.

     فهذا الجرم ليس في واقع الأمر سوى قتل خطأ لو لم يجعل منه المشرع جر ماً خاصاً، معرباً عن رغبته في أن يكون الفاعل مسؤولاً عن النتيجة الحاصلة، الوفاة، التي تجاوزت قصده، وإن لم يكن يتوقع حدوثها حين إقدامه على الضرب.

    فالقانون اعتبر الضرب أو اللكم الذي أفضى إلى الوفاة يتضمن بذاته خطر وقوع هذه النتيجة، وقد كان على الفاعل أن يأخذ بعين الاعتبار احتمال وقوعها.

     لذلك يعاقب القانون هذا الشخص على هذه النتيجة الاحتمالية الضارة، لمجرد حصولها، وإن لم تكن متوقعة أو محتملة الوقوع في ظروف ارتكاب الفعل.

  • ماهو الركن المعنوي في جريمة القتل؟

    إن جميع جرائم القتل المقصودة وغير المقصودة تتفق فيما بينها في ركن المحل والركن المادي.

     فجميعها تستلزم إنساناً حياً تعرض لاعتداء نجم عنه وفاته.

     إلا أن التمييز بين القتل المقصود والقتل غير المقصود يتوقف على الركن المعنوي.

     فلا بد لاعتبار القتل مقصوداً أن يتوفر لدى الفاعل القصد الجرمي، أي نية إحداث الوفاة، بصرف النظر عن حصول الوفاة فعلا أو عدم حصولها، فيبقى الفعل شروع في القتل .

     أما عند انتفاء نية إزهاق الروح، فقد يكون القتل غير مقصود، إذا توفرت إحدى صور الخطأ الثلاث: الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الشرائع و الأنظمة.

    وقد يكون القتال عرضياً، قضاءً وقدراً، عند انتفاء القصد والخطأ، فلا تترتب أية مسئولية جزائية فيه، كما لو ألقى أحدهم بنفسه تحت إطارات سيارة، ومات، ولم يثبت لدى قائد السيارة نية دهسه، أو أي صورة من صور الخطأ.

    إذن، عند وقوع اعتداء على إنسان حي يودي بحياته، فيجب البحث عن توفر القصد الجرمي من عدمه. فعندما يعتدي أحدهم على أخر مريدا إزهاق روحه، اعتبر القتل مقصوداً، إذا توفي الشخص، وشروعاً بالقتل إذا لم يمت الشخص .

     أما إذا وقع الاعتداء نتيجة خطأ ارتكبه الفاعل، بإحدي صوره الثلاث، اعتبر القتل غير مقصود.

     فالقصد الجرمي، إذن، يعتبر الركن الأساسي والمميز بين القتل المقصود وغير المقصود.

     والقتل المقصود قد يرتكب بصورته البسيطة،

    وقد يرتكب بصوره المشددة أو المخففة.

    و القتل البسيط، كما أسلفنا، هو القتل غير المترافق مع أية صورة من صور التشديد أو التخفيف.

  • ماهي نظرية تعادل الأسباب في جريمة القتل؟

    نظرية تعادل الأسباب

    هذه النظرية تعتبر أن جميع العوامل التي ساهمت في حصول النتيجة الجرمية متساوية و متعادلة، بحيث يمكن اعتبار كل واحد منها سبباً في وقوعها على السواء.

    ويتطبيق ذلك على جرم القتل يمكن القول بأن علاقة السببية تقوم بين الاعتداء والوفاة إذا ثبت أن هذا الاعتداء ساهم في إحداث الوفاة، ولو كانت مساهمة محدودة، وكانت مساهمة العوامل الأخرى أكثر أهمية منه في إحداث الوفاة.

     فلو ساهمت مع الاعتداء عوامل طبيعية كمرض سابق كان المجني عليه يعاني منه، فالرابطة السيبية تبقى قائمة بين الاعتداء والوفاة.

     وإذا ساهمت في إحداث الوفاة أفعال أخرى فعلاقة السيبية تبقى قائمة.

     فلو دس أحدهم السم لزيد بقصد قتله، وقبل أن يسري السم في جسده ويقتله، يأتي شخص ثالث ويرديه قتيلاً بعيار ناري، فالقتل بالعيار الناري لا يقطع العلاقة السببية بين دس السم والوفاة. ويبقى من دس السم مسؤولاً عن الوفاة التي حصلت.

     كما أن العوامل التي تتدخل بعد ارتكاب الاعتداء فتزيد من جسامته و تقود إلى حدوث الوفاة لا تنفي العلاقة السيبية بين الاعتداء و النتيجة.

    فخطأ الطبيب المعالج، وان كان جسيماً، أو إصابة المجني عليه بمرض لاحق، أو احتراقه في المستشفى الذي نقل إليه للعلاج، كل ذلك لا ينفي علاقة السببية بين الاعتداء والوفاة.

    إذ لولا الجرح أو الأذى الذي أحدثه الفاعل بالمجني عليه لما تفاقمت إصابته واضطر للعلاج في المستشفى، ولما قصر الطبيب في علاجه، ولما وجد في المستشفى ساعة الحريق، وبالتالي لما حصلت الوفاة.

    الواضح أن هذه النظرية توسع كثيراً من نطاق السيبية، بحيث يصبح الشخص مسؤولاً عن نتائج لم يكن باستطاعته توقعها أو تلافيها.

     وبالتالي يفضى الأخذ بهذه النظرية إلى نتائج لا يمكن التسليم بها .

    فلو كان لدى شخص سلاح وأهمل حفظه، فسرقه شخص آخر وارتكب به جريمة قتل، يكون صاحب السلاح مسؤولاً عن جريمة القتل أسوة بالقاتل ! لأنه تبعا لهذه النظرية هناك سببان في إحداث الوفاة: فعل القتل بالمسدس، وإهمال مالك المسدس بالحفاظ عليه.

     فالوفاة ما كانت لتقع لو لم يطلق الشخص العيار الناري، وكذلك لو لم يهمل صاحب السلاح في إخفائه فيسرق منه.

     فالعاملان متكافئان في إحداث الوفاة، وكل منهما يعتبر سبباً في وفاة الضحية.

  • ماهي علاقة السببية في جريمة القتل؟

    علاقة السببية

    إن الإنسان لا يسأل عن جريمة ما إلا إذا كانت نتيجة سلوكه أو نشاطه.

     وما لم تقم هذه الرابطة المادية بين السلوك والنتيجة، فلا يمكن إسناد الجريمة إليه .

    وباعتبار أن الركن المادي لجرم القتل عبارة عن فعل يؤدي إلى الوفاة، فلا بد من توافر رابطة سببية بين الفعل والوفاة، أي أن يكون هذا الفعل هو سبب وقوع الوفاة.

    ولعلاقة السببية أهميتها في كل جريمة يتطلب ركنها المادي نتيجة جرمية ، إذ تستند هذه النتيجة إلى الفعل المرتكب، وتقيم بذلك وحدة الركن المادي، ومن ثم المسئولية.

     وجريمة القتل هي من هذه النوعية التي يستلزم فيها القانون لتمام الجريمة، وقيام المسئولية، حدوث نتيجة جرمية، هي إزهاق الروح.

     يفرق بهذا الخصوص بين نوعين من الجرائم:

     جرائم الضرر التي يتطلب القانون فيها حصول نتيجة جرمية ضارة. وهي اغلب الجرائم، ولذلك لا بد من البحث فيها عن العلاقة السببية.

     وجرائم الخطر و أو الجرائم الشكلية التي لا يستلزم قيامها حصول أية نتيجة جرمية، وإنما تترتب المسئولية فيها على حصول الفعل أو الامتناع عن الفعل. كما هو الحال في كافة المخالفات وبعض الجنح كحيازة سلاح دون ترخيص، والقيادة بسرعة، وبالتالي لا داعي هنا للبحث عن رابطة سببية ما دام ما يعاقب عليه القانون هذا هو مجرد القيام بالعمل دون حاجة الحصول نتيجة جرمية أو وقوع ضرر.

    فلكي يكون هناك جرم قتل تام يجب أن تحصل الوفاة فعلاً.

     أما إذا اقتصر الأمر على فعل الاعتداء على الضحية بقصد قتلها، ولم تحصل الوفاة ، فيقف الأمر عند حد الشروع وفقاً للقواعد العامة.

    أيضا في القتل غير المقصود، لا بد أن يؤدي الخطأ المرتكب إلى نتيجة محددة هي الوفاة.

    أما إذا اقتصر الأمر على الفعل الخاطئ، فيقف الأمر عند حد الإيذاء غير المقصود، باعتبار أن الشروع غير متصور في الجرائم غیر المقصودة.

     إذن فالقتل هو من الجرائم التي تفضي إلى نتيجة ضارة، هي الموت، والذي تكتسب به رابطة السببية أهمية كبيرة،  في توصيف الفعل، ومن ثم قيام المسئولية ورابطة السيبية لا تثير أية مشكلة عندما يكون نشاط الفاعل هو السبب أو العامل الوحيد في إحداث النتيجة.

    فعندما يطعن الفاعل الضحية بسكين في صدره، أو يطلق عليه النار، فيموت على أثرها، فليس هناك من شك بأن فعل الطعن أو إطلاق النار هو السبب الذي أدى إلى الوفاة.

    كما لا تثير رابطة السييية صعوبة كبيرة في حالة إذا لم يكن فعل الجاني هو السبب المباشر في وقوع النتيجة الجرمية، بل انضمت إليه عوامل و أسباب أخرى أفضت إليها مباشرة، وكانت جميع هذه العوامل والأسباب متولدة عن فعله.

    وهذه الحالة يطلق عليها حالة ” تسلسل النتائج المتولدة عن الفعل الواحد”، حيث يؤدي فيها الفعل إلى نتيجة تحدث بدورها نتيجة أخرى وهكذا دواليك دون تدخل أي عامل خارجي مستقل عن تسلسل النتائج على الوجه المذكور .

     ومثالها إضرام النار في مخزن و امتداده إلى منزل مجاور وقضائه على من فيه، أو دس السم في طعام زيد من الناس فيأكل معه بكر ويموت.

    وفي هذه الحالة يسأل الفاعل عن النتائج المباشرة و المتوقعة لفعله.

    أي أن رابطة السببية تقتصر في هذه الحالة على النتائج التي تتصل بفعل الجاني اتصالاً مباشرة، وتكون متوقعة.

    فامتداد النار إلى المنزل المجاور وحريق سكانه، أو أكل بكر مع زيد وموته، هي نتائج مباشرة ومتوقعة يسأل عنها الفاعل.

     أما أن يموت شخص وهو يحاول أن يخمد الحريق المندلع في المنزل فلا يمكن اعتباره نتيجة مباشرة ولا متوقعة لفعل الاعتداء الأصلي، وبالتالي تنقطع رابطة السببية بهذه الحالة.

    بيد أن وقائع الحياة العملية تبرز حالة أكثر تعقيداً في مسألة العلاقة السببية وهي حالة ” تعدد الأسباب “.

     فكثيرا ما تتداخل عوامل مختلفة مستقلة عن الفعل تتضافر معه في إحداث النتيجة وترجع إلى أسباب عديدة سواء بفعل الضحية نفسه أو فعل غير الضحية، أو ظروف خارجة عن هذا وذاك ، هذه العوامل تشترك مع نشاط الفاعل في إحداث النتيجة الجرمية، بحيث يصبح من غير الجائز القول بأن نشاط الفاعل كان هو السبب الوحيد والمباشر في حصول النتيجة.

     ومن صورها أن يهمل الضحية علاج نفسه بعد إصابته مما يؤدي إلى وفاته، أو يجهز شخص ثالث على الضحية بعد إصابته، أو يساعد ضعف صحة الضحية على وفاته، أو يشب حريق في المستشفى التي نقل إليها، أو تصطدم المركبة التي تنقله وينتهي الأمر إلى وفاته.

    فهل تقطع هذه العوامل الأخرى رابطة السببية بين نشاط الفاعل وحدوث النتيجة الجرمية، الوفاة، بعد أن تداخلت بينهما و أسهمت في إحداث ما وقع من ضرر، أم أن الفاعل يبقى مسئولا عن الجريمة رغم تدخل هذه العوامل؟

    لقد وضعت عدة نظريات لحل مسألة تعدد الأسباب ومن أهمها :

    1-  نظرية تعادل الأسباب

    2- نظرية السبب المباشر

    3- نظرية السبب الملائم

    سنوجز أهمها، ومن ثم نتطرق لموقف المشرع السوري منها.

1