الكاتب: rami

  • أنواع الخطأ في جريمة القتل والايذاء غير المقصود

    أنواع الخطأ

    أولاً – وحدة الخطأ الجزائي والخطأ المدني.

    تنص المادة 164 من القانون المدني بأن:

    كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض”.

     والخطأ في القانون المدني أيا كانت درجة جسامته كاف لنشوء المسئولية التقصيرية ( غير العقدية ).

    أما الخطأ في القانون الجزائي فلقد حدده المشرع حصرا في ثلاث صور: الإهمال – قلة الاحتراز – عدم مراعاة القوانين والأنظمة.

    والمسألة التي تثار هنا:

    هل يعتمد في نطاق المسئولية الجزائية ذات القاعدة المطبقة في القانون المدني بالنسبة للمسئولية المدنية، معتبرين الفاعل مسئولا عن القتل أو الإيذاء لمجرد ارتكابه خطأ، أم يشترط أن يكون الخطأ الجزائي على درجة معينة من الجسامة؟

    في الحقيقة أن الخطأ الجزائي لا يختلف عن الخطأ المدني، وأي خطأ يرتب المسئولية المدنية يرتب في نفس الوقت المسئولية الجزائية.

     وليس في التشريع السوري ما يشير صراحة أو ضمنا إلى استلزام درجة معينة من الخطأ.

     وصور الخطأ الواردة في قانون العقوبات، وإن كان ظاهرها فيه معنى الحصر والتخصيص، فهي بالواقع تتسع لتشمل كل خطأ أيا كانت صورته وأيا كانت درجته.

    وقانون العقوبات لا يعلق العقاب على درجة جسامة الخطأ وإنما على حصول نتيجة معينة يرى فيها من الجسامة ما يستدعي تجريمها .

     و الفرق بين القانون المدني وقانون العقوبات منحصر في أن القانون المدني يعتبر الضرر أيا كانت صورته، أما قانون العقوبات فلا يهتم إلا بأنواع معينة من النتائج الضارة غير المقصودة أوردها على سبيل الحصر، أي الجرائم التي يعاقب عليها بصورتها غير المقصودة.

     أما الخطأ فلا يتغير في المسئوليتين الجزائية والمدنية، لذا يجب أن يعاقب على الخطأ مهما كانت درجته ومهما خفت جسامته.

    وتجدر الإشارة إلى أنه إذا لم يكن لدرجة الخطأ من اعتبار في قيام المسئولية عن الجريمة غير المقصودة فإن لها قيمتها عند تقدير العقوبة.فالقاضي في حدود سلطته التقديرية في مراوحة العقوبة بين حديها الأدنى والأعلى أن يدخل درجة الخطأ في حسابه، فيعاقب مثلا على الخطأ الواعي بأشد مما يعاقب به على الخطأ غير الواعية.

    ثانياً- الخطأ الشخصي والخطأ المفترض

    إن السؤال الذي يثار هنا يتمثل بالشكل التالي:

    مادام هناك وحدة بين الخطة الجزائي و الخطأ المدني فهل يعني ذلك بالضرورة أنه إذا حكم بالبراءة في الدعوى الجزائية لانتفاء الخطأ الجزائي تنتفي بالتالي إمكانية الحكم للمتضرر بالتعويض لانتفاء الخطأ المدني؟

    إن الإجابة على ذلك تقتضي التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المفترض في مجال المسئولية المدنية.

     فالتسوية بين المسئولية الجزائية والمسئولية المدنية لا تكون إلا في صورة الخطأ الشخصي، والقانون الجزائي لا يرتب المسئولية الجزائية إلا على أساس الخطأ الشخصي، ولا يسأل الإنسان عن عمله ما لم يثبت عليه ارتكاب خطأ شخصي.

     ففي هذه الحالة يستوي الخطأ الجزائي والخطأ المدني، فإذا حكمت المحكمة ببراءة المدعى عليه، ولم يثبت عليه خطأ شخصية، انتفت إمكانية الحكم عليه بالتعويض المتضرر.

    بيد أن المسئولية في الحقوق المدنية لا تبنى فقط على أساس الخطأ الشخصي، بل تبني أيضا على أساس الخطأ المفترض.

     وهي المسئولية الملقاة على عاتق حارس الحيوانات أو الجوامد، کالأبنية والآلات الميكانيكية وسائر الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة، بالتعويض عما يحدثه الحيوان أو تحدثه هذه الأشياء أو ما ينشأ عن انهدام البناء من أضرار.

     فالمسئولية المدنية هنا مفترضة قانوناً ولا يستطيع الشخص التخلص منها إلا إذا استطاع إثبات أن الحادث أو الضرر قد وقع لسبب أجنبي لا يد له فيه.

    إذن عندما يفترض القانون المدني الخطأ فلا مجال للقول بوحدة الخطأ الجزائي والمدني، لأن القانون الجزائي ليس فيه خطأ مفترض، ولا تبنى المسئولية الجزائية إلا على أساس الخطأ الشخصي.

     بالنتيجة نستخلص أنه في الحالات التي يفترض القانون المدني الخطأ لا يكون هناك تناقض بين الحكم الجزائي بالبراءة والحكم المدني بالتعويض استنادا على المسئولية المفترضة.

     والعلة في ذلك أن أساس الحكمين يختلف، فبينما لا يجد القاضي الجزائي خطأ شخصية ليحكم بالتعويض، يجد القاضي المدني خطأ مفترضا لم يثبت المدعى عليه عكسه.

    وقد قلنا القاضي المدني لأن المحاكم الجزائية لا تختص بنظر دعوى التعويض عندئذ، إذ هي لا تختص إلا بنظر الدعوى المدنية المتفرعة عن الجريمة.

    وتطبيقاً لذلك يمكن صدور حكم ببراءة صاحب السيارة لانتفاء الخطأ لديه، ثم يقضى عليه بتعويض مدني استنادا للمادة 179 من القانون المدني، وهي المادة التي تجعل حارس الألة مسئولا عما تحدثه من ضرر ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان لسبب أجنبي لا يد له فيه.

    ثالثاً- الخطأ العادي والخطأ المهني

    إن الخطأ العادي هو الخطأ العام الذي يرجع إلى مخالفة واجب الحيطة والحذر في الأمور المتعلقة بجميع الناس.

    أما الخطأ المهني فهو الذي يرتكبه من يزاول مهنة من المهن، کالأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين.

     هناك اتجاه فقهي وتشريعي يعول على التمييز، في معرض الخطأ المهني، بين الخطأ اليسير والخطأ الجسيم. بتقرير المسئولية في الأخير وانتفاءها في الأول.

    وغالبا ما يطرح هذا الموضوع في شأن مسئولية الأطباء، حيث يرى هذا الاتجاه أن الطبيب يسأل جزائيا عند ارتكابه خطأ مهني جسیما يؤدي إلى وفاة المريض أو إيذائه.

    أما إذا كان هذا الخطأ يسيرة، أي قليل الأهمية والضرر، فتنتفي مسئولية الطبيب.

     وحجة هذا الاتجاه هي ضرورة إعطاء الأطباء حرية في عملهم ومنحهم طمأنينة وضمانة تكفل لهم متابعة المكتشفات الحديثة والاستفادة منها، وعدم مساءلتهم عن الأخطاء إذا كانت بسيطة حتى لا تضعف همتهم، ولا تقعدهم الخشية من المسئولية عن متابعة تطورات البحث العلمي.

    أما معيار الخطأ الجسيم فهو غير محدد، ويمكننا القول بأنه الخطأ غير المعتاد الناتج عن الجهل الفاضح أو التهور الزايد أو القيام بالعمل في حالة المرض أو في حالة السكر.

    ومثالها أن يجري الطبيب عملا جراحية دقيقة وهو في حالة سكر.

     إلا أن الاتجاه الغالب اليوم تشريعا وقضاء وفقه يقوم على أساس عدم التفرقة بين الخطأ اليسير والخطأ الجسيم، و اعتبار أن مسئولية الأطباء تخضع للقواعد العامة، فتبنى على أي خطأ مهما كان نوعه، سواء كان خطأ مهنيا أم غير مهني، جسيمة أم يسيرا، فلا ينبغي أن يتمتع الطبيب بأي استثناء ، فبمجرد أن تتوفر في سلوكه عناصر الخطأ يعتبر مسئولا عن النتيجة الحاصلة، ووجود الخطأ يعود تقديره للقضاء مستعينا برأي الخبرة المختصة.

    رابعاً- مساهمة أكثر من شخص في الخطأ

    عندما تقع الوفاة أو الإيذاء نتيجة خطأ الفاعل وحده، تتشكل لدينا الصورة العادية لجريمة القتل والإيذاء خطأ، ويعتبر المخطئ هنا فاعلا للجريمة، ويسأل عن النتيجة الحاصلة من موت أو إيذاء.

    إلا أن الوفاة أو الإيذاء قد ينشأ أحيانا نتيجة عدة أخطاء يرتكبها أكثر من شخص، وقد يشارك المجني عليه أيضأ بخطئه في حصول النتيجة الجرمية.

     ففي هذه الفرضيات يثور التساؤل عن مسئولية هؤلاء الأشخاص.

    فبفرض أنك أعرت سيارتك إلى صديقك وأنت تعلم عدم حيازته لرخصة قيادة، أو ضعف بصره الشديد، فيصدم الصديق أحد الأشخاص فيقتله أو يؤذيه.

     فتكون أنت وصديقك مسئولان كفاعل وشريك عن جريمة القتل أو الإيذاء الخطأ، لأن كل منكما قد شارك بخطئه في حصول النتيجة الضارة.

     ولا يمكن القول أن خطأ الصديق ينفي المسئولية عن خطأك ، فكل منكما ساهم بخطئه في ارتكاب الجريمة.

     وبفرض أن الوفاة قد نتجت عن سلوك شخص عديم الأهلية، ولكن نتيجة خطأ ارتكبه شخص أهل للمسئولية، فلا عبرة بتاتا هذا الكون القاتل مجنونة أو طفلا غير مميز، ويبقى الشخص الأخر مسئولاً كفاعل أو شريك لجرم القتل الخطأ، ما دام قد ثبت أنه ارتكب خطأ أدى بالنتيجة لحصول الوفاة.

    والمثال على هذه الفرضية يتمثل بترك رب الأسرة لسلاحه في مكان مكشوف، دون أن يحتاط ويخفيه، فيجده ابنه الصغير ويعبث به فتنطلق منه رصاصة قائلة تصيبه أو تصيب أحد أفراد الأسرة.

    أو تسليمه سلاحه لطفله ليعبث به ظانا أنه فارغ من الطاقات في حين أنه نسي إفراغ الرصاصة الأخيرة من مخزن المسدس فتنطلق هذه الرصاصة وتقتل أحدهم.

     فالأب في الحالتين يعتبر مسئولاً عن قتل غير مقصود نتيجة لخطأه، ولو لم يكن لنشاطه صلة مادية مباشرة بالنتيجة الضارة، ما دام إهماله في إخفاء السلاح أو تسليمه لطفله هو الذي أدى بالنتيجة لاستعمال السلاح من قبل الطفل وحصول الوفاة.

    – والمسألة التي تثار في هذا الصدد تتعلق بقواعد المساهمة الجرمية.

     فلقد رأينا أن مفهوم الخطأ في القتل والإيذاء لا يتناول فقط الفاعل المادي للجريمة غير المقصودة، بل يشمل إضافة إليه أشخاص لم يقوموا بتلك الأفعال المادية، بل ارتكبوا أخطاء ساهمت بشكل غير مباشر في حصول الوفاة أو الإيذاء. واستنادا لذلك أمكننا اعتبار مرتكب الفعل المادي والمساهم المخطئ بمثابة فاعلين وشركاء في الجريمة.

    وهناك اتجاه فقهي حاول التمييز، بهذا الصدد، استنادا إلى طبيعة الدور الذي قام به الشخص المخطئ ليصل بالنتيجة إلى القول بإمكانية وجود متدخل في الجرائم غير المقصودة إذا كان الدور الذي قام به هذا الشخص ثانويا.

     وهناك اتجاه فقهي أخر، وهو ما نؤيده، يرى عدم إمكانية تصور التدخل في الجرائم غير المقصودة لأن طبيعة هذه الجرائم لا تسمح بوجود تدخل فيها.

    فالتدخل في جريمة يتطلب توافر قصد مساعدة الفاعل على تنفيذ الجريمة، والقصد الجرمي يعتبر ركنا من أركان التدخل.

    ولما كان القصد الجرمي منتفية في الجريمة غير المقصودة، فهو منعدم بالنسبة للفاعل الأصلي، فلا يتصور توافرة، تبعا لذلك لدى المتدخل.

     فإما أن يثبت أن الشخص ساهم بخطئه في إحداث الموت أو الإيذاء، عندئذ يعتبر فاعلا أو شريكاً لا متدخلا، مهما كان الدور الذي قام به رئيسيا أم ثانوية.

     وإما أن لا يثبت أنه قام بما يمكن اعتباره مساهمة في الخطأ المفضي إلى الموت أو الإيذاء، و عندئذ لا يغدو فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً، وتنعدم مسئوليته استنادا لذلك.

    من هنا يمكننا القول أن كل مساهمة في خطأ ينشأ عنه موت أو إيذاء يعتبر المساهم بموجبه فاعلاً أو شريكاً وليس متدخلاً.

    ولا وجه للتمييز بين الدور الذي قام به المخطئ رئيسياً كان أم ثانوياً.

    فما دام خطأه قد ساهم بإزهاق الروح أو الإيذاء فهو يعتبر فاعلاً أو شريكاً لا متدخلاً.

    – وقد يساهم المجني عليه في الخطأ فتقع الوفاة أو الإيذاء نتيجة تضافر خطأه مع خطأ الفاعل. والقاعدة في ذلك أنه لا مقاصة بين الأخطاء في التشريع الجزائي، ويظل كل خطأ مستقلاً عن الأخر، ويبقى الفاعل مسئولا عن النتيجة مهما بلغت ضألة نسبة الخطأ لديه.

    فسائق السيارة الذي يقود سيارته بسرعة عادية ويصدم شخصا خالف نظام السير بقطع الطريق من مكان غير مخصص للمشاة فيقتله، يعتبر مسئولا عن قتله إذا توافرت في فعله عناصر الخطأ، لأن من واجبه تفادي المشاة حتى ولو خالفوا نظام السير.

     وبالرغم من أن خطأ المجني عليه لا يخلي الفاعل من المسئولية الجزائية فهو يكون محل اعتبار عند تقدير العقوبة والتعويض، فكلما كانت نسبة خطأ المجني عليه كبيرة كان القاضي أن يخفف عقاب الفاعل والتعويض المدني الذي يفرضه عليه.

     إلا أنه إذا كان المجني عليه قد تسبب بخطئه وحده في حصول النتيجة، ولم يثبت على الفاعل أي خطأ فلا مسئولية جزائية عليه.

    – وقد تقع الوفاة أو الإيذاء نتيجة لخطأ شخصين،

    بحيث يصيب كل منهما الآخر. والقاعدة في ذلك أنه يجب التمييز بين المسئولية المدنية والمسئولية الجزائية.

    أما المسئولية المدنية فتوزع بينهما استنادا لنسبة خطأ كل منهما.

    فعند وقوع تصادم بين سيارتين، مؤدية لإيذاء كلا السائقين، وحدد خطأ الأول بثمانين بالمائة والثاني بعشرين بالمائة، ينظر القاضي عند تحديد التعويض إلى هذه النسبة ويفرض تعويضا على صاحب النسبة الأعلى أكثر من صاحب النسبة الأدني.

    أما المسئولية الجزائية فهي لا توزع كونها لا تقبل التجزئة، فيبقى كل منهما مسئولا جزائيا عن إصابة الأخر ويلاحق استنادا إلى خطورة الإصابة اللاحقة بالأخر وليس استنادا إلى نسبة الخطأ الذي ارتكبه كل منهما.

     ففي المثال السابق عن تصادم السيارتين، إذا أدى التصادم إلى إصابة السائق الأول بالعمى، أما السائق الأخر فكانت إصابته خفيفة ولم تؤدي إلى أبي تعطيل عن العمل، إلا أن الخبرة حددت نسبة خطأ الأول بثمانين بالمائة ونسبة خطأ الثاني بعشرين بالمائة فقط.

     فيخضع الأول إلى الوصف القانوني الأخف حسب الفقرة الثانية من المادة 551 رغم تحمله النسبة الأعلى من المسئولية عن حادث التصادم، في حين يتحمل الأخر الوصف الأشد حسب الفقرة الأولى من المادة 551 رغم محدودية وضالة مسئوليته عن الحادث.

    إلا أنه بالرغم من وجوب تمسك القاضي بالوصف القانوني المترتب على خطورة الإصابة اللاحقة بالشخص الأخر بالرغم من نسبة خطأه الكبير في التسبب بالحادث، إلا أن ذلك يؤخذ عملية بعين الاعتبار عند تحديد العقوبة بين حديها الأدنى والأعلى، أو عند منح الفاعل الأسباب المخففة التقديرية أو وقف التنفيذ.

    وتجدر الملاحظة أن مسألة اشتراك الفاعل في المسئولية مع المجني عليه نفسه أو مع الغير تفترض مساهمة خطأ المتضرر أو الغير مع خطأ الفاعل في إحداث النتيجة.

     أما إذا انعدم الخطأ من قبل الفاعل، وأمكن نسبة المسئولية بأكملها إلى خطأ المجني عليه أو الغير، فهذا تنتفي مسئولية الفاعل الجزائية والمدنية معاً، وتتعذر ملاحقته إلا فيما يتعلق بالمسئولية المدنية المفترضة كما سبق و أسلفنا.

  • الخطأ في جريمة القتل والايذاء غير المقصود

    أولاً : تعريف الخطأ:

    يعتبر الإنسان مخطئاً، بالمعنى القانوني، عندما لا يتخذ في سلوكه الاحتياط الكافي الذي يجب على الشخص العادي الحريص اتخاذه لمنع ما يترتب على سلوكه من ضرر للغير.

    ولقد حدد المشرع السوري صور ومفهوم الخطأ وعناصره في المادتين 189 و 190 من قانون العقوبات.

    فالمادة 189 عددت صور الخطأ كما يلي يكون الخطأ إذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الشرائع والأنظمة”.

    أما المادة 190 فلقد حددت ماهية الخطأ وعناصره ومتى تكون الجريمة غير مقصودة، كما يلي

    “تكون الجريمة غير مقصودة سواء لم يتوقع الفاعل نتيجة فعله أو عدم فعله المخطئين، وكان في استطاعته أو من واجبه أن يتوقعها، وسواء توقعها فحسب أن بإمكانه اجتنابها”.

    ثانياً- عناصر الخطأ:

    يقوم الخطأ استنادا للنص التشريعي الوارد في المادة 190 على عنصرين أساسيين :

    1- الإخلال بواجب الحيطة والحذر المعتادین.

    2- عدم توقع الفاعل نتيجة فعله أو عدم فعله المخطئين على الرغم من أنه كان بإمكانه أن يتوقعها، أو أنه توقعها وحسب أن بإمكانه أن يتجنبها.

    فالعنصر الأول يتمثل بإخلال الشخص بالواجب العام الملقى على عاتق كل إنسان أن يتوخى في سلوكه الحيطة والحذر کي لا يضر بالأخرين.

    فسائق السيارة عليه أن لا يسرع كي لا يصدم أحدا، ومن يحفر حفرة أمام داره عليه أن يضع عليها إشارة تنبه الأخرين کي لا يقعوا بها.

    فالسرعة من السائق وعدم وضع تتبيه للمارة على الحفرة هو إخلال بواجب الحيطة والحذر المطلوب من كل إنسان.

    ومعيار الحيطة والحذر يستند على أساس موضوعي لا شخصي.

    فليس المقصود منه الفاعل ذاته في سلوكه المعتاد، وإنما المقصود هو سلوك الشخص العادي، أي الشخص المجرد الذي يمثل جمهور الناس، الذي يتبع في تصرفاته القدر الكافي و المألوف من الحيطة، والذي يظل مقبولا من جميع الناس وصالحة للتطبيق في جميع الحالات.

    إلا أن هذا الأساس، أي سلوك الرجل العادي، ليس مطلقاً، وإنما يجب عند تقدير هذا السلوك أن يوضع الرجل العادي في ظل الظروف نفسها التي أحاطت بالمدعى عليه، سواء أكانت ظروف متعلقة بالزمان أو المكان أو بحالة المدعى عليه الجسدية أو النفسية كالمرض أو الخوف أو العمر، لكي يمكن الحكم على سلوكه.

    فالحيطة أو الحذر المطلوب من الإنسان المكتمل الإدراك يفوق ما هو مطلوب من الإنسان المسن أو الفتى المراهق.

    وقيادة سيارة في شارع مزدحم يقتضي حيطة وحذرا يفوق ما هو مطلوب عند قيادة هذا السيارة في شارع فارغ أو فرعي أو طريق سفر .

     فإذا قام الشخص بقيادة سيارته بسرعة في شارع مزدحم وصدم شخصاً فهو مسئول عن خطأ ارتكبه لأنه أخل بواجب الحيطة والحذر المطلوب من الشخص العادي و هو التسهل في هكذا ظروف.

    أما العنصر الثاني، فيتمثل بقيام علاقة نفسية بين الفاعل والنتيجة الجرمية المترتبة على فعله. فوجود الخطأ وبالتالي ترتب المسئولية مرتبط بهذه العلاقة وجود و عدم .

    و هذه العلاقة النفسية تظهر في صورتين أوضحتهما المادة 190 ق.ع.

    الأولى: عدم توقع الفاعل للنتيجة الناجمة عن السلوك الخاطئ رغم أنه كان باستطاعته أن يتوقعها، أو كان يجب عليه، على الأقل، أن يتوقعها .

    وهذه الصورة يطلق عليها الخطأ بلا تبصر أو الخطأ غير الواعي أو غير الشعوري .

    والمثال على الخطأ غير الواعي أن يخطئ الصياد هدفه ويصيب إنسانا أخر أو أحد الصيادين معه بدلا عن الطريدة.

    الثانية: توقع الفاعل النتيجة الناجمة عن سلوكه الخاطئ، إلا أنه لا يرضى بها ويسعى إلى عدم حدوثها معتمدا على كفاءته أو مهارته في تجنبها.

    وهذه الصورة يطلق عليها الخطأ بتبصر أو الخطأ الواعي أو الشعوري

    فلاعب السيرك الذي يطلق السكاكين باتجاه شريكته في اللعبة يتوقع أن تصيب إحداها شريكته إلا أنه لا يريد ولا يقبل هذه النتيجة بل يعتمد على مهارته في تجنب الإصابة.

    وتجدر الإشارة إلى أن الخطأ الواعي أو الشعوري يقترب كثيرا من القصد الاحتمالي المساوي للقصد المباشر، والتمييز بينهما دقيق للغاية.

     ففي حين أن الفاعل في الخطأ الواعي يتوقع النتيجة إلا أنه لا يرضى بها، ويعتمد على مهارته في تلافيها، نجد أن الفاعل في القصد الاحتمالي يتوقع النتيجة ويرضى بها مقدما إذا وقعت، فيقبل المخاطرة.

     كمن يضع السم لقتل غريمه ويتوقع أن تأكل زوجته معه فيرضى أن تموت هي الأخرى في سبيل تحقيق هدفه الأساسي في قتل غريمه.

    ثالثاً :صور الخطأ

    عدد المشرع في المادة 189 صور الخطأ وهي: الإهمال – قلة الاحتراز – عدم مراعاة القوانين والأنظمة.

    ثم كرر التعداد ذاته في المادة 550 التي عاقبت على القتل الخطأ.

    وعلى الرغم من أن المشرع قد أورد هذه الصور على سبيل الحصر إلا أنها في الحقيقة تخضع للتفسير الموسع والمرن كونها متداخلة مع بعضها بحيث يصعب التمييز أحيانا بين صورة وأخرى، ووضع حدود فاصلة حاسبة بينها.

     فهذه الصور، كما أسلفنا، كثيرا ما تتداخل فيما بينها ويحل بعضها محل بعض.

    فقد تنشأ الوفاة مثلا عن إهمال مرده قلة أحتراز، أو عن قلة احتراز مصدرها الإهمال.

     وقد ينطوي عدم مراعاة القوانين والأنظمة بحد ذاته على إهمال أو قلة احتراز .

     وليست الغاية التي ابتغاها المشرع من هذا التعداد سوى الإحاطة بكل أنواع الخطة التي يمكن تصورها.

    وسنحاول، مع ذلك، توضيح كل صورة على حدة.

    1– الإهمال :

     تنصرف هذه الصورة في الغالب إلى الحالة التي ينتج فيها الخطأ عن سلوك الإنسان السلبي أي عن الترك أو الامتناع.

    وفيه يغفل الشخص عن اتخاذ احتياط يوجبه الحذر، بحيث أنه لو كان اتخذه لما وقعت النتيجة الضارة من موت أو إيذاء.

    أي أن هذا الشخص يمتنع عن القيام بما ينبغي على الشخص العادي الذي يتواجد في الظروف نفسها القيام به.

    من أمثلة هذه الصورة:

    الشخص الذي يحفر حفرة قرب بيته ويهمل وضع ما يشير إليها، فيقع بها أحد الأشخاص ويموت أو يتعرض لأذى.

    أو سائق الحافلة الذي ينطلق بها دون التأكد من دخول الركاب وإغلاق الباب، مما يؤدي إلى سقوط أحد الركاب وموته.

     أو مالك البناء الذي لا يجري الصيانة اللازمة لترميمه، فيسقط أحد الأسقف على المستأجر ويموت.

    أو الشخص المكلف بالعناية بطفل أو عاجز أو مريض، فيهمل بهذه العناية، ويؤدي إلى موت هذا الشخص.

    أو الأب الذي يترك سلاحه المحشو بالرصاص في مكان ظاهر فيتلقفه أبنه ليلعب به فتخرج إحدى الرصاصات وتقتله.

     

    2- قلة الاحتراز:

    تصرف هذه الصورة في الغالب إلى الحالة التي ينتج فيها الخطأ عن سلوك الإنسان الإيجابي الذي يدل على الطيش أو عدم التبصر أو عدم تقدير العواقب .

    فالفاعل في هذه الصورة يدرك خطورة تصرفه أو سلوكه وما يترتب عليه من آثار ضارة، ورغم ذلك لا يتخذ الاحتياطات اللازمة لمنع حصوله.

    من أمثلة هذه الصورة:

    السائق الذي يقود بسرعة في مكان مزدحم فيدهس أحدهم. أو الشخص الذي يقود سيارته ليلا وهي مطفأة الأنوار فيصطدم أحد المارة.

    أو الشخص الذي يقود سيارة بالرغم من الضعف الشديد في قوة بصره مما يؤدي لدخوله في حائط أحد المنازل وانهيار الحائط على أحد السكان.

     أو الشخص الذي يشهر مسدسا محشوة بالرصاص بوجه صديقه مازحا، فتنطلق رصاصة وتصيبه إصابة قاتلة.

     وتندرج في هذه الصورة أيضا حالة الأم التي تنام مع رضيعها في سرير واحد فتنقلب عليه أثناء نومها وتقتله.

     وحالة الشخص الذي يسلم حيوانه الخطر إلى شخص غير قادر على السيطرة عليه، لصغر سن أو عدم دراية، فيؤدي فعله إلى إيذاء الشخص أو موته من قبل الحيوان.

    3- عدم مراعاة الشرائع والأنظمة.

     المقصود بالشرائع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، أما الأنظمة فهي القواعد الصادرة عن السلطة التنفيذية، أي الجهات الإدارية من وزارات ومحافظات وبلديات. والخطأ الجزائي يقع، والمسئولية الجزائية تقوم على النتيجة الجرمية الحاصلة من موت أو إيذاء، بمجرد مخالفة القوانين أو الأنظمة ولو لم يرتكب المخطئ إهمالا أو قلة احتراز.

     ومن أمثلة هذه الصورة:

     الشخص الذي يعير سيارته لصديقه مع علمه بعدم حصوله على رخصة قيادة، فيدهس هذا الصديق شخصا ويقتله.

     فصاحب السيارة يعتبر مخطئا لمخالفته قانون السير وبالتالي تترتب مسئوليته الجزائية مع صديقه عن وفاة الشخص.

    الشخص الذي يقود سيارته بسرعة تفوق السرعة المحددة بالقانون أو النظام، فهذا يرتكب هذا الشخص خطأ لمخالفته القوانين والأنظمة،

    فإذا أدت سرعته إلى صدم أحد المارة، فيسأل عن قتله أو إيذائه ولو الم يقع منه أي إهمال أو قلة احتراز.

     أو القيادة في اتجاه معاكس للسير فيؤدي ذلك إلى صدم أحد الأشخاص.

     ونلاحظ في المثالين الأخيرين أن عدم مراعاة القوانين والأنظمة ينطوي على جرمين:

    مخالفة قانون السير، وجرم القتل أو الإيذاء الخطأ الناجم عن مخالفة القوانين والأنظمة.

  • جريمة القتل أو الايذاء من غير قصد

    القتل والإيذاء عن غير قصد

    قليلة هي الجرائم التي يعاقب عليها قانون العقوبات إذا ارتكبت عن غير قصد. والقتل والإيذاء تعتبر من أهمها.

    فهذه الجرائم يعتمد المشرع اتجاهها سياسة العقاب ليس استناداً إلى قصد جرمي وإنما استناداً إلى خطأ وقع به الفاعل أدى إلى موت الضحية أو إيذائها.

    والحكمة في تجريم القتل والإيذاء خطأ تكمن في رغبة المشرع بصيانة أرواح الناس وسلامتهم البدنية، ولو كان الفعل في الحالتين ناتج عن خطأ لا عن قصد.

    ولضرورة كون السياسة التي يعتمدها المشرع في العقاب عادلة، يجب أن يميز في العقاب بين القتل والإيذاء قصدأ والقتل والإيذاء خطأ بجعل المسئولية الناتجة عن الخطأ أخف بكثير من تلك الناتجة عن القصد.

     وتجدر الإشارة إلى أن جرائم القتل والإيذاء خطأ تتحد مع بعضها في أركان الجريمة، سواء منها الركن المفترض وهو الإنسان الحي، أو الركن المادي المتمثل في سلوك الفاعل، أو في الركن المعنوي وهو الخطأ الذي يتجسد بإحدى صور ثلاث:

     الإهمال – قلة الاحتراز – عدم مراعاة الشرائع والأنظمة.

    إلا أن الفرق بين القتل والإيذاء خطأ يظهر في جسامة النتيجة الجرمية المتولدة عن هذا الخطأ، فبينما تتمثل هذه النتيجة في القتل بالوفاة، نراها في الإيذاء تتمثل بمجرد المساس بصحة المجني عليه أو بسلامته الجسدية.

    هذا التوافق بين القتل والإيذاء الخطأ هو ما دفع المشرع السوري إلى تناول أحكامهما معا و على التوالي في المواد 550 إلى 553 من قانون العقوبات.

    حيث تناول أو جرم القتل في المادة 550 كما يلي:

    “من سبب موت إنسان عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات”.

    ثم تصدى للإيذاء غير المقصود في المادة 551 على الشكل التالي:

    1- إذا لم ينجم عن خطأ المجرم إلا إيذاء كالذي نصت عليه المواد 542 -544 كان العقاب من شهرين إلى سنة.

     2- يعاقب على كل إيذاء آخر غير مقصود بالحبس ستة أشهر على الأكثر أو بغرامة لا تتجاوز المائة ليرة.

     3- وتعلق الملاحقة على شكوى المجني عليه إذا لم ينجم عن الإيذاء مرض أو تعطيل عن العمل لمدة تجاوز العشرة أيام ويكون لتنازل الشاكي عن حقه نفس المفاعيل المبينة في المادتين 540 – 541″.

    ونتيجة لكثرة حوادث القتل والإيذاء الخطأ الناجمة عن استعمال السيارات أورد المشرع نص المادة 552 كما يلي:

    “كل سائق مركبة تسبب بحادث ولو مادي، ولم يقف من فوراُ، أو لم يعني بالمجني عليه، أو حاول التملص من التبعة بالهرب يعاقب بالحبس التكديري وبغرامة لا تتجاوز الخمسين ليرة”.

    ثم أورد المشرع في نص المادة 553 ظرفاً مشدداً للقتل والإيذاء غير المقصودين كما يلي:

    “يزاد على العقوبات المذكورة في المادتين 550 و 551 نصفها إذا اقترف المجرم أحد الأفعال الواردة في المادة السابقة”.

    يتبين من مراجعة نص المادتين 550 و 551 أن أركان جريمتي القتل والإيذاء خطأ واحدة، وكل ما في الأمر أن المشرع وضعهما في نصين مختلفين بسبب اختلاف النتيجة في كل منهما، فهي في الأولى الوفاة وفي الأخرى المساس بسلامة الضحية البدنية

     وهذه الأركان هي: الركن المفترض – الركن المادي – الركن المعنوي.

    والركن المفترض يقتضي وقوع فعل الاعتداء على إنسان حي. ولقد سبق التصدي لهذا الركن في معرض الحديث عن أركان القتل المقصود وما يصح قوله هناك يصح قوله هنا.

    والركن المادي له ثلاثة عناصر:

     نشاط الفاعل سواء تمثل بصورة إيجابية أو سلبية. والنتيجة الضارة الناجمة عن هذا النشاط وهي الوفاة أو الإصابة. والرابطة السببية بين النشاط و النتيجة.

     أما الركن المعنوي فيتمثل في الخطأ. والخطأ هذا هو انعكاس لنشاط الفاعل، أي أن ثمة تلازم بين نشاط الفاعل وخطئه، فهذا الخطأ يكمن في النشاط الذي يأتيه الفاعل”.

    فسائق السيارة عندما يقود بسرعة يرتكب نشاطاً محرماً هو السرعة وهذا النشاط بحد ذاته يؤلف الخطأ وينطوي على الركن المعنوي.

    وبناء على هذا التلازم بين النشاط والخطا سيتم تناول النشاط الجرمي والركن المعنوي معا تحت عنوان الخطا، متطرقين ضمنها للأشخاص المسئولين، إضافة للنتيجة المعاقب عليها والعلاقة السببية بين الخطأ والنتيجة. ثم نتطرق إلى درجات القتل والإيذاء الخطأ أي أوصافهما القانونية المختلفة.

  • جناية الايذاء المفضي الى الموت

    الإيذاء المفضي إلى الموت

    نصت المادة 536 على هذه الصورة بقولها

     “1- من تسبب بموت إنسان من غير قصد القتل بالضرب أو العنف أو الشدة أو بأي عمل أخر مقصود عوقب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل.

    2- ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا اقترف الفعل بإحدى الحالات المنصوص عليها في المادتين السابقتين”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

     1- لقد أورد المشرع هذا النص ضمن نصوص جرائم القتل، وكان الأولى به إدراجه ضمن جرائم الإيذاء باعتباره أشد صوره خطورة.

     وذلك أسوة بجرم الإيذاء المفضي إلى الإجهاض الذي ميزه المشرع و أورده ضمن نصوص الإيذاء وليس ضمن نصوص الإجهاض.

     2- تمثل هذه الصورة من صور الإيذاء الجرم الأخطر والأشد ضررة فيها، حيث يؤدي الاعتداء إلى إزهاق روح المجني عليه دون أن يكون الفاعل قاصدأ ذلك.

    3- لا تختلف هذه الصورة عن سابقاتها من صور الإيذاء في الركن المادي المتمثل بأي فعل من أفعال الإيذاء كالضرب أو الجرح أو العنف أو الشدة.

     ولا شك أن سلوك الفاعل يشمل الفعل الإيجابي والفعل السلبي ( أي بالامتناع ).

    فتتوفر الجريمة في حالة ضرب الجاني للمجني عليه أو جرحه بنية إيذائه، فيموت المعتدى عليه نتيجة ذلك.

     أو حالة امتناع الممرضة عن تقديم الدواء في موعده للمريض بقصد الإضرار بصحته فقط، فيموت المريض جراء ذلك، دون أن يتوفر لديها نية قتله.

     كما يشمل سلوك الفاعل الفعل المادي والفعل المعنوي. فتتوفر الجريمة سواء قام الفاعل بإيذاء المجني عليه ماديا، بالطعن أو الضرب باليد أو العصا أو السكين أو الحجارة…الخ، أو إيذاءه معنوية، كترويعه أو تخويفه أو إسماعه نبأ محزنة، أو تسبيب الام نفسية له، وغير ذلك من أنواع التعذيب أو الإيذاء المعنوي .

    كما لو أطلق الفاعل النار تخويفا للمجني عليه، فيموت الأخير من شدة الرعب.

     4- إن النتيجة الجرمية في الجريمة تتمثل بوفاة المجني عليه الذي تعرض للضرب أو الجرح. فلا بد لتحقق هذه الجريمة من حصول الوفاة وإلا فلا مجال لتطبيق نص المادة 536، حتى ولو كان فعل الاعتداء من شأنه إحداث الوفاة.

    – ولا مجال، كما أسلفنا، لتصور الشروع في هذه الجريمة.

    لأن من شروط الشروع توافر قصد إحداث نتيجة معينة، ولا يمكن إعمال هذا الشرط بالنسبة لهذه الجريمة، فلا يمكن أن يتوفر بحق الفاعل قصد إحداث النتيجة التي وقعت أي قصد الوصول إلى موت المجني عليه وإلا لأصبح الجرم قت مقصودة وليس إيذاء مفضية إلى الموت.

     فجرائم الإيذاء يعاقب عليها وفقا للنتيجة التي تقع بالفعل وعلى مقدار خطورتها، وما دام لا يتصور في حق الفاعل إلا توفر القصد الجرمي العام، أي نية المساس بالسلامة البدنية للمجني عليه، فإنه لا يمكن تصور توفر الشروع في هذه الجريمة.

    – وسيان أن تحصل النتيجة الجرمية، أي الوفاة، مباشرة بعد الضرب أو الجرح، أو بعد فترة زمنية تطول أم تقصر.

     فطالما أن الرابطة السببية متوفرة بین الضرب أو الجرح والوفاة، فيسأل الفاعل عن الجريمة ولو طال زمن حصول الموت.

    والمسألة الذي تثار هنا:

    إذا حكم على الفاعل بإحدى جرائم الإيذاء، وأصبح الحكم مبرما.  وأثناء تنفيذ المحكوم عليه العقوبته توفي المجني عليه، وثبت أن سبب الوفاة هو فعل الاعتداء الذي حكم بشأنه المجرم، فما الحل في هذه الحالة؟

     لقد أورد المشرع حل هذه المسألة في المادة 181من قانون العقوبات التي عالجت مسألة تفاقم النتيجة الجرمية اللفعل الواحد.

     وبموجبها عند تفاقم النتيجة (الوفاة بسبب الإصابة) يصبح الجرم قابلا لوصف أشد، فيلاحق الفاعل بهذا الوصف الجديد، وتنفذ العقوبة الأشد دون سواها.

     فإذا كانت العقوبة المقضي بها سابقا قد نفذت، فيجب إسقاط مدتها من العقوبة الجديدة.

     5- يتمثل الركن المعنوي في هذه الجريمة، كغيرها من جرائم الإيذاء في اتجاه النية إلى المساس بسلامة المجني عليه الجسدية، فيقدم الفاعل على ضرب المجني عليه قاصدا إيذاءه فقط، فيؤدي فعله إلى موته دون أن يقصد إحداثه، ودون أن يتوقع حصوله.

     فهذه الجريمة من الجرائم المتعدية القصد، التي يسأل الفاعل عن نتيجتها التي لم يقصدها أصلاً، كونه يتحمل تبعة سلوكه الضار منذ البداية وما يترتب عليه من نتائج ضارة وإن لم يكن يتوقعها.

    ويختلف الأمر إذا ثبت على الفاعل توقعه عند ضربه للمجني عليه حصول الوفاة كنتيجة محتملة لفعله وقبوله بها، راضية بالمخاطرة.

     ففي هذه الحالة تكون أمام جريمة قتل مقصود استنادا للقصد الاحتمالي الذي يساوي القصد المباشر، ويسأل الفاعل بمقتضى المادة 533، وليس إيذاء مفضية إلى الموت.

    6- إن العقوبة المقررة لهذه الجريمة هي الأشغال الشاقة من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة.

     وتشدد هذه العقوبة برفع الحد الأدنى إلى سبع سنوات إذا اقترن فعل الإيذاء بإحدى الحالات المنصوص عليها في المادتين 534 و 535.

     وهي حالات تشدید جرم القتل إلى المؤبد أو الإعدام.

     

  • جناية الإيذاء المفضي إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها

    الإيذاء المفضي إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها

    نصت المادة 544 على هذه الصورة بقولها

    “يعاقب بالعقوبة نفسها من تسبب بإحدى الطرائق المذكورة في المادة 540 بإجهاض حامل، وهو على علم بحملها“.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- لقد ساوى المشرع في هذا النص بين عقوبة الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة وعقوبة الإيذاء المفضي إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها، وهذه العقوبة هي الأشغال الشاقة من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات.

    2- يفترض هذا النص وقوع اعتداء بصورة ضرب أو جرح أو إيذاء على امرأة حبلى.

    3- إن النتيجة الجرمية المترتبة على الاعتداء لم تتوقف عند المساس بالسلامة الجسدية للمرأة، بل تجاوزت ذلك إلى الجنين الذي تحمله، فأدى الاعتداء إلى إجهاض المرأة، أي إلى إسقاط الجنين قبل الأوان.

    وسيان أن يسقط الجنين حيا أو ميتا، فالجريمة قائمة ما دام الإسقاط قد حصل قبل أوان الولادة. وتختلف هذه الحالة عن حالة قتل الوليد، التي تفترض أن الطفل قد ولد ولادة طبيعية ثم أزهقت روحه أثناء عملية الولادة أو بعدها مباشرة.

    4- لا بد لقيام الركن المعنوي في هذه الجريمة أن تتجه نية الفاعل إلى المساس بالسلامة الجسدية للمرأة، وهو القصد المطلوب توفره في كافة جرائم الإيذاء.

    إلا أنه لا يكفي لوحده لتحقق هذه الجريمة، بل يشترط أن يتوفر لدى الفاعل العلم المسبق بحمل المرأة، ومع ذلك يقدم الفاعل على ضربها أو إيذائها ولكن دون أن يقصد إجهاضها.

    وهذا هو العنصر الأساسي في هذه الجريمة.

    فإذا أقدم الفاعل على ضرب المرأة و هو يجهل حملها فلا يطبق عليه نص المادة 544، ولو تم إسقاط الجنين نتيجة الضرب.

    وتقتصر مسئوليته على النتائج الأخرى غير الإجهاض ، ويطبق عيه أحكام جرائم الإيذاء الأخرى بحسب جسامة النتيجة المترتبة على فعله.

    أما إذا أقدم الفاعل على ضرب المرأة قاصدا إسقاط حملها، فيسأل الفاعل هنا على جرم الإجهاض، المعاقب عليه في المواد 527 إلى 532 من قانون العقوبات.

    5- وتجدر الإشارة أخيرة إلى أن كافة جرائم الإيذاء السابقة، سواء الجنحية منها أم الجنائية يشدد عقابها وفق نص المادة 545 “إذا اقترف الفعل بإحدى الحالات المبينة في المادتين 534 و 535” أي الحالات المؤدية إلى تشديد عقوبة القتل.

    وهذا التشديد يؤدي إلى زيادة العقوبة من الثلث إلى النصف ومضاعفة الغرامة.

  • جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة

    جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة

    جاء النص على هذه الصورة في المادة 543 كما يلي:

     “إذا أدى الفعل إلى قطع، أو استئصال عضو، أو بتر أحد الأطراف، أو إلى تعطيلهما، أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم، أو أية عاهة أخرى دائمة، أو لها مظهر العامة الدائمة، عوقب المجرم بالأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات على الأكثر”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

     1- يجب أن يتوفر في هذا الجرم ذات الأركان العامة التي تشترك بها جميع جرائم الإيذاء بصورها الجنحية والجنائية، سواء ما تعلق بفعل الضرب أو الجرح أو الإيذاء، أي الركن المادي، أو ما تعلق بقصد الإضرار بالسلامة الجسدية للمجني عليه، وهو القصد الجرمي العام المطلوب في كافة جرائم الإيذاء، أي الركن المعنوي.

    2- لا بد لتطبيق نص المادة 543 من توفر النتيجة الجرمية المطلوبة به، والتي عددها النص:

    من قطع أو استئصال العضو أو من بتر لأحد الأطراف أو تعطيله، أو من تعطيل أحد الحواس، أو من إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة.

    وليس التعداد الذي أورده النص سوى أمثلة، على سبيل التمثيل لا الحصر، عن العاهة الدائمة.

    3- لم يورد المشرع في النص تعريفا للعاهة الدائمة، بل اكتفي كما أشرنا بذكر بعض صورها. ويمكن تعريف العاهة الدائمة استنادا لهذه الصور بأنها

    “حرمان المجني عليه كليا أو جزئيا من منفعة أحد أعضائه أو أطرافه أو حواسه، أو من جماله، حرمانة نهائي “.

     إذا فالعاهة تعني فقد عضو من أعضاء الجسم، سواء كان خارجي أم داخلي، أو حاسة من حواسه، أو تعطيلهما، أو تشويههما بشكل دائم، أي غير قابل للشفاء.

    وتقدير ذلك يعود لقاضي الموضوع الذي يسترشد بالتقرير الطبي وبحالة المصاب.

    ولا ينفي عدم قابلية الشفاء أن يكون الطب قد توصل إلى وضع بديل صناعي للعضو المفقود أو التالف، كأذن صناعية، أو ساق صناعية.

    وتعتبر عاهة دائمة ولو كان من الممكن شفاعها عن طريق جراحة دقيقة تعرض حياة المجني عليه للخطر، إذا رفض المجني عليه إجراءها، فالمجني عليه لا يلزم بإجراء هذه العملية الجراحية.

    4- لم يحدد المشرع نسبة مئوية معينة للنقص الذي لحق منفعة العضو أو الحاسة لتكوين العاهة الدائمة. وهذا يعني أن العاهة تتحقق بهذا النقص مهما كان ضئيلاً.

     فضالة النسبة المئوية لا تنفي صفة العاهة. كما أنه لا يؤثر في قيام العاهة عدم إمكان تقديرها بنسبة مئوية.

    وتطبيقا لذلك فإن عاهة العين تثبت بمجرد فقد البصر فيها، وإن كان المجني عليه يعاني قبل ذلك من ضعف في الإبصار بها.

     فما دام المجني عليه كان يبصر بعينه قبل الاعتداء عليه، ولو بشكل ضئيل، وفقد معظم بصره أو فقده بشكل تام نتيجة الاعتداء، فالعاهة الدائمة تعتبر متوفرة .

     – من الأمثلة على العامة الدائمة فقد البصر أو ضعفه ولو كان مقصورة على إحدى العينين، فقد أو ضعف حاسة الشم أو السمع أو القدرة على النطق، فقد أحد الأصابع أو عدم القدرة على ثنيه، قطع صيوان الأذن، استئصال الطحال أو الكلية ولو كان المجني عليه مصابة بمرض بهما سابقا .

     5- لقد ساوى المشرع بين العاهة الدائمة وبين العاهة التي لها مظهر العاهة الدائمة وإن لم تكن في حقيقتها كذلك.

    وبذلك يحمي المشرع جمال الجسم، بحمايته لفقد جمال أحد أعضائه، إضافة لحماية وظائف الجسم.

     فلو أدى الإيذاء إلى تشويه جسيم في الوجه، كانحراف واضح في الأنف، أو فقد الشعر، أو حرق إحدى الوجنتين، فهو يأخذ مظهر العاهة الدائمة وإن لم يكن ينطوي على فقد عضو من أعضاء الوجه أو جزء منه، أو تعطيل وظيفة حاسة من الحواس.

    وحسنا فعل المشرع بذلك، فما من شك بأن تشويه الوجه يكون له أثر في نفس المجني عليه لا يقل عن فقدان عضو أو تعطيل حاسة من حواسه.

    – إن العقوبة المفروضة على مرتكب هذه الجريمة هي عقوبة جنائية تتراوح بين الثلاث سنوات و العشر سنوات أشغال شاقة.

  • جنحة الايذاء المقصود اذا كان التعطيل عن العمل فوق 20 يوم

    الإيذاء المفضي إلى تعطيل عن العمل المدة تتجاوز العشرين يوماً

    نصت على هذه الصورة المشددة من صور الإيذاء المادة 542 كما يلي:

    “إذا جاوز التعطيل عن العمل العشرين يوما قضي بعقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات فضلا عن الغرامة السابق ذكرها”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- عندما تتجاوز مدة التعطيل عن العمل العشرين يوما يطبق نص المادة 542 حتى ولو استمر التعطيل لمدة طالت أم قصرت، بشرط أن يكون مؤقتا، أي أن تكون الإصابة قابلة للشفاء.

    أما إذا تجاوز التعطيل العشرين يوما وكانت الإصابة غير قابلة للشفاء، فهذا يعني أن فعل الإيذاء قد أدى إلى إحداث عجز دائم .

    بالتالي لا يطبق نص المادة 542 في هذه الحالة، بل يصبح نص المادة 543 هو الواجب التطبيق.

    2- ليس لتنازل المجني عليه عن دعواه في هذه الجريمة أي أثر، لا على الدعوى ولا على العقوبة. بخلاف النصين السابقين.

    وإن جاز للقاضي اعتبار هذا التنازل مبررة لمنح المدعى عليه سبية مخففة تقديرية.

1