الوسم: موقع المحامي

  • جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية

    تعد الحواسيب ومنظومات المعلوماتية والشبكات مستودعا لكميات كبيرة من المعلومات، فإذا تم الوصول إلى هذه الأنظمة أمكن الوصول إلى هذه المعلومات المخزنة بها أو المتبادلة على اختلاف أشكالها، مثل أنظمة التشغيل والبرامج التطبيقية والملفات والبريد الإلكتروني وغيرها،

    وقد تعرضت الكثير من هذه الأنظمة الموجودة حول العالم إلى الدخول غير المشروع أو الاختراق من قبل أشخاص يعرفون بالقراصنة (Hackers).

    وعلى الرغم مما قد يترتب على الدخول غير المشروع إلى نظام الحاسوب من أضرار ، فقد اتجه الكثيرين إلى المطالبة بضرورة تجريمه، إلا أن هناك رأيا يرى خلاف ذلك، ويستند هذا الرأي الأخير إلى أنه لا توجد ضرورة إلى تجريم الدخول غير المشروع إلى نظام الحاسوب كونه لم تبين الإحصائيات أن حجم هذه الجريمة قد وصل إلى ضرورة التدخل التشريعي،

    كما يرى أنصار هذا الرأي أن الدخول غير المشروع إلى نظام الحاسوب لا يحتاج إلى تجريم إذا لم يكن لدى صاحبه نية ارتكاب جريمة أخرى، فغالبا ما يكون هذا الدخول مجرد استعراض لبعض المهارات التقنية والفنية، وهذا لا يحتاج إلى تجريم،

    كما يذهب أنصار هذا الرأي إلى أن الدخول غير المشروع الذي لا يخلف إتلافا للمعلومات أو استخداما لها لا يمكن الكشف عنه لأنه لا يترك أثرا مادية يمكن أن يعتبر دلية في الإثبات، وأخيرا يرى أنصار هذا الرأي أن هناك صعوبة عملية ستواجه أجهزة التحقيق لما تتطلبه هذه الجريمة من ملكات فنية بالغة التعقيد، الأمر الذي سقف حائلاً دون إسناد هذه الجريمة إلى مرتكبها.

    وهناك من يرى – ونحن نؤيده- أن هذه الحجج لا تنال من ضرورة تجريم الدخول غير المشروع إلى أنظمة الحواسيب، ويرد أصحاب هذا الرأي على الحجج السابقة بأن الإحصائيات لا تبين الرقم الحقيقي لجريمة الدخول غير المشروع لأن هناك العديد من الحالات التي تقع فعلا ولا يتم الإبلاغ عنها لأسباب مختلفة، وبالتالي لا تظهر هذه الإحصائيات الأرقام الحقيقية لهذه الجريمة،

    ويرد أنصار التجريم على الحجة الثانية بأن الدخول غير المشروع وإن لم يصاحبه نية ارتكاب جريمة لاحقه عليه، فإن هذه النية قد تتولد فيما بعد، ناهيك عن أن الدخول في حد ذاته ينطوي على المساس بسرية المعلومات،

    أما فيما يتعلق بصعوبة اكتشاف الدخول غير المشروع، فإن الواقع العملي يؤكد أنه قد تم بالفعل الكشف عن الكثير من حالات الاختراق إما عن طريق الإجراءات الأمنية التي يحتوي عليها نظام الحاسوب،

    وإما عن طريق الفاعل نفسه إذا أنه كثيرة ما يترك رسالة تشير إليه وذلك من قبيل التفاخر باختراقه، وأخيرا فيما يتعلق بالصعوبة الفنية التي تواجه التحقيق في هذه الجريمة، فإن هذه الصعوبة تواجه مختلف جرائم المعلوماتية بلا استثناء .

    وقد قامت العديد من الدول بتجريم الدخول غير المشروع إلى أنظمة الحواسيب إلا أنها اختلفت في بعض الأحيان بالشروط المطلوبة لتطبيق هذه النصوص، فقد نص المشرع الفرنسي جريمة الدخول غير المشروع في المادة 323- 1 من قانون العقوبات الفرنسي،

    كما عاقب المشرع في بريطانيا على هذه الجريمة في المادة الأولى من قانون إساءة استخدام الحاسوب لعام 1990، وكذلك فعل المشرع الأمريكي في المادة 1030 (أ) من القانون الفيدرالي لجرائم الحاسوب،

    كما عاقبت المادة 2 من الاتفاقية الأوربية للجريمة الافتراضية لعام 2001 على جريمة الدخول غير المشروع إلى الحاسوب، وعاقبت أيضا المادة الثانية من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الإماراتي رقم 2 لعام 2006 على هذه الجريمة،

    وهذا ما فعله أيضا المشرع القطري في المادة 371 من قانون العقوبات رقم 11 لعام 2004، وهناك العديد من التشريعات الأجنبية والعربية والاتفاقيات التي عاقبت على جريمة الدخول غير المشروع إلى أنظمة المعلومات.

    – وقد عاقب المشرع السوري على جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية في المادة 15 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية التي نصت على ما يلي:

    ( أ- يعاقب بالغرامة من عشرين ألف إلى مئة ألف ليرة سورية، كل من دخل قصدأ، بطريقة غير مشروعة، إلى جهاز حاسوبي أو منظومة معلوماتية أو موقع إلكتروني على الإنترنت، دون أن يكون له الحق أو يملك الصلاحية أو التصريح بالقيام بذلك.

    ب- وتكون العقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من مئة ألف إلى خمسمئة ألف ليرة سورية، إذا قام الفاعل بنسخ البيانات أو المعلومات أو التصاميم التي وصل إليها، أو إلغائها أو تغييرها أو تشويهها أو تزييفها أو استخدامها أو إفشائها.)

    وعليه فسنتناول الركن المادي والركن المعنوي لهذه الجريمة ثم ننتقل إلى دراسة الظرف المشدد المنصوص عليه بالفقرة ب من هذه المادة.

    أ- الركن المادي:

    يتمثل النشاط الجرمي أو السلوك في جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية بفعل الدخول )، ويقصد بالدخول هنا: جميع الأفعال التي تسمح بالولوج إلى نظام معلوماتي والوصول إلى المعلومات المخزنة به.

    وفعل الدخول يمكن أن يتم بطريقة مباشرة إلى الحاسوب أو منظومة معلوماتية، أي بالدخول كمستخدم دون أن يكون للفاعل الحق أو التصريح للقيام بذلك،

    كما يمكن أن يتم الدخول بطريقة غير مباشرة أي عن بعد عن طريق الشبكات كالإنترنت، وغالبا ما يتم الدخول بالطريقة المباشرة من قبل العاملين في الجهات المجني عليها ،

    أما الطريقة غير المباشرة فيرتكبها أشخاص لا ينتمون إلى هذه الجهات .

     ولم يشترط المشرع السوري في هذه الجريمة أن ينجح الفاعل في الوصول إلى المعلومات المخزنة، لأن نص التجريم يسمح بالعقاب بمجرد الولوج إلى نظام معلوماتي ولو لم يترتب على هذا الفعل أي ضرر أو فائدة، مادام الدخول كان بدون وجه حق، ويتحقق الولوج إلى النظام المعلوماتي بمجرد أن يبدأ الفاعل بتشغيل الحاسوب، لأن هذه الجريمة من الجرائم التي تمثل عدواناً محتملاً على الحق، وليست من الجرائم التي تتطلب العدوان على الحق الذي يحميه القانون .

    وبناء على ذلك فلا يعد دخولا مجرد الإطلاع على المعلومات عن طريق قراءتها على شاشة الحاسب دون أن يقوم الفاعل قبل ذلك بأي عملية تقنية تسمح له بهذا الاطلاع، لأن المشرع السوري قد اشترط صراحة في المادة 15 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية أن يتم الوصول إلى المعلومات عن طريق فعل الدخول، فلا يكفي لتحقق النشاط الجرمي مجرد الإطلاع الذهني المحض على معلومات دون وجه حق ناهيك عن صعوبة إثبات مثل هذا الفعل.

    ولا شك أن مجرد الدخول إلى الحاسوب أو منظومة معلوماتية أو موقع إلكتروني لا يشكل بحد ذاته جريمة، وإنما يستمد هذا الدخول عدم مشروعيته من كونه دون وجه حق أو دون صلاحية أو غير مصرح به.

    ويقصد بعدم مشروعية الدخول هنا:

    انعدام سلطة الجاني في الدخول إلى النظام المعلوماتي مع علمه بذلك،

    وهذا يتطلب أساساً معرفة صاحب الحق في الدخول إلى هذا النظام، ويمكن القول أن الدخول إلى جهاز حاسوبي أو منظومة معلوماتية أو موقع إلكتروني يعد غير مشروع في الحالتين التاليتين:

    الحالة الأولى: إذا كان دخول الفاعل إلى إحدى هذه الأنظمة المعلوماتية قد تم دون الحصول على تصريح من الشخص المسؤول عن النظام.

    الحالة الثانية: إذا كان الفاعل مصرح له بالدخول إلى إحدى هذه الأنظمة ولكنه تجاوز هذا التصريح الممنوح له بالوصول إلى معلومات لا يشملها التصريح.

    وغالبا ما يتم الدخول غير المصرح به في الحالة الأولى من قبل أشخاص خارج الجهات المجني عليها التي يوجد فيها النظام المعلوماتي المخترق،

    أما في الحالة الثانية فإن من يتجاوز التصريح الممنوح له بالوصول إلى معلومات هو غالبة شخص من داخل الجهة المجني عليها ، ويصعب في هذه الحالة الأخيرة معرفة ما إذا كان العامل في هذه الجهة قد تجاوز بالفعل حدود اختصاصه، ولهذا ينبغي تحديد اختصاصات العاملين في مثل هذه الجهات تحديدا دقيقة حتى يسهل تحديد التجاوزات في الصلاحية .

    وتبدو أهمية التفرقة بين العاملين داخل الجهة التابع لها النظام المعلوماتي والخارجين عنها، في أن المشرع السوري قد شدد عقوبة الجريمة المعلوماتية في المادة 30 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية إذا كان مرتكب الجريمة قد استغل عمله الوظيفي لارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون المذكور.

    أما النتيجة الجرمية في جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية فتبدو وكأنها مندمجة في النشاط الجرمي المتمثل بفعل (الدخول)،

    وقد أشرنا سابقا بأن المشرع السوري لم يشترط أن ينجح الفاعل في الوصول إلى المعلومات المخزنة لتحقق هذه الجريمة، وإنما يكفي أن يلج إلى النظام المعلوماتي، لأن علة التجريم تتمثل في حماية النظام ذاته من الدخول إليه دون وجه حق، وبناء على ذلك يمكن تصور الشروع في ارتكاب جريمة الدخول غير المشروع عندما لا يتمكن الفاعل من الدخول إلى النظام المعلوماتي لظروف خارجة عن إرادته.

    ب- الركن المعنوي

    جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية جريمة مقصودة، ويتمثل الركن المعنوي فيها بصورة القصد الجرمي العام بعنصرية العلم والإرادة.

    وعليه يجب أن يتجه علم الجاني إلى أن فعله سيؤدي إلى الدخول إلى حاسوب أو منظومة معلوماتية أو موقع إلكتروني، ويجب أن يعلم فوق ذلك بأنه ليس له الحق أو الصلاحية في هذا الدخول.

    كما يجب أن تتجه إرادته أيضا إلى هذا الدخول غير المشروع، فإذا اعتقد الفاعل بناء على أسباب معقولة بأن له الحق في الدخول إلى النظام المعلوماتي فإن القصد الجرمي لا يتوفر لديه.

    كما أنه لا يتوفر القصد الجرمي أيضأ إذا وجد الشخص نفسه داخل موقع إلكتروني عن طريق الخطأ أثناء تصفحه للإنترنت دون أن يكون مصرح له بالدخول إليه،

    ولكن يختلف الأمر إذا بقي هذا الشخص داخل الموقع الذي دخله خطأ إذا اتجهت إرادته إلى البقاء فيه مع علمه بأنه غير مصرح له بالدخول، ففي هذه الحالة يتوفر القصد الجرمي المطلوب لقيام هذه الجريمة.

    ج- العقوبة:

    عاقب المشرع على جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية بالغرامة من عشرين ألف ليرة إلى مئة ألف ليرة سورية، وهي عقوبة ذات وصف جنحوي لأنها تجاوزت ألفي ليرة سورية.

    د- الظرف المشدد الخاص بجريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية:

    شدد المشرع عقوبة جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية في الفقرة ب من المادة 15 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية والتي نصت على ما يلي:

    ب – وتكون العقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة من مئة ألف إلى خمسمئة ألف ليرة سورية، إذا قام الفاعل بنسخ البيانات أو المعلومات أو التصاميم التي وصل إليها، أو إلغائها أو تغييرها أو تشويهها أو تزييفها أو استخدامها أو إفشائها ).

    حدد المشرع السوري الأفعال التي تعقب الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية والتي تشكل ظرفا مشددة لهذه الجريمة و هي:

    نسخ البيانات أو المعلومات أو التصاميم ويقصد بالنسخ أن يحصل الجاني على المعلومات أو التصاميم أو البرامج العائدة للمجني عليه مع بقاء النسخة الأصلية في حيازة هذا الأخير، وهذا ما يطلق عليه مصطلح سرقة المعلومات، مع أن معظم الفقه الجزائي – وهو على حق – يرى أن فعل الأخذ وهو جوهر النشاط الجرمي في جريمة السرقة يختلف عن النسخ، لأن هذا الأخير لا ينهي حيازة المجني عليه، وبالتالي لا تنطبق جريمة السرقة في مفهومها التقليدي على جريمة الحصول على المعلومات عن طريق نسخها بصورة غير مشروعة عملا بمبدأ الشرعية الذي يستلزم عدم التوسع بتفسير النصوص الجزائية.

    أما إلغاء المعلومات فيقصد به حذفها أو محوها تماماً، أما تغيير أو تشويه أو تزييف المعلومات فيقصد به أي تعديل للمعلومات أو البرامج يقوم به الجاني والذي يمكن أن يؤدي إلى إتلاف هذه المعلومات أو عدم الاستفادة منها، أما استخدام المعلومات فيقصد به استعمالها بطريقة غير مشروعة، أما إفشائها فيصد به نشرها.

    ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المشرع السوري وأسوة بمعظم المشرعين قام بذكر مختلف الأفعال التي تقع على المعلومات دون وجه حق بقصد الإحاطة بها حتى لا يكون هناك أي فعل بمنأى عن العقاب .

    أما بالنسبة إلى الركن المعنوي المطلوب لتطبيق ظرف التشديد المذكور، فلا بد من توفر القصد الخاص إلى جانب القصد العام الذي سبق وأن بيناه، ويتمثل القصد الخاص هنا أن يعلم الفاعل أنه يقوم بإحدى الأفعال الواردة بالفقرة ب من المادة 15، وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب أحد هذه الأفعال.

    ومن الأمثلة الشهيرة على جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية ونسخ ونشر المعلومات المخزنة بها، هو ما قام به القائمون على موقع ويكيليكس من عمليات اختراق إلى المواقع الإلكترونية لبعض الحكومات كالبيت الأبيض الأمريكي والبريد الإلكتروني للعديد من الجهات الحكومية ونشرها عبر الإنترنت من خلال موقع إلكتروني مخصص لهذه الغاية .

    وفي قضية عرضت حديثة على القضاء السوري، تتلخص بقيام موظف في إحدى شركات الهاتف النقال بنسخ أرقام هواتف مجموعة كبيرة من زبائن الشركة ومنها أرقام عائدة الجهات حكومية دون أن يكون مصرح له بذلك، ثم قام هذا الموظف بترك العمل من الشركة المذكورة، وقام بفتح شركة تجارية، وراح يستخدم هذه الأرقام من أجل تسويق بضائعه التجارية.

    وقد تم تحريك الدعوى العامة بحق الفاعل بجرم نسخ المعلومات دون وجه حق، وفق الفقرة ب من المادة 15 مع التشديد المنصوص بالمادة 30 من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية كونه موظف .

    وفي قضية أخرى عرضت على قضائنا أيضا، أنه في عام 2010 قام أحد الموظفين بعد تركه العمل في شركة تعمل في مجال المعلوماتية باختراق مخدم الشركة عبر الانترنت وإتلاف المعلومات المخزنة به، وقد قدر الضرر الذي لحق بهذه الشركة بحوالي ستة ملايين ليرة سورية.

    وقد حركت الدعوى العامة بحق الفاعل بجرم الإضرار بأموال الغير وفق المادة 719 من قانون العقوبات .

    وغني عن البيان بأن جريمة الدخول غير المشروع إلى منظومة معلوماتية بقصد الحصول على المعلومات أو تعديلها أو استخدامها قد تشكل حالة اجتماع جرائم مادي مع جريمة الاحتيال عبر الإنترنت، كما هو الحال عندما يتم الدخول بطريقة غير مشروعة إلى أحد المواقع الإلكترونية العائدة إلى مصرف ما بهدف التلاعب بالحسابات وتحويل الأموال من حساب المجني عليه إلى حساب الجاني.

  • ماهو الانترنت وكيف نشأ ومن يتحكم به ؟

    ماهو الانترنت وكيف نشأ ومن يتحكم به ؟

    ماهية الإنترنت

    محامي

    يتطلب التعرف على ماهية شبكة الإنترنت، إلقاء الضوء على المراحل التي مرت بها هذه الشبكة منذ نشأتها. ثم معرفة آلية تنظيمها وكيفية عملها.

    أ- التعريف بالإنترنت

    إن الحديث عن الإنترنت يدفعنا للعودة إلى جذور هذه الشبكة منذ الستينيات؛ للتعرف على الأب الشرعي لها، ومتابعة مراحل نموها منذ الولادة، ثم استعراض التعريفات الفقهية التي تناولت شبكة الإنترنت، والتي تضمنت سمات هذه الشبكة.

    أولا- نشأة الإنترنت:

    نشأت فكرة الإنترنت نتيجة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي في الستينيات، حيث كان المسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية يبحثون عن إجابة لسؤال كان يتبادر إلى أذهانهم، وهو كيف يمكن للمسؤولين في الولايات المتحدة الأميركية الاتصال فيما بينهم، في حال حدوث كوارث أو في حال حدوث هجوم نووي؟

    على إثر ذلك، عهدت وزارة الدفاع الأميركية في عام 1964 إلى وكالة مشاريع الأبحاث المتطورة (ARPA) بمهمة إنشاء شبكة من الحواسيب تكون قادرة على الاستمرار في العمل في حال حدوث مثل هذه الكوارث.

     وفي عام 1969، قامت وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة، بإنشاء شبكة متخصصة لهذا الغرض حملت اسم أربانت (ARPANET) وهو اختصار Agency Advanced Research Projects وهو مركز أبحاث عسكرية وعلمية تابع لوزارة الدفاع الأميركية) ، وكانت هذه الشبكة التجريبية في البداية تربط أربعة حواسيب آلية ضخمة فيما بينها.

    في عام 1972، تم إيصال الأربانت إلى معظم الجامعات الأميركية، وفي عام 1973 بدأت الاتصالات الدولية بهذه الشبكة من إنكلترا و النروج.

    وهنا بدت الحاجة ملحة لإيجاد وسيلة تخاطب تسمح للحواسيب التي تعمل بلغات مختلفة بأن تتصل فيما بينها، فتم في هذا العام اكتشاف بروتوكول الإنترنت (TCP/IP) .

     في عام 1986، تم نقل تشغيل أربانت من وزارة الدفاع إلى شبكة مؤسسة العلوم الوطنية NSFNET إضافة إلى إدارة الطيران المدني والفضاء الأميركية، وكذلك إلى إدارة الطاقة، وبذلك أصبحت أربانت متاحة لجميع أشكال البحث العلمي.

    في عام 1990، ومع انهيار الإتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، لم تعد تجد وزارة الدفاع الأمريكية أن هناك فائدة في حصر استعمال هذه الشبكة في الأمور العسكرية فقط، فأطلقت حرية استخدامها، وبدأ نطاق استعمالها يتسع، وأصبح لها إدارة خاصة لا ربحية، ثم تحولت أربانت إلى الإنترنت Internet كتسمية جديدة.

    وفي عام 1991، تمكن مهندس الاتصالات الانكليزي تيم بيرنرز لي” من اختراع تقنية الويب w.w.w) world wide web) التي تساعد على تصفح المعلومات واستعراضها بسهولة على شبكة الإنترنت.

    ثانياً- تعريف الإنترنت:

    تعددت المحاولات الفقهية لتعريف الإنترنت، ومن هذه التعاريف:

    أن الإنترنت هي عبارة عن آلية اتصال مكونة من مفاتيح وأسلاك وأماكن تخزين للبيانات، ودواعم توصيل، و روابط اتصال، تعمل في بوتقة واحدة بفضل بروتوكول الإنترنت

    . (TCP/IP)

    وفي تعريف آخر بأنها شبكة الشبكات، حيث تتكون من عدد كبير من شبكات الحاسوب المترابطة والمتناثرة في أنحاء العالم، ويحكم ترابط تلك الأجهزة وتحادثها بروتوكول موحد يسمى بروتوكول تراسل الإنترنت .

    وهي أيضا من وجهة نظر تقنية إنسانية، بأنها تلك الوسيلة أو الأداة التواصلية بين شبكات المعلومات، دون اعتبار للحدود الدولية.

    والحقيقة إن جميع هذه التعاريف تعبر عن حقيقة الإنترنت، التي يمكن تعريفها ببساطة بأنها الشبكة تتألف من عدد كبير من الحواسيب المتوضعة عبر العالم، والمترابطة مع بعضها البعض، والتي تستخدم في تواصلها بروتوكول تراسل الإنترنت”.

    ثالثا – شبكة الإنترنت والوب (w.w.w):

    يظن الكثير من الناس بأن الإنترنت والوب W.W.W شيء واحد، غير أن ذلك ليس صحيحاً، لأن الإنترنت كما بينا هي عبارة عن شبكة تربط جميع شبكات الحاسوب المتصلة مع بعضها البعض.

    أما الوبw.w.w ، فهو أحد تطبيقاتها فقط، أو إحدى الآليات التي تستعمل في الاتصال.

    ( ال web. هو نسيج العنكبوت.وقد سميت به هذه التقنية من باب المجاز . والوب هو الاسم المعرب لهذه التقنية).

    فالإنترنت تحتوي على عدة تطبيقات ووسائل التواصل، مثل البريد الإلكتروني e-mail والماسنجر messenger والتي تستعمل في أفق الإنترنت، ولكنها ليست هي والإنترنت شيئا واحداً.

    فالإنترنت تشبه الطريق التي تكون بين المدن، في حين أن تلك التطبيقات المذكورة وعلى رأسها الوب، هي أنواع وسائل المواصلات التي تستخدم هذه البنية الأساسية، مثل السيارات أو الحافلات أو الدراجات النارية.

    وقد سبق وأشرنا بأن مهندس الاتصالات الإنكليزي “تيم بيرنز لي” هو من اخترع نظام الوب W.w.w، حيث يرتكز هذا النظام على بروتوكول (HTTP)) أي بروتوكول نقل النصوص الترابطية، الذي يسمح بربط مواقع الوب الموصولة بالشبكة فيما بينها والتجول فيها، وهو لا يعمل إلا بواسطة برامج تصفح خاصة.

    ب – تنظيم الإنترنت

    يتطلب التعرف على تنظيم الإنترنت، معرفة آلية عمل بروتوكول تراسل الإنترنت، ثم التعرف على الجهات التي تشرف على شبكة الإنترنت ودور هذه الجهات، خاصة الجهات المانحة للعناوين على الإنترنت، وهذا ما سنبحثه على التالي:

    أولاً- بروتوكول تراسل الإنترنت (TCP/IP )

    تعتمد آلية عمل شبكة الإنترنت، على وسيلة التخاطب الرقمي، وذلك بواسطة بروتوكولين رئيسيين هما:

    • بروتوكول التحكم في النقل TCP.
    • برتوكول الإنترنت IP.

    ويسميان في التطبيق، بروتوكول تراسل الإنترنت TCP/IP

    حيث يقوم بروتوكول التحكم في النقل TCP بتجزئة الرسالة المراد إرسالها إلى رزم من المعلومات، بحيث تحمل هذه الرزم معلومات تعريفية حول المرسل والمرسل إليه.

    أما بروتوكول الإنترنت IP، فهو مسؤول عن عنونة وترقيم وتوجيه الرسائل إلى عناوينها المقصودة، كما يقوم بمنح كل جهاز أو موقع على الشبكة رقماً معيناً، قد يصل إلى 32 رقماً حتى يتواصل مع بقية أطراف الشبكة.

    ونتيجة النمو المتزايد في المنظومات المتصلة بالشبكة، تم زيادة هذه الأرقام إلى 128 رقماً، وأي شبكة لا تستخدم هذين البروتوكولين لن تتمكن من الاتصال بالإنترنت.

    بناء على ذلك، فإن الرسالة على الإنترنت تتحرك حاملة العنوان المقصود، وتنقسم إلى رزم قد ينطلق كل منها في اتجاه ومسار معين، فإذا وجدت إعاقة، سلكت طريقة أخر. وتجري عند العنوان المقصود إعادة تكوين هذه الرسالة عن طريق تجميع الرزم المستلمة المكونة لها.

    ثانياً- الجهات المشرفة على الإنترنت:

    شبكة الإنترنت ليست ملكاً لأحد، ومن حيث المبدأ لا توجد هيئة رسمية وحيدة – حكومية أو غير حكومية- للإشراف على الإنترنت، ذلك لأن البنية الأساسية تدار بإشراف جهات غير حكومية، أخذت على عاتقها جعل الإنترنت مساحة حرة متاحة للجميع. وتتصدر هذه الهيئات جمعية الإنترنت (

    ISOC (Intermet Society، وهي مؤسسة أميركية أنشئت عام 1991، تهدف إلى تنسيق عمليات الاتصال والارتباط فيما بين الشبكات .

     أما الجهات التي تقوم بإدارة البنية الأساسية للإنترنت فهي:

    • الاتحاد الدولي للاتصالات ITU(13)، الذي يشرف على منظومات الاتصالات العالمية.
    •  منظمة الأيكان lcann، وهي تشرف على أسماء المواقع وعناوينها (أسماء النطاقات).

    ودون الدخول في الجدل حول مدى سيطرة هذه الجهات على الأركان الثلاثة للإنترنت حواسيب، وكابلات اتصال، وأسماء النطاقات، فإننا نكتفي بالقول بأنه:

    بدون هذه الأركان فلا حياة للإنترنت

    ثالثاً – العناوين على شبكة الإنترنت والهيئات المانحة لها:

    محامي جرائم الكترونية

    لكي يتم تبادل ونقل البيانات والمعلومات عبر الإنترنت، يجب أن يكون لكل حاسوب أو نظام موصول بالشبكة عنوان خاص به وهوIP address، يسمح بالتعرف عليه وتعيين مركزه، كما هي الحاجة لمعرفة عنوان المرسل والمرسل إليه في البريد العادي.

    وقد ذكرنا سابقاَ بأن الإنترنت تمنح كل جهاز أو موقع على الشبكة عنواناَ معيناَ يصل إلى 32 رقمة وقد يصل إلى 128 رقماَ، وبسبب طول هذه الأرقام، فإن مسألة تذكرها واسترجاعها أضحى أمر عسيراً، لذلك فقد تم اختراع نظام أسماء النطاقات التي تعبر عن هذه الأرقام، فبدلاً من أن تدخل الرقم الطويل، يكفي أن تكتب مثلا: www.tareq.com ، و أن تنقر عليها نقرة واحدة، وبفضل نظام يعرف ب http على الوب، سيتحول الاسم إلى العنوان الرقمي حتى يستكمل التواصل عبر الشبكة.

    وخلال هذه الرحلة يمر العنوان عبر مخدمات عملاقة(المخدم server، هو عبارة عن حاسوب بمواصفات عالية، مزود بذاكرة كبيرة، وقنوات وأدوات اتصال) ، مهمتها التعرف على هذه الأسماء وتمريرها.

    ويمر أي اتصال في الشبكة بواحد من هذه المخدمات العملاقة وتعدادها ثلاثة عشر على مستوى العالم، فإن تعرفت عليه تواصل مع غيره، وإن لم تتعرف فلن يغادر الجهاز المرسل منه.

    ويطلق على عنوان الإنترنت IP address، تسمية عنوان البريد الإلكتروني إذا كان يتعلق ببريد إلكتروني، ويسمي اسم النطاق إذا كان يختص بعنونة مواقع الوب.

    وهناك معیاران لتقسيم أسماء النطاقات، هما: المعيار الجغرافي، والمعيار النوعي.

    فبالمعيار الجغرافي، تعطى كل دولة رمزا من حرفين للدلالة عليها مثل sy. لسورية، و eg. لمصر، وuk. للملكة المتحدة، وfr. لفرنسا… وذلك باستثناء الولايات المتحدة الأميركية، حيث لا تحتاج مواقعها إلى تعريف جغرافي. وعلى ذلك فإن اسم أي نطاق لا يحمل تعريفة جغرافية سيكون حتما مسجلاً في الولايات المتحدة الأميركية.

    أما المعيار الثاني فهو يتعلق بنوع النشاط، ويضم تقسيمات سارية على مستوى العالم مثل edu. للجهات التعليمية، و gov. للجهات الحكومية، وcom. للجهات التجارية وغيرها، باستثناء اسم int. فهو محجوز للهيئات الدولية .

    ولا بد من الإشارة إلى أن كل دولة موصولة بشبكة الإنترنت، تكون مسؤولة عن إدارة النطاق الخاص بها، كما يمكن أن تخلق نطاقات ثانوية ضمن نطاقها الأساسي، كأن تخلق مثلا نطاقا ثانوية باسم gov، للدلالة على المواقع الحكومية في القطاع الأساسي sy. الذي يشير إلى الدولة السورية .

    أما بالنسبة إلى الهيئات المانحة للعناوين على الشبكة، فهناك لجنة تسمى لجنة منح الأرقام على الإنترنت، وتعرف ب IANA، وهي تتولى تنظيم عناوين المواقع في النطاقات التي ترمز إلى أسماء الدول، في حين أن صلاحية منح العناوين المستقلة يقع تحت إشراف “الآيكان”، وهي شركة أميركية خاصة لا تبتغي الربح تأسست في أيلول عام 1998، مركزها ولاية كاليفورنيا، وتتعامل مع العديد من الهيئات المتخصصة في عملية التسجيل الموزعة حول العالم .

  • كيف يتم التكييف القانوني لعقد الأمانة وهل يمكن استبداله؟

    1-تكييف عقد الأمانة:

     إن تكييف العقد يعتبر من عمل محكمة الموضوع التي عليها أن تبحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، والمحكمة غير مقيدة بالوصف الذي يعطيه المتعاقدان الاتفاقهما، فالعبرة بالمقاصد و المعاني لا بالألفاظ والمباني.

    فعندما تكشف المحكمة عن إرادة المتعاقدين فعليها أن تكيفها بعد ذلك التكييف القانوني الصحيح دون أن تتقيد بما يخلعه أطرافه عليه من وصف غير صحيح.

    و المثال على ذلك أن عقد القرض ليس من العقود الائتمانية، فإذا أقرض شخص أخر مبلغا من المال، ولكي يضمن سداده اتفق مع المدين على تسمية العقد بالوديعة حتى يعاقب المدين إذا أخل بالتزامه، فإن هذا التكييف لا يقيد المحكمة التي لها أن تعتبر العقد قرضا، فلا تقوم تبعا لهذا جريمة إساءة الائتمان .

     إذن فالمقترض لا يعد مسيئا للائتمان إذا امتنع عن رد المبلغ في الميعاد المحدد، ولو كان ثابتا في الاتفاق بينه وبين المقرض أنه يحوز المبلغ على سبيل الوديعة.

     ولكن ألا يمكن اعتبار عقد القرض المخفي بعقد وديعة مشمولا بنص المادة 657؟

    إذا عدنا إلى نص هذه المادة نلاحظ أنها نصت على كل من تصرف بمبلغ من المال أو بأشياء أخرى من المثليات سلمت إليه لعمل معين…”.

    والعمل المعين هنا يتضمن الوكالة و المقاولة والنقل والخدمات المجانية، وبالتالي يستبعد من نطاق شمولها العقود التي لا تتضمن القيام بعمل معين كالوديعة.

     لذلك نرى أن عقد القرض المخفي بعقد الوديعة يدخل ضمن نطاق المادة 656، باعتبارها تشمل الأشياء القيمية والمثلية في آن واحد، ومنها النقود.

    وكي تقوم جريمة إساءة الائتمان في هذه الحالة يجب أن تسلم النقود على وجه الوديعة وليس على وجه التصرف.

     فالتسليم في إساءة الائتمان يجب أن يكون للحيازة الناقصة وليس للحيازة التامة.

    ومثالها أن يطلب شخص من أخر أن يودع لديه مبلغاً من المال لمدة معينة.

     فعقد الوديعة لا يعطي للمؤتمن سلطة التصرف بالمال، فإذا تصرف به اعتبر مسيئاً اللائتمان. بينما في عقد الوديعة الذي يخفي عقد قرض، فهذا عقد القرض يعطي للمدين صلاحية التصرف بالمال وإعادة قيمته حين انتهاء أجل القرض، لأن التسليم فيه ينقل الحيازة التامة.

    نخلص بالنتيجة إلى أنه إذا ثبت للمحكمة أن العقد ليس من عقود الأمانة، فلا تصح إدانة المدعى عليه بإساءة الائتمان ولو بناء على اعترافه الصريح بأن العقد وديعة متى كان ذلك مخالفا للحقيقة.

     فعلى المحكمة في حالة القرض المستتر بوديعة أن تعطي الوصف الحقيقي للعقد في هذه الحالة باعتباره عقد قرض وليس عقد وديعة، واستبعاد شمول جرم إساءة الائتمان لهذه الفرضية. وبذلك استقر رأي الهيئة العامة لمحكمة النقض السورية بأنه يجب على المحكمة الناظرة بدعوى متعلقة بجرم إساءة الأمانة أن تتأكد من أن المدعى عليه قد استلم المبلغ على سبيل الأمانة فإن لم يستلم المبلغ على سبيل الأمانة وإنما استلمه کدين شخصي فإن الركن الأساسي لجرم إساءة الائتمان، وهو كتم الأمانة ،ينتفي، والمحكمة إذا لم تتنبه و تتأكد من هذه النواحي تكون مرتكبة للخطأ المهني الجسيم .

    وتكييف العقد وإعطاءه الوصف الصحيح من قبل محكمة الموضوع يخضع لرقابة محكمة النقض التي يكون لها الرأي النهائي في ذلك.

    2- استبدال عقد الائتمان:

    للطرفين مطلق الحرية في استبدال عقد بأخر، فالعقود كما تنشأ بالتراضي تنتهي كذلك به.

     فقد يتفق الطرفان على استبدال عقد الأمانة القائم بينهما بعقد أخر، فلا صعوبة في الأمر إذا استبدلاه بعقد أمانة أخر، كأن يكون العقد الأول إيجار فيحل محله عقد وديعة، لأن التصرف في المال محل العقد الجديد تقوم به جريمة إساءة الائتمان.

     أما إذا استبدل عقد الأمانة بعقد غير ائتماني، کاستبدال عقد الإيجار بعقد البيع، فلا تقوم جريمة إساءة الائتمان عند التصرف بالمال، لأن عقد البيع ينقل الحيازة التامة وليس الناقصة.

    بيد أنه كي ينتج العقد الجديد أثره في عدم وقوع الجريمة لا بد من توافر شرطين:

    . أن يكون الاستبدال جدياً. .

     أن يتم الاستبدال قبل وقوع الجريمة.

  • كيف يتم اثبات عقد الأمانة وماهو الوضع اذا كان باطلاً؟

    1- إثبات عقد الائتمان:

    إن دعوى إساءة الائتمان هي دعوى جزائية ينظرها القاضي الجزائي بالرغم من أن عقود الائتمان هي عقود مدنية أو تجارية و العلة في اعتبارها دعوى جزائية مردها الاعتداء على ملكية المال المسلم بموجب العقد وليس مردها الإخلال بالتزامات العقد.

    ومن المسائل الأولية التي يتوقف على حسمها تقرير ما إذا كانت هناك جريمة إساءة ائتمان أم لا، إثبات وجود أحد عقود الأمانة الثمانية التي حددها المشرع.

    والقاعدة أن يطبق القاضي الجزائي قواعد الإثبات المدنية للتحقق من وجود عقد الأمانة وليس قواعد الإثبات الجزائية.

     وعلة هذه القاعدة أن كيفية الإثبات ترتبط بنوع الموضوع المطروح على القضاء لا بنوع القضاء المطروح عليه الموضوع” .

    والفارق كبير بين نوعي قواعد الإثبات.

     ففي حين أن الإثبات في المسائل المدنية هو إثبات مقيد، يتطلب المشرع فيه أدلة أو وسائل إثبات من نوع خاص، واستبعاده قبول كل الوسائل، فإن الإثبات في المسائل الجزائية حر غير مقيد بوسائل أو أدلة إثبات محددة، بل يطلق المشرع فيها كافة وسائل الإثبات ويجعل الأمر في النهاية إلى قناعة القاضي الوجدانية.

    إذن فالقاضي الجزائي، وإن كان حر ، في المسائل الجزائية، في تكوين قناعته من أي دليل يطرح أمامه طبقا لمبدأ القناعة الوجدانية الذي يقوم عليه الإثبات في المسائل الجزائية، إلا أنه في خصوص إثبات المسائل الفرعية غير الجزائية فإن عليه أن يتبع قواعد الإثبات الخاصة بتلك المسائل.

    وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية بأنه “يجب في جريمة إساءة الائتمان إثبات عقد الأمانة أولاً بالوسائل المدنية، أما الجريمة نفسها والتصرف بالأمانة فيمكن إثباتها بكل أنواع الإثبات ” .

     2- بطلان عقد الائتمان:

    إن بطلان العقد لا يؤثر على وقوع جريمة إساءة الائتمان، لأن القانون لا يعاقب على الإخلال بتنفيذ العقد في ذاته وإنما يعاقب على الاعتداء على ملكية الشيء المسلم بمقتضى العقد، فإذا كان العقد باطلاً فلا يؤثر بطلانه على حق المجني عليه في ملكية الشيء المختلس أو المتصرف به.

    ويستوي أن يكون البطلان نسبياً أو مطلقاً.

     فبطلان عقد الإيجار أو الوكالة لنقص في أهلية المؤجر أو المستأجر أو الأصيل أو الوكيل، أو لعيب في إرادة أحدهما، لا يحول دون اعتبار التسليم منتجاً.

     وكذلك الشأن بالنسبة لبطلان العقد لعيب في شكله أو لعدم مشروعية سببه، فالتسليم الناشئ عن هذا أو ذاك يعتد به قانونا إذا كان حاصلا على سبيل الأمانة.

    وتطبيقا لذلك، فإن جريمة إساءة الائتمان تقوم في حق من سلمت إليه أموالا لاستغلالها في لعب قمار، أو ليشتري بها مخدرات لحساب مالكها، أو ليدفعها نيابة عن مالكها كرشوة لموظف، أو ليستأجر بها مسكنا يدار للدعارة، فاختلس المال لنفسه.

  • ماهو ركن المحل في جرم اساءة الأمانة؟

    محل إساءة الائتمان

    إن محل إساءة الائتمان هو مال سلم من المجني عليه إلى المدعى عليه بناء على أحد عقود الائتمان، كي يحفظه له أو يستعمله في وجه معين، ولكنه استولى عليه خيانة لهذه الثقة.

     

    يتضح من ذلك أن محل جريمة إساءة الائتمان لا بد أن يتوفر فيه شرطان:

    . أن يكون مالاً مادياً منقولا مملوكاً للغير.

    . أن يكون قد سلم للفاعل على سبيل الأمانة.

    والشرط الأول كما هو واضح، أغلبه، مشترك بين إساءة الائتمان والسرقة والاحتيال، باستثناء كون محل الاحتيال يشمل العقار إضافة للمنقول. أما الشرط الثاني فتنفرد به إساءة الائتمان.

    أولاً : کون محل إساءة الائتمان مالاً مادياً منقولاً مملوكاً للغير

    أشار نصي المادتين 656 و 657 إلى محل إساءة الائتمان بأنه سند يتضمن تعهدا أو إبراء أو أي شيء منقول آخر، أو مبلغ من المال أو أي شيء آخر من المثليات.

    – فيشترط في المحل الذي يقع عليه التسليم أن يكون شيئا له صفة المال.

    والمال هو كل شيء يصلح لأن يكون محلا لحق الملكية، بصرف النظر عن طبيعة حيازته مشروعة أو غير مشروعة.

     فإذا أودع شخص لدى أخر مواد مخدرة أو أسلحة غير مرخص بها، فتصرف بها الوديع، فهو يرتكب بذلك إساءة ائتمان.

     فعلى الرغم من عدم مشروعية حيازة صاحب هذه الأشياء، فهي صالحة محلا لحيازة مشروعة من قبل الدولة، بالتالي يتحقق بتصرف مستلم المال على سبيل الأمانة الاعتداء على الملكية الذي تفترضة.

    – ويشترط في المال محل التسليم أن يكون ماديا، لأن الشيء المادي هو الذي يقبل الحيازة والتسليم والاستيلاء، ويستوي بعد ذلك أن يكون صلباًة أو سائلا أو غازياً.

    نستخلص من ذلك أن الأشياء المعنوية، كالأفكار والأسرار والمخترعات، لا تصلح محلاً لإساءة الائتمان، إلا إذا أودعت في وعاء مادي كسند أو وثيقة أو مخطوط.

     وتطبيقاً لذلك من أؤتمن على اكتشاف أو اختراع فقام ببيعه لا يسأل عن إساءة ائتمان إلا إذا كان هذا الاكتشاف أو الاختراع قد صب في وثيقة أو سند، وتصرف المؤتمن بهذا السند، فإنه يعد مسيئا للائتمان، لأن السند له طابع مادي..

    – ويشترط أن يكون المال منقولاً.

    والمنقول بالمفهوم الجزائي هو كل شيء يمكن نقله من مكانه حتى ولو أدى إلى تلفه.

    فيدخل ضمن هذا المفهوم المنقول بطبيعته و العقار بالتخصيص والعقار بالاتصال.

    وليس اشتراط المنقول في محل جريمة إساءة الائتمان يعني أن هذه الجريمة لا يمكن تصورها بالنسبة للعقار.

    بل على العكس فإساءة الائتمان متصورة في العقارات كما هي في المنقولات.

     إلا أن المشرع خص هذا الجرم بالمنقول فقط لأنه قدر أن مالك العقار لا يحتاج إلى الحماية التي تقدمها عقوبة هذه الجريمة، باعتبار أنه يستطيع تتبع ماله الذي لا يمكن إخفاءه عنه، أما مالك المنقول فهو الذي يحتاج إلى هذه الحماية.

     وتطبيقاً لذلك فإن مستأجر المنزل الذي يرفض الخروج منه بعد انتهاء مدة عقد الإيجار، ويعرضه للبيع مدعية تملكه، لا يعتبر مرتكبا لجرم إساءة الائتمان.

     إلا أن الحكم يختلف فيما لو قام هذا الشخص بانتزاع أبواب المنزل أو نوافذه و باعها، فهذا يعتبر مرتكباً لجرم إساءة الائتمان.

    – ويشترط أخيرا أن يكون المال مملوكاً للغير.

     فعلة التجريم في إساءة الائتمان هي الاعتداء على مال الغير، ولا يعتبر الشخص كذلك إذا تصرف بماله.

     وتطبيقاً لذلك إذا تسلم الوكيل مالاً من الموكل كأتعاب له نظير الجهد الذي سيقوم به لمصلحته بموجب عقد الوكالة، فتصرف الوكيل بهذا المال دون أن يبذل أي جهد لصالح الموكل، فإنه لا يعتبر مسيئاً للائتمان، ذلك أن المال سلم إليه تسليماً ناقلاً للحيازة التامة، أي سلم له ليكون ملكاً له، وقد صار كذلك، وإن كان مشترطاً عند تسليم المال أن يقابله مجهوداً من الوكيل .

    – و عندما تتوفر في محل الجريمة صفة المال المادي المنقول المملوك للغير فإنه يصلح لأن يكون محلا للتسليم الذي تقوم به جريمة إساءة الائتمان مهما كانت قيمته ضئيلة أو كبيرة، مادية أم معنوية، مال قيمي أم مال مثلي.

    ويقصد بالأموال القيمية الأموال المعينة بالذات، والتي لا يقوم بعضها مقام بعض في الوفاء ولا تبرأ ذمة المدين بها إلا بردها عيناً أو بالذات.

    مثل قطعة مجوهرات ذات صفات معينة، أو حصان ذو مواصفات معينة مما يستعمل في السباقات الرياضية.

    أما الأموال المثلية فهي الأموال المعينة بنوعها، والتي يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء، وتبرأ  ذمة المدين بها إذا رد مثلها أو نوعها.

    ومثالها النقود والحبوب من صنف واحد.

    – وهنا نرى لزاماً علينا الإجابة على التساؤل الذي سبق وطرح في مقدمة هذا الباب، والمتعلق بالعلاقة بين نصي إساءة الائتمان.

    يرى بعض الفقه أن إساءة الائتمان لها صورتين:

     الصورة الأولى :

    نصت عليها المادة 656 وهي عندما يكون محل إساءة الائتمان مالا قيمية،

     أما الصورة الثانية

    التي نصت عليها المادة 657، فمحل إساءة الائتمان فيها المال المثلي.

     ويدعم هذا الرأي أن المادة 657 قد صرحت بأن محلها هو النقود أو أشياء أخرى من المثليات، مما يستفاد منه حصر نطاقها في المثليات، وبالتالي لا تطبق المادة 656 على إساءة الائتمان في شأن المثليات، ولا تطبق المادة 657 على إساءة الائتمان في شأن القيميات.

     ويرى اتجاه أخر في الفقه ، بحق، أن إساءة الائتمان لها صورتين نصت عليهما المادتان 656 و 657، و أن النص الأول هو النص الأصلي والعام و الشامل لجرم إساءة الائتمان، أما النص الثاني فيشير إلى صورة خاصة من إساءة الامانة اعتبرها المشرع أقل خطورة من الصورة العادية، ولذلك خصها بعقوبة أخف.

    وهذه الصورة تتعلق بالأشياء المثلية التي تسلم العمل معين”، أي على سبيل الوكالة أو المقاولة أو النقل أو الخدمات المجانية، باعتبار هذه العقود تفترض تسليم المال العمل معين.

     أما نص المادة 656 فيشمل محله الأموال القيمية والمثلية معا، عدا المثليات التي تسلم لعمل معين التي خصها المشرع بنص المادة 657.

     بناء على ذلك فإن تسليم مال مثلي بناء على عقد وديعة يدخل ضمن إطار المادة 656 باعتبار أن تسليم المال هنا ليس لعمل معين، وإنما لحفظه فقط.

    وهذا، في الحقيقة، ما يدعم الرأي القائل بأن نص المادة 656 لا يقتصر فقط على الأموال القيمية، بل يشمل أيضا الأشياء المثلية التي تسلم لأي غاية أخرى غير القيام بعمل معين. فلو سلمنا بالرأي المخالف القائل بأن المادة 656  تقتصر فقط على المال القيمي فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج غير مقبولة، تتمثل بأن من تسلم مثليات بناء على عقد أخر من العقود المذكورة في المادة 656، كالوديعة أو العارية أو الإيجار، سينجو من العقاب، لأن نص المادة 656 لا يطاله كون المال مثلي، ولا يطاله أيضا نص المادة 657 لأنه لم يسلم إليه لعمل معين.

    ثانياً : کون محل إساءة الائتمان قد سلم للفاعل على سبيل الأمانة

    لا تقع جريمة إساءة الائتمان إلا إذا كان المال قد سبق تسليمه للفاعل. وهذا الشرط نصت عليه صراحة المادة 656  بعبارة “سلم إليه”، والمادة 657 بعبارة تسلمت إليه”.

     فالتسليم المسبق للمال ضرورة القيام هذه الجريمة.

     إلا أن هذا  التسليم المسبق للمال لا يكفي لوحده بل لا بد أن يتم بناء على أحد العقود الائتمانية المحددة حصرا بالنصوص.

     فالمادة 656 تطلبت أن يتم التسليم على وجه الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو على سبيل العارية أو الرهن أو الإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة.

    أما المادة 657 فتطلبت أن يتم تسليم المثليات العمل معين”.

     لذلك لا بد من تحليل ماهية التسليم في إساءة الائتمان، ثم دراسة العقود الائتمانية المحددة بالنصوص.

     

    أولاً- ضرورة التسليم وشروطه:

    لا بد لقيام جريمة إساءة الائتمان من سبق تسليم المال المنقول إلى الفاعل.

    ولا يختلف التسليم من حيث طبيعته في جريمة إساءة الائتمان عنه في جريمة السرقة.

    فالتسليم يحصل على النحو الذي يتفق مع طبيعة الشيء، ولهذا فقد يكون حقيقياً، فعلياً أو رمزياً، وقد يكون حكمياً، والعبرة في القانون بذات التسليم لا بشكله.

     لهذا يستوي في إساءة  الائتمان أن يكون المال قد سلم للفاعل تسليماً حقيقياً أو حكمياً.

     ويتمثل التسليم الحقيقي في حركة مادية يتخلى بها الحائز عن المال ويخرجه من يده إلى يد الحائز الجديد.

     وقد يكون التخلي عن المال فعليا بتسليمه بذاته، أو رمزيا بتسليم ما يشير إليه وما يمكن من الاستيلاء عليه.

     ومن أمثلة التسليم الرمزي تسليم الحائز الجديد مفاتيح المخزن أو الصندوق الذي يحتوي على المال المنقول المراد تسليمه.

    أما التسليم الحكمي فلا يقتضي نقل المال ولا ما يدل عليه من موضعه، وإنما يتم بتغيير النية وحدها .

     ويمكن تصور التسليم الحكمي في حالتين:

    الأولى: حين يكون المال موجودة بين يدي مالكه ثم يتصرف فيه للغير تصرفاً ناقلا للملكية، كالبيع مثلا، ويبقيه بالاتفاق مع المشتري في يده باعتباره مستأجرا له أو مودعا لديه.

     والحالة الثانية: أن يكون التسليم لليد العارضة فقط ثم يتفق الطرفان على تحويل اليد العارضة إلى حيازة ناقصة.

    والمثال على ذلك حالة الضيف الذي يتناول كتاباً من مكتبة مضيفه ليطلع عليه فيعجبه فيطلب استعارته، فيوافقه.

    – ولا يشترط في التسليم المنتج لإساءة الائتمان أن يقع الشخص الفاعل، بل يعتد به أيضأ إذا وقع لوكيله أو نائبه أو من يمثله عموماً.

    بالتالي تقوم جريمة إساءة الائتمان في حق الشخص الذي تصرف بمال استلمه شخصياً أو استلمه عنه نائبه.

     فالزوجة التي تسلمت ما أرسل إلى زوجها على وجه الوديعة أو العارية، ثم قام الزوج بالتصرف بهذا المال، يعتبر مسيئاً للائتمان لأن ما تصرف به سلم إليه في شخص نائبه أو من يمثله.

    – ويشترط في التسليم المعتد به في إساءة الائتمان ثلاثة شروط:

     أن يكون ناقلا للحيازة الناقصة، وأن يصدر من ذي صفة، وأن يكون مصحوبة بحرية الاختيار والإرادة.

    1- کون التسليم ناقلاً للحيازة الناقصة :

    والتسليم المقصود هنا هو التسليم بناء على أحد العقود الائتمانية المحددة بالنص، تلك العقود التي تفترض أن يتم بها التسليم الناقل للحيازة الناقصة فقط على المال المسلم، والذي لا يمنح المؤتمن سوى بعض السلطات على الشيء الحساب المسالك.

    وبناء على ذلك تنتقي إساءة الائتمان إذا كان المال قد سلم على سبيل الحيازة التامة أو اليد العارضة.

    ففي البيع أو المقايضة يتم تسليم المال على سبيل الحيازة التامة، أي على سبيل نقل الملكية إلى المستلم، فلا تقع الجريمة إذا تصرف المستلم بالمال، لأنه تصرف بما يملك.

    أما تسليم المال على سبيل اليد العارضة فلا يعطي للمستلم أكثر من اتصال مادي بحت على المال، فإذا تصرف بها فلا يعد سيئا للائتمان بل سارقا، لأن تسليم اليد العارضة لا ينفي الأخذ في السرقة.

    ومثاله الضيف والخادم والحمال، فإذا استولى أي من هؤلاء على مابين يديه فهو سارق وليس مسيء للائتمان، لأنه لم يؤتمن على ما  تسلمه.

    2- صدور التسليم من ذي صفة:

    يجب أن يتم التسليم ممن له صفة على المال .

     وهذه الصفة تكون لمن يحوز المال حيازة تامة أو ناقصة.

     والأصل أن يقع التسليم من مالك المال، وهذا التسليم لا يثور بشأنه أي خلاف.

     إلا أن التسليم قد يقع أيضا من سارق المال، فالسارق يحوز المال حيازة تامة، فإذا أودعه لدى أخر أو أعاره إليه أو أجره له، فتصرف هذا الشخص بالمال، يعتبر مسيئا للائتمان.

     وحائز المال حيازة ناقصة يعتبر ذا صفة في التسليم.

     فالمستأجر للمال الذي أعاره لشخص آخر أو أودعه لديه، فتصرف به الأخير، يعتبر مسيئاً للائتمان.

    أما إذا وقع التسليم من شخص ليس بذي صفة على المال، فإن تسليمه لا يعتد به قانوناً.

    كما هو الشأن بالتسليم الصادر من صاحب اليد العارضة، كالضيف والخادم والحمال.

    وكما رأينا سابقاً فهذا التسليم لا ينفي الأخذ في جريمة السرقة، وبالتالي من يستلم مالا من صاحب اليد العارضة فيتصرف به يعتبر سارقا له وليس مسيئا اللائتمان .

    وقد لا يتم التسليم من حائز المال حيازة تامة أو ناقصة، بل يتم بناء على أمر قضائي أو حكم القانون، كما هو الحال بالنسبة لاستلام الولي والوصي والقيم والحارس القضائي.

    ولا يختلف الحكم بالنسبة لهؤلاء عن حكم من تسلم المال من المالك أو الحائز.

    ولهذا يعد كل منهم مسيئا للائتمان إذا تصرف بالمال الذي تسلمه بموجب إحدى هذه الصفات.

    3- صدور التسليم عن اختيار وارادة:

    يجب أن يكون التسليم في إساءة الائتمان صادر عن شخص ذي صفة باختياره وبإرادته الحرة حتى يعتد بتسليمه قانوناً .

     فمن يتسلم مالاُ من مجنون أو مكره ثم يتصرف به يعتبر سارقاً له وليس مسيئا للائتمان.

     بيد أن هذه القاعدة غير مطلقة، فالإرادة المعيبة لنقص الأهلية، دون انعدامها، قد تنقل الحيازة وتمهد لارتكاب إساءة الائتمان.

     ويعتد بالتسليم الصادر عن شخص بإرادته الحرة المميزة حتى ولو تم التسليم نتيجة غلط من المسلم، في قيمة المال أو كميته أو في شخص المستلم، أو تم التسليم نتيجة غش وخداع من المستلم، لأن إرادة المسلم، بغض النظر عما شابها من عيب، قد اتجهت فعلا إلى التسليم.

     وقد سبق لنا شرح هذه الفكرة عند دراسة أحكام السرقة، وقلنا أن من يتسلم مالاً منقولاً نتيجة غلط وقع به المسلم، فتصرف به، يعتبر مرتكبا للجرم الوارد في المادة 659 من قانون

     

    العقوبات، وهو جرم ملحق بإساءة الائتمان. أما من تسلم مالاً منقولا بخداعه للمسلم، وتصرف به، فيعتبر مرتكب الجرم الاحتيال إذا توافرت بقية أركان الاحتيال.

    ثانياً – أن يتم التسليم بناء على أحد العقود المحددة قانوناً.

    يجب في التسليم المعتد به في إساءة الائتمان أن يكون مصدره عقدا من عقود الأمانة التي نص عليها المشرع على سبيل الحصر .

     وهي كما جاءت في المادة 656 ” الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو العارية أو الرهن أو لإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة “.

    أما المادة 657 فتطلبت أن يكون تسليم المثليات” لعمل معين .

    فإذا لم يكن العقد الذي حصل التسليم بمقتضاه من هذه العقود، كعقد البيع و عقد القرض وعقد الشركة مثلا، أو كان التسليم لم يحصل أصلا بناء على عقد، فإن التصرف بالمال لا يعد إساءة ائتمان.

     وعبارة “لإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة” الواردة في المادة 656 تشير إلى ثلاثة عقود يتسلم بها المدعى عليه المال للقيام بعمل معين وهي المقاولة والنقل وعقد الخدمات المجانية. أما تسليم المثليات في المادة 657 ” لعمل معين ” فتشير إلى ذات العقود الثلاثة السابقة إضافة لعقد الوكالة، لأن هذه العقود تفترض تسليم المال العمل معين.

  • اساءة الأمانة في عقود الوديعة

    الوديعة عقد يلتزم به شخص أن يتسلم شيئاً من أخر على أن يتولى حفظ هذا الشيء وعلى أن يرده عينة (المادة 684 من القانون المدني).

    وكما أسلفنا فإن مناط العقاب هنا ليس الإخلال بالتزامات المودع لديه، وإنما هو الاعتداء على ملكية الشيء محل الوديعة.

    بالتالي لا عقاب على الإهمال في حفظ الوديعة ولو ترتب عليه هلاكها، ولا على استعمال الوديعة بغير إذن مالكها، ولا مجرد التأخير في ردها ما دام المودع لديه لا ينكر ملكية المودع للوديعة.

    ويتضح من التعريف

    الذي أوردناه أنه لا بد لقيام الوديعة من توافر شرطين:

    1- تسليم مال منقول إلى أخر.

     فلا وديعة إذا لم يكن هناك تسليم للمال من المودع إلى المودع لديه. ويستوي أن يكون التسليم حقيقياً أو أن يكون حكمياً.

     ومن أمثلة التسليم الحكمي بقاء الشيء المباع لدى البائع على سبيل الوديعة بعد أن انتقلت ملكيته إلى المشتري .

    فإذا اختلس البائع هذا الشيء قامت في حقه جريمة إساءة الائتمان.

    كما يستوي أن يحصل التسليم من المودع إلى المودع لديه مباشرة، وهذا هو الأصل، أو أن يحصل التسليم بطريقة غير مباشرة.

     ومن أمثلة التسليم غير المباشر حالة وارث المودع لديه. فالوارث يكون مسئولاً عن الوديعة التي تسلمها المورث، فإذا اختلسها وهو يعلم بحقيقتها قامت في حقه جريمة إساءة الائتمان .

     

    2- يشترط أن يكون تسليم الوديعة بقصد حفظها وردها بذاتها،

     أي أن يكون تسليم الوديعة مقتصراً على نقل الحيازة الناقصة، أما إذا لم يكن استلام الشيء بقصد حفظه، أو لم يكن الاتفاق منصباً على رد الشيء بذاته فلا يعد اختلاسه إساءة ائتمان .

     فيعد سارقاً لا مسيئاً للأمانة من تسلم مالاً من الغير بقصد معاينته وتقدير قيمته ورده في الحال ففر هارباً به.

    ولا جريمة أيضا إذا كان التسليم ناقلا للحيازة التامة، إلا إذا كان هذا التسليم نتيجة غش وخداع فيعتبر الفعل احتيالاً إذا توافرت سائر أركانه.

    والأصل في محل الوديعة أن يكون مالا قيمياً، لأن المال القيمي هو الذي يفترض أن يرد بالذات .

    ومع هذا فمن الممكن أن تتحقق الوديعة بالنسبة لمال مثلي، كالغلال والنقود، إذا اتفق الطرفان أن يسترد المودع هذا المال بذاته.

     إذن فالوديعة التي تكون محلا للحماية الجزائية هي الوديعة التي يلتزم فيها المودع لديه بالرد عينا، سواء أكان المال قيمية أم كان مثلية.

    وبناء عليه لا يعتبر مرتكبا لجريمة إساءة الائتمان المودع لديه إذا كان ملتزماً برد مقابل المال المودع لديه كماً ونوعاً، دون رده بذاته أو بعينه، لأن التسليم في هذه الحالة قد اقترن بنية نقل الحيازة التامة وليس الناقصة، أي اقترن بالسماح للمودع لديه أن يتصرف بالشيء محل الوديعة ثم رد قيمته أو مثله دون الالتزام برده عيناً.

     وتطبيقا لذلك لا يعد مسيئا للائتمان مدير البنك الذي يتصرف في النقود المودعة في البنك والتي يتقاضى عليها المودعون فائدة معينة نظير انتفاع البنك بها ، أو المدين الذي يلزمه دائنه بالتوقيع على سند أمانة باعتبار أن المال لديه على سبيل الوديعة.

    ففي هذه الحالات تم تسليم المال تسليما ناقلا للحيازة التامة وليس الناقصة، ويكيف العقد على حقيقته بأنه قرض أو عارية استهلاك وليس وديعة.

     ويستوي أخيرة أن تكون الوديعة تعاقدية أو قانونية أو قضائية.

    فكما سبق و أشرنا إلى أن الحصر التشريعي للعقود الائتمانية يتسع لبعض المراكز الائتمانية غير التعاقدية، فتقوم جريمة إساءة الائتمان فيها بالرغم من عدم وجود عقد من الناحية القانونية.

     وأبرز أمثلة لهذه المراكز تتمثل في حالتي الوديعة والوكالة. فالوديعة كما تكون تعاقدية قد تكون قانونية أو قضائية.

     ومن أمثلة الوديعة القانونية حالة الوريث الذي يتسلم شيئاً مودعة لدى مورثه، وهو يعلم بكونه وديعة، فهذا الشيء يعتبر لديه على سبيل الأمانة، فإذا تصرف به يعتبر مسيئاً للائتمان.

     ومن أمثلة الوديعة القضائية، حالة الحارس القضائي على المال المحجوز عليه، والمسلم له كشخص ثالث، فالمال يكون لديه وديعة، فإذا اختلسه أو تصرف به قام في حقه جرم إساءة الائتمان.

  • إساءة الأمانة في عقود المقاولة والنقل والخدمات المجانية

    تستخلص هذه العقود الثلاثة من العبارة التي أوردها المشرع في المادة 656 بقوله أن الشيء قد سلم “لإجراء عمل القاء أجرة أو بدون أجرة، كما تستخلص أيضاً من العبارة الواردة في المادة 657، بقوله أن الشيء المثلي أو النقود قد سلم العمل معين”.

     فالمقاول والناقل ومن تعهد بخدمة مجانية يتسلمون شيئاً مملوكاً لغيرهم لكي يقوموا حياله بعمل معين، فإذا استغل أحدهم وجود الشيء في حيازته فاستولى عليه قام في حقه جرم إساءة الائتمان.

     والمقاولة أو إجارة الصناعة هي عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئاً، أو أن يؤدي عملاً لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الأخر (المادة 612 من القانون المدني).

    أما عقد النقل فهو صورة من صور عقد المقاولة يتميز عن سائر صوره بنوع الخدمة التي يتعهد الناقل بتقديمها، والتي تتمثل بتأمين انتقال شخص أو شيء من موضع إلى أخر .

     أما عقد الخدمات المجانية فهو لا يختلف بشيء عن عقد المقاولة سوى بغياب البدل أو الأجر. فبهذا العقد يقوم أحد طرفيه بعمل أو خدمة لصالح الطرف الأخر دون أن يتقاضى أجراً مقابله  وبهذه العقود الثلاثة يستلم أحد الطرفين من الأخر شيئا على سبيل الحيازة الناقصة، فإذا حول حيازته لهذا الشيء إلى حيازة تامة قامت بحقه جريمة إساءة الائتمان.

     فالطحان الذي يتسلم غلالاً لطحنها، والخياط الذي يتسلم قماشاً اليخيطه ثوباً، والنجار الذي يتسلم خشباً ليصنعه أثاثاً، إذا اختلس هؤلاء ما سلم إليهم، تقوم في حقهم جريمة إساءة الائتمان.

    ويسأل أيضاً عن إساءة الائتمان الناقل الذي يتسلم طردا لنقله إلى مكان معين، فيستولي عليه. كما يسأل عن هذه الجريمة الصديق الذي يتطوع لإصلاح شيء لصديقه أو لتصنيعه أو لنقله إلى شخص أخر إذا اختلس ما سلم إليه.

    ومن المسلم به أن الشرط الأساسي لارتكاب إساءة الائتمان في هذه العقود هو أن تكون الأشياء قد سلمت على سبيل الحيازة الناقصة، أي من أجل القيام بالعمل ثم ردها عيناً، سواء في صورتها الأصلية أو بعد أن يدخل التعديل عليها.

     وتطبيقاً لذلك إذا تسلم النجار أخشابا ليصنع منها أثاثاً، وتسلم معها مبلغاً من النقود كأجر معجل له، وإذا تسلم الخياط قطعة قماش ليخيطها بنطالاً، وتسلم معها مبلغاً من النقود كأجر معجل.

    فإساءة الائتمان تقوم في حق النجار والخياط إذا لم يرد الأخشاب أو قطعة القماش بعينها، لأن عقد المقاولة يلزمه بردها، إما مصنعة أثاثاً أو بنطالاً، وإما بذاتها دون تصنيع.

     أما إذا رد الأخشاب أو قطعة القماش دون تصنيع ولم يرد المبلغ الذي تسلمه، فلا تقوم الجريمة في حقه، لأن النقود سلمت إليه تسليما ناقلاً للحيازة التامة، أي لتصبح ملكاً له باعتبارها أجرة معجلة، ولا يغير من صفتها هذه أن يكون الغرض من تسليمها إنفاقها في غرض معين ، كأن يكون النجار أو الخياط قد استلم المبلغ ليكون له أجرأ معجلاً وليتمكن من شراء بعض المواد التي تدخل في صناعة الأثاث أو الخياطة، كالطلاء أو المسامير أو نوع معين من الخيوط وما إلى ذلك.

     وغني عن البيان أن إساءة الائتمان لا تقوم بحق من يخل بأي التزام أخر من الالتزامات التي تولدها هذه العقود الثلاثة، ولكن تقوم في حق من يخل بالتزام الرد عيناً أو مثلا، فلا يكفي في قيامها إهمال المستلم أو تقصيره في المحافظة على الشيء ولو أدى لهلاکه.

    فما دام لا ينكر ملكية المسلم للشيء، وذلك بالاستيلاء عليه أو اختلاسه، فلا جريمة

1