الكاتب: rami

  • هل عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مقاولة؟

    عرف بعض الفقهاء عقد المقاولة بأنه

    (( عقد يقصد به أن يقوم شخص بعمل معين الحساب شخص أخر في مقابل أجر دون أن يخضع لأشرافه أو أدارته )).

    وعرفته المادة / 864 من القانون المدني العراقي بأنه

    (( عقد به يتعهد أحد الطرفين أن يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به الطرف الأخر )) ، وهو من العقود المسماة | التي نظمها المشرع العراقي بأحكام خاصة.

    كما عرفه القانون المدني المصري في المادة / 646 بأنه

    (( عقد يتعهد بمقتضاه أحد الطرفين أن يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الأخر )).

    أما المشرع الفرنسي فأنه يعتبر عقد المقاولة نوع من أجارة الأعمال حيث يعرف المقاولة في المادة / ۱۷۱۰ من التقنين المدني

    (( بأنه ذلك العقد الذي يتعهد فيه أحد الأطراف أن يقوم بعمل شيء لصالح الطرف الأخر نظير أجر متفق عليه بينهما )) .

    هذا ويتصف عقد المقاولة بمجموعة من الخصائص وهي أن عقد المقاولة عقد رضائي ، وانه عقد ملزم للجانبين ، كما أنه من عقود المعاوضة ، أنه من العقود الواردة على العمل ، فضلا عن استقلالية المقاول في أداء العمل.

    مما تقدم فإلى أي مدى يمكننا أسناد عقد الاستشارة القانونية إلى عقد المقاولة ، في ظل خصوصية عقد تقديم الاستشارة القانونية من حيث أطرافه والالتزامات لكل منهما والأداء المتميز المحل هذا العقد المتمثل بالاستشارة القانونية ،

    فبعد بيان المقصود بعقد المقاولة واهم خصائصه ، سنقوم بعرض فكرة عند عقد تقديم الاستشارة القانونية ، كعقد المقاولة محاولين تقييم هذه الفكرة وذلك من خلال الفرعين الآتيين :

    الفرع الأول : عرض فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مقاولة

    الفرع الثاني : تقويم فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مقاولة

    الفرع الأول

    عرض فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد المقاولة

    إن التطورات الحاصلة في مفهوم الأداءات التي يقوم بها المقاول قد تعدت الاطار التقليدي له ، باعتباره يقوم بأداءات مادية فقط ، إذ إنه ليس ثمة ما يمنع من أن المقاولات تعني ذلك النوع من الأداءات ، وأيضا الاداءات ذات الطابع الذهني ، فالمهن الحرة التي تندرج تحت مفهوم عقد المقاولة أصبحت تتميز بوجود الاداءات الذهنية.

    وعليه فأن هذا المفهوم يتسع لاستيعاب عقد تقديم الاستشارة القانونية الذي نحن بصدده نظرة لاندماج هذه الأعمال الذهنية في موضوع البحث ،

    هذا بالإضافة إلى أن المميزات التي يتميز بها عقد المقاولة تنطبق على عقد تقديم الاستشارة القانونية وتمثل دعائمه الأساسية ، وأياً كان الأمر فإن مما يدعم وجهة النظر هذه الحجج الأتية :

    1 – إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يرد كعقد المقاولة ، على الأعمال المادية ، فقيام المستشار القانوني بتقديم الاستشارة القانونية يعد عملا مادياً ، ينسب اليه من حيث أدائه لأنه يقوم به باسمه الشخصي وإن كان لمصلحة المستفيد ، وليس معنى أن يؤدي المستشار القانوني أعمال مادية ، أن تأتي خالية من الفكر بل أن ما يميز الأعمال التي يؤديها أصحاب المهن الحرة عموما والمستشار القانوني خصوصاً إن ناحية الفكر فيها متغلبة)،

    وبالتالي لا يكون عمله هذا تصرفأ قانونية بل عملا مادية ، أضاف إلى ذلك أن طبيعة عقد المقاولة تسمح بتعدد الاداءات ذات الطابع الذهني وتنوعها بالإضافة إلى الأداءات المادية التقليدية.

    ۲ – الاستقلال التام للمستشار القانوني في إعداده للمشورة القانونية فهو يقوم بالعمل بأسمه الخاص مستقلا عن إدارة المستفيد وإشرافه ، ويختار الوسائل والطرق التي يراها مناسبة الإنجاز الاستشارة القانونية ، ولا يجوز للمستفيد أن يتدخل في طريقة تنفيذ المستشار القانوني العمله مادام عمله مطابقا لما هو متفق عليه في العقد ولما تفرضه عليه الأصول العلميةوالفنية لمهنته، ولعل هذا العنصر الأخير دفع البعض من الفقه للقول بأن غياب رابطة التبعية القانونية أمر من شأنه أن يسمح بأن يندرج عقد تقديم الاستشارة القانونية مع المستفيد تحت وصف عقد المقاولة .

    3 – عقد تقديم الاستشارة القانونية هو معاوضة ، إذ يتقاضى المستشار القانوني اجرأ مقابل أعداد الاستشارة القانونية ، ويلجأ المتعاقدان في تحديد هذا الأجر إلى نفس الوسائل التي يلجأ اليها أطراف عقد المقاولة وخصوصا عن طريق الاعتماد على طبيعة الالتزامات التي تنشأ على عاتق الطرفين وعلى مقدار الوقت الذي يستغرقه تنفيذ هذه الالتزامات ، وعند عدم اتفاق الطرفين على مقدار الأجر يقوم القاضي بتحديد الأجر وفقا لما يقرره المشرع في النصوص الخاصة بعقد المقاولة.

    4 – يلزم المستشار القانوني بتسليم الاستشارة القانونية المنجزة وهو التزام بتحقيق نتيجة ، اذا  كانت الاستشارة القانونية ترد على حقائق ومسلمات لا مثار للخلاف بشأنها ومتفق عليها من قبل الفقه والقضاء ، وهذا عينه التزام المقاول بتحقيق النتيجة التي يريدها رب العمل  ، وهو ما مستقر في عقد المقاولة لأن رب العمل يطلب عملا يتحتم إنجازه.

    5 – إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يقوم بالدرجة الأساس على الاعتبار الشخصي ، إذ أن شخصية المستشار القانوني تكون محل اعتبار عند أبرام العقد كما مر بنا سابقا . كذلك الحال مع عقد المقاولة ، إذ لا يجوز للمقاول أن يوكل تنفيذ العمل في جملته أو في جزء منه إلى مقاول أخر اذا كانت طبيعة العمل مما يفترض معه قصد الركون إلى كفايته الشخصية أو وجود شرط يقضي بذلك ، وكذلك تنتهي المقاولة بموت المقاول اذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار في التعاقد  ، وهذا عينه ما يترتب في عقد تقديم الاستشارة القانونية إذ ينتهي بموت المستشار القانوني ، والكفاية الشخصية للمستشار القانوني تعتمد على الخبرة والتخصص والكفاءة العلمية والمهارة في الأعداد للمشورة القانونية

    . 6 – يتشابه عقد تقديم الاستشارة القانونية مع عقد المقاولة من حيث التنفيذ حيث يقوم المقاول بتنفيذ العمل المناط به على شكل مراحل متتابعة ويستحق أجرأ مستقلا عن كل مرحلة ينجزها 

    ۷ – يلتزم المقاول بأبداء الاستشارة والنصيحة في شأن الاعتبارات الفنية والمهنية المتعلقة بعمله، وهذا هو عين التزام المستشار القانوني ، مما يمكن القول أننا بصدد عقد مقاولة).

    ۸- أن الرخص الممنوحة للرب العمل في أنهاء عقد المقاولة، هي نفس الرخصة الممنوحة للمستفيد في عقد تقديم الاستشارة القانونية.

    ومما تقدم فقد اتجه غالبية الفقه تؤيده أحكام القضاء بالقول إلى أن عقد المستشار القانوني مع المستفيد هو عقد مقاولة) ووجد هذا الاتجاه صداه في العديد من القرارات القضائية للمحاكم الفرنسية والمصريةوالعراقية

     

    الفرع الثاني

    تقويم فكرة عد عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مقاولة

    على الرغم من الحجج التي سيقت في الفرع السابق إلا أن تكييف عقد تقديم الاستشارة القانونية بأنه عقد مقاولة لم يسلم من سهام النقد ، وعلى ذلك فأننا نتناول هذه الانتقادات التي وجهت لهذا الرأي محاولين تقويمها قدر الإمكان :

    1 – إن عقد المقاولة ينطوي على فكرة إنجاز عمل ، تستلزم أن يقوم المقاول بعمل مادي حتى وان كان العمل يرتكز على الجهد الفكري .

    أما عقد تقديم الاستشارة القانونية فأنه يقوم على فكرة انتقال معلومات من شخص إلى آخر ، لا تستلزم جانبا مادية وبذلك يختلف الإنجاز عن الانتقال .

    إلا أن رفض وصف الاداءات الذهنية بالعمل المادي لا يستند إلى أي سند قانوني ، فمادام الأداء الذهني لا يعتبر تصرفأ قانونية ، فأن المنطق يحتم وصفه بأنه عمل مادي ،

    فأذا | امكن الفصل بين العمل المادي والتصرف القانوني في علاقة المستفيد بالمستشار القانوني فأنه تطبق أحكام الوكالة على التصرف القانوني ، وأحكام المقاولة على العمل المادي، وهذا ما نجده في عقد تقديم الاستشارة القانونية ، فالمستشار القانوني باعتباره من أصحاب المهن الحرة يقوم بأعمال مادية في مجموعها ، واذا تميزت بشيء فأنها تتميز بأن ناحية الفكر فيها متغلبة ، وهذا لا يمنع من أن تكون أعمالاً مادية وأن أصحابها يربطهم بالغير عقد مقاولة مثل المحامي الذي يقدم الاستشارة القانونية لعميلة خارج مجلس القضاء).

    ۲ – المقاول يعد مضاربة وهذه المضاربة قد تحقق له الخسارة تارة والربح تارة أخرى ، وهذا ما يجعله يكسب صفة التاجر) ، أذا كان محل المقاولة عملاً تجارياً ، وهذا لا يستقيم مع عمل المستشار القانوني الذي يمارس مهنة حرة وأرباب المهن الحرة لا يعدون تجارة وإنما يمارسون أعمال مدنية ، وهم يقدمون مهام ذهنية أو يدوية مقابل أتعاب يحصلون عليها ، ولكن تحقيق الربح ليس

    هو الهدف الأول لديهم كما هو الحال بالنسبة للذين يزاولون الأعمال التجارية.

    ويمكن الرد على هذا القول بأن المقاول لا يكتسب صفة التاجر لمجرد انه مقاول ، فالعقد بالنسبة للمقاول قد يكون مدنية ، وقد يكون تجارية على حسب طبيعة العمل الذي يؤديه فأذا كان العمل الذي يؤديه ذا طبيعة تجارية كان العقد تجارياً ، واذا كان العمل ذات طبيعة مدنية كان العقد مدنية ، ومن المقرر إن الأعمال الذهنية تعد أعمالا مدنية ، لان أعمال أصحاب المهن الحرة ومن ضمنهم المستشار القانوني ، لا تعد أعمال تجارية كما مر بنا سابقا .

    3 – إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يقوم بالدرجة الأساس على الاعتبار الشخصي إذ أن شخصية المستشار القانوني تكون محل اعتبار عند أبرام العقد ، أما عقد المقاولة فأن المقاول ينفذ العمل بنفسه أو عن طريق غيره مالم يوجد شرط يقضي بغير ذلك .

    إلا أنه يرد على هذا القول انه لا يمنع من أن يكون عقد المقاول قائمة على الاعتبار الشخصي للمقاول كما هو حال عقد تقديم الاستشارة القانونية ، وليس أدل على ذلك من أن العديد من العقود القائمة على الاعتبار الشخصي لأحد المتعاقدين قد استقر الفقه القانوني على اعتبارها من قبيل عقود المقاولة ، كعقد المحامي والعقد الطبي ، بل إن القانون المدني العراقي نص على ذلك صراحة في عجز المادة /۱/۸۸۲

    (( …….. أو لم تكن طبيعة العمل مما يفترض معه قصد الركون إلى كفايته الشخصية )).

    4 – إن سمة الاستقلال في الأداء ليست صفة دائمة في عقد تقديم الاستشارة القانونية ، فالتطبيق العملي يظهر أن للمستفيد الأثر البالغ في توجيه المستشار القانوني أثناء قيامه بالعمل أو على الأقل في الأشراف عليه ، وكون العمل ذهنية لا يمنع حقيقة أن يكون هناك توجيه أو أشراف من قبل المستفيد على مراحل أعداد الاستشارة القانونية  .

    إلا أنه يرد على هذا القول أن عمل المستشار القانوني تبقى له ميزة الاستقلال حتى ولو كان المستفيد حريصة على التدخل في بعض المسائل ، وذلك لان التدخل يجب أن لا يفسر على أنه أشراف أو توجيه على عمل المستشار القانوني ، وإنما يفسر على انه التزام بالتعاون من قبل المستفيد من خلال الأعلام والمساهمة في تكوين الاستشارة ،

    وحتى إن سلمنا جدلا أن هناك أشراف من قبل المستفيد على المستشار القانوني ، فأن هذا الإشراف يقتصر على الناحية التنظيمية دون الناحية الفنية.

    5- يستطيع كل طرف في عقد تقديم الاستشارة القانونية أن ينهي العقد بإرادته المنفردة دون أن يلتزم بتعويض الطرف الأخر  .

    أما عقد المقاولة فهو عقد ملزم للجانبين ولا يستطيع احد طرفيه أنهاءه بإرادته المنفردة دون التحمل بالتزام يتمثل غالبة بالتعويض .

    إلا أنه لا صحة لهذا القول ذلك لأن الفقه القانوني استقر على إن المستشار القانوني لا يستطيع ابتداء أنهاء عقد تقديم الاستشارة القانونية بإرادته المنفردة ، كما هو الحال بالنسبة لعقد المقاولة ، وأن المستفيد له أنهاء العقد بإرادته المنفردة ، ولكنه يلزم عندئذ بالتعويض .

    6 – يلتزم المستشار القانوني ببذل عناية ، وهذا على العكس مما هو مستقر في عقد المقاولة الأن رب العمل يطلب عملا يتحتم إنجازه ، ويقع على عاتق المقاول تحقيق النتيجة التي پریدها رب العمل .

    إلا أن هذا الرأي غير مسلم به، إذ ذهب جانب من الفقه إلى عد التزام المستشار القانوني ببذل عناية لا يتصل بمفهوم إنجاز العمل ، وإنما يقصد به من جانب التزامه بتحقيق ضمان السلامة الاقتصادية أو ما يسميه الفقه الحديث بضمان المطابقة الاقتصادية.

    فضلا عن أن الاستشارة القانونية اذا كانت تنصب على مسائل خلافية وراعي المستشار القانوني في تنفيذها الأمور الفنية والقواعد المعمول فيها فأن التزامه هنا ألتزام ببذل عناية.

    ۷ – ما قيل بصدد أتحاد العقدين بعدة خصائص وهي ، كونهما من العقود الملزمة للجانبين وأنهما بعوض ، وأنها من العقود المحددة في الأصل ، فأنها لا تعدو أن تكون خصائص عامة تشترك فيها جميع العقود.

    إلا أن هذه الخصائص ومع ما قيل سابقا من أوجه التقارب بين العقدين ، تعتبر من الخصائص المشتركة بين العقدين ، وبالتالي فهي مدعاة للتقارب بين العقدين.

    بعد استعراض كل الآراء التي قيلت بشأن تكييف عقد تقديم الاستشارة القانونية ، فأننا نرى أن القواعد العامة في عقد المقاولة الواردة في القانون المدني العراقي رغم انطباقها في نصوص كثيرة تجعل من هذا العقد أقرب إلى فكرة عقد المقاولة ألا أنها قاصرة ولا تكفي التنظيم هذا العقد ،\ والأمر يحتاج إلى أحكام خاصة لمثل هذا العقد وذلك لسببين :

    الأول : إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يعتبر ذات أهمية كبيرة من حيث تعدد المجالات القانونية التي يتطرق لها فهذا العقد يرد على معلومات قانونية في مختلف فروع القانون كالقانون الدستوري والجنائي والإداري والمدني والتجاري ،

    وما يصاحب هذه الفروع من موضوعات مختلفة تحكمها قواعد قانونية متنوعة تتطور مع تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ،

    ونتساءل هنا هل يخضع كل ما سبق ذكره لذات القواعد المتعلقة بعقد المقاولة ، لا شك أن أداء الاستشارة يحتاج الى وقت ودقة سواء في مرحلة المفاوضات السابقة لأبرام هذا العقد أو في مرحلة تنفيذه.

    الثاني : إن هناك العديد من الأضرار التي قد تصيب المستفيد والغير من الاستشارة القانونية أثناء تنفيذها ،

    ويثار تساؤل حول ما اذا كان يشترط تطبيق أحكام الضمان هنا لذات الشروط الواردة في ضمان العيب في عقد المقاولة ، أذ لا بد من وجود التزام بضمان السلامة في مثل هذا العقد وذلك لخلو التشريعات المقارنة من أي نص يقيم التزامأ على عاتق المستشار القانوني بسلامة المستفيد والغير من أضرار الاستشارة القانونية.

    وبعد البحث في التكييف القانوني لعقد تقديم الاستشارة القانونية وفي ضوء الملاحظات السابقة فأننا نرى أن هذا العقد يتمييز بخصوصية معينة تتمثل بأنه قائم على الاعتبار الشخصي ، وأنه مهني ، وأنه منشئ لالتزامات غير تقليدية على عاتق أطرافه ، وهذا دفعنا إلى القول إلى أن هذا العقد هو عقد ذو طبيعة خاصة تقوم على الذاتية والاستقلال عن غيره من العقود الأخرى ، وخاصة فيما يخص محل العقد والدور الذي يقوم به المستشار القانوني ، ولكل ما سبق نرى أهمية تنظيم عقد تقديم الاستشارة القانونية تنظيمة تشريعأ خاص .

  • هل عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد بيع خدمة؟

    اتجه جانب من الفقه إلى عد عقد تقديم الاستشارة القانونية بأعتبار محله تقديم خدمة متميزة وهي الاستشارة القانونية عقد بیع .

    ويعرف المشرع العراقي عقد البيع في المادة / 506 من القانون المدني ، على أنه

    (( مبادلة مال بمال )) ،

    بينما عرفه المشرع المصري في المادة / ۱۸ بأنه

    (( عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقا مالية أخر في مقابل ثمن نقدي )) ، أما المشرع الفرنسي فقد عرفه في المادة / ۱۰۸۲ من التقنيين المدني بأنه

    (( أتفاق بين اثنين موضوعه تسلیم شئ في مقابل يدفعه الأخر )) .

    وفي ضوء النصوص المتقدمة نلاحظ أن عقد البيع من العقود الناقلة للملكية ينقل ملكية شيء مقابل دفع الثمن فهل يمكن أن نتصور عقد تقديم الاستشارة القانونية كمحل لعقد تقدیم الاستشارة القانونية وهي خدمة ذات طبيعة ذهنية وعقلية ، أن يرد عليها عقد البيع.

    إن عقد البيع يمكن أن يرد على كافة الأموال ، أي على كل حق له قيمة مادية في التعامل،

    ويتصف عقد البيع بعدة خصائص وهي أن عقد البيع من العقود الرضائية ، ومن العقود الملزمة للجانبين ، ومن عقود المعاوضات ، عقد البيع من العقود الناقلة للملكية ،

    وكذلك يعتبر من العقود المحددة في الأصل ،

    وبعد أن بينا تعريف عقد البيع وأهم خصائصه، فهل يمكن أن ينصب عقد البيع على الاستشارة القانونية باعتبارها خدمة متميزة يقدمها المستشار القانوني ؟

    ، للإجابة على هذا التساؤل سنقوم بعرض فكرة عقد البيع بالنسبة للخدمة المتمثلة بالاستشارة القانونية ثم سنحاول تقييم هذه الفكرة من خلال الفرعين الآتيين :

    الفرع الأول : عرض فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية بيع خدمة

    الفرع الثاني : تقويم فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية بيع خدمة

    الفرع الأول

    عرض فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية بيع خدمة

    إن البيع بصفة عامة يهدف إلى نقل ملكية شيء إلى طرف أخر في مقابل يدفعه ، فهل الخدمات تقبل الانتقال وتقبل أن يرد عليها البيع ؟

    إن الاستشارة القانونية وباعتبارها خدمة يمكن أن ترد كمحل لعقد البيع ، ذلك أن مفهوم عقد البيع لم يعد ضيقة بأن لا يرد إلا على الأشياء المادية ، وانما أصبحت الأشياء غير المادية تصح أن تكون محط له ، ولذلك لا يوجد ما يمنع أن تكون الخدمات محلا لعقد البيع.

    وأن أول من قال بهذه الرأي الفقيه الفرنسي ( Savater ) في بحثه عن بيع الخدمات حيث يذهب هذا الفقيه إلى أن الخدمات ماهي إلا قيمة اقتصادية يمكن أن تنسب إلى من يؤديها ، وتأخذ وصف السلعة وتصبح قابلة للتقويم ، ويقدر لها سعر فالعقد الذي نحن بصدده وهو عقد تقديم الاستشارة القانونية يختلف عن العقود التقليدية في كون محل الشيء فيه غير مادي ، ونقل الملكية هنا لا يعني نقل ملكية بالمعنى التقليدي ، بمعني نقل لشيء مادي وإنما هو بيع لخدمة تستهلك بمجرد أن توضع تحت يد المشتري ، ويشبه بيع الخدمة ببيع الطاقة في شكل تيار كهربائي .

    ومما تقدم من أراء يتبين لنا إن عقد تقديم الاستشارة القانونية هو عقد بيع خدمة وهذا العقد يختلف عن عقود البيع التقليدية ، إذ يتم فيه تبادل أشياء غير مادية ، مقابل مبلغ من النقود .

    ويؤكد رأي آخر، أن البيع الذي يرد على أشياء معنوية ، لا يعني نقل ملكية بالمعنى التقليدي لنقل ملكية الأشياء المادية ، وإنما هو بيع المعلومات أي لأشياء معنوية.

    وتجدر الإشارة إلى أنه ، وعلى الرغم من أن محل العقد خدمة ، وهي أموال معنوية تعد نتاج لمجهود مضن ، إلا أنها قيمة تقوم بالمال ، وهذا ما يمكن تقبله بصدد عقد تقديم الاستشارة القانونية شأنه في ذلك شأن الأشياء المعنوية الأخرى ، التي استقر الفقه بشأنها على أنها من قبيل الأموال .

    في ضوء كل ما تقدم ، يتضح لنا إن مقياس عد عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد بيع خدمة يستند على ما يلي:

     

    1 – إن الخدمة المتمثلة بالاستشارة القانونية التي يتوصل لها المستشار ، لها قيمة اقتصادية قابلة للاستحواذ وهي تعد منتجاً يرتكز في حقيقته على المعرفة العلمية والفنية التي يمتلكها المستشار القانوني ، إذ هناك علاقة قانونية بينها وبين من توصل اليها ، علاقة يمكن وصفها بعلاقة المالك بالشيء الذي يملكه ، هذا ولما كانت الأموال المعنوية لها قيمة مالية ، فإنها يمكن أن تصبح محلا للحق ،

    إذ لا يمكن القول بوجود ملكية مالم تكن هناك قيمة للمال محل هذه الملكية ، مما يترتب عليه جواز التنازل عن هذه القيمة مقابل ثمن ويعد عقد البيع اكثر أنواع العقود ملائمة لهذا التنازل .

    فالبيع هنا لا يعني نقل الملكية بالمعنى التقليدي لنقل الملكية المادية وانما نكون إزاء نقل ملكية معنوية.

    ۲ – هذا التكييف يتفق وقصد المتعاقدين ، طالما أن هذا العقد لا يتضمن أية مخالفة لأحكام عقد البيع التقليدي ، ذلك إن المراد ببيع الاستشارة القانونية هو تنازل المستشار القانوني عنها بشكل نهائي لتصبح من حق المستفيد ، أي المشتري الذي يجوز له التصرف بها بالتصرفات القانونية كافة ، فله أن يستغلها أو يستعملها أو يتصرف بها ، وله أن يحتج على الغير يملكيته لهذه المعلومات .

    ٣ – حق المستشار القانوني على الاستشارة القانونية المقدمة من قبله حق ملكية ، إذ أن هذه الملكية تتصل في شخصه وهي الأولى بالحماية ، وهو حق يعطيه صلاحية نقلها للغير.

    4 – تتصرف نية المتعاقدين في عقد تقديم الاستشارة القانونية ، إلى تنازل المستشار القانوني عن المعلومات التي يمتلكها إلى المستفيد ، وهذا التنازل يكون بمقابل هو الثمن ، فاستغلال النشاط الذهني للإنسان يهدف في الحصول على مقابل مالي أصبح الأن سمة من سمات العصر الحديث ، لذا فأن عد عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد بيع يكون أقرب إلى المنطق القانوني۔

    ه – استقرار الشركات الدولية للاستشارات على عد عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد بيع خدمات ورتبت عليه كافة الآثار التي تترتب على عقد البيع كضمان العيوب الخفية والالتزام بدفع الثمن وأسس تقديره والتزام المستشار بالتسليم وغيرها من أحكام عقد البيع.

    6 – من حيث خصائص العقدين فقد رأينا عند تقديمنا لعقد البيع انه من العقود الملزمة اللجانبين وأنه بعوض ، وأنه من العقود الناقلة للملكية ، وكذلك يعتبر من العقود المحددة في الأصل ، فعقد تقديم الاستشارة القانونية يقترب بهذه الخصائص من عقد البيع على وفق رأي من نادى به.

    – الفرع الثاني

    تقويم فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية بيع خدمة

    لا يمكن تطبيق أحكام عقد البيع على عقد تقديم الاستشارة القانونية في ظل اختلاف البناء القانوني لكل من العقدين ، إذ يرتكز عقد تقديم الاستشارة القانونية على عناصر لامثيل لها في عقد البيع ، كما أن وضع هذا التكييف موضع التطبيق غير ممكن للأسباب الأتية:

    1 – إن مصطلح الملكية يشوبه بعض الغموض بالنسبة للأداءات الذهنية ، إذ يصعب التسليم بأطلاق وصف الملكية على ما يقدمه المستشار القانوني للمستفيد ، فالفقه يشكك في أطلاق وصف حق الملكية على حق المستفيد في الاستشارة القانونية في عقد تقديم الاستشارة القانونية.

    ۲ – الطبيعة الخاصة لعقد تقديم الاستشارة القانونية وكونه عقد يبنى على الاعتبار الشخصي بالدرجة الأولى وكون محله اداءات ذات طبيعة ذهنية وعقلية أمر يجعل القول في كونه عقد بيع أمرأ ليس من السهل التسليم به.

    3 – إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يرتب التزامات غير تقليدية كالالتزام بالسرية والالتزام بالتعاون ، وهذه الالتزامات لا تنسجم مع ما تقرره أحكام عقد البيع ،

    فالمستشار القانوني تتعدى التزاماته مرحلة تنفيذ العقد وتستمر إلى ما بعد انتهاء الرابطة العقدية بينه وبين المستفيد ، وخصوصاً فيما يتعلق بالالتزام بالسرية ، وهذا الأمر لا يستقيم مع ما تقرره أحكام القانون بخصوص عقد البيع .

    4 – إن محل عقد تقديم الاستشارة القانونية ، المتمثل بالاستشارة القانونية شيء غير مادي لا يدخل في عالم الحس ولا يدرك إلا بالفكر المجرد ، فهو حتمأ يختلف عن محل عقد البيع في طبيعة الأخير الذي يدرك بالحس وله جسم يتمثل به ، فالاستشارة القانونية من خلق وابتكار الذهن ، تختلف عن محل عقد البيع المتمثل بالشيء المادي الذي يؤتي ثماره بالاستحواذ عليه والاستئثار به ، خلافاً للمشورة القانونية التي تؤتي ثمارها بالانتشار والانتقال من شخص الأخر، فعقد البيع يفترض انتقال شيء من شخص لأخر ، وهذا لا يمكن تحققه بالنسبة للخدمة المتمثلة بالاستشارة القانونية ، ذلك لأنها تنطوي على أفكار ، فإذا انتقلت الفكرة من شخص لأخر صارت الفكرة لدى كليهما.

    5- لا يستطيع المستفيد أن يلجأ إلى قواعد التنفيذ الجبري عند امتناع المستشار القانوني أداء الاستشارة القانونية، وذلك للارتباط الوثيق بين الاستشارة القانونية كمحل للعقد وبين المستشار القانوني صاحب المعرفة والتخصص ، ويقتصر حق المستفيد في المطالبة بإنهاء الرابطة التعاقدية والتعويض إن كان له مقتضي ، وهذا الأمر يختلف عما تقرره القواعد الخاصة بعقد البيع عند أخلال البائع بالتزاماته في عقد البيع.

    6- ليس من السهل التسليم بوجود تقسيم للبيوع إلى بيع أشياء أو حقوق وبيع خدمات ، فالخدمة بصورة عامة تخضع إلى صور متميزة من العقود تختلف عن عقد البيع كعقد العمل والمقاولة.

    ۷ – لا يمكن الركون إلى نية الطرفين في تحديد التكييف القانوني لعقدهما وخصوصاً في عقد تقديم الاستشارة القانونية الذي يتميز بأنه ينطوي على علاقة غير متوازنة بين طرفين احدهما قوي أو كفوء علمية بما يملكه من تخصص وخبرة ومعرفة علمية في مجال القانون ، والأخر ضعيف لا يملك التخصص والمعرفة العلمية في مجال القانون المتمثل بالمستفيد ، إذ لا عبرة للألفاظ التي يستعملها المتعاقدان أذا تبين أنهما أتفقا على عقد غير العقد الذي سمياه ، فقد يكونا مخطئين في التكييف وقد يتعمدان إخفاء العقد الحقيقي تحت اسم العقد الظاهر).

    ۷- وأخيرا أن ما قيل بصدد اتحاد العقدين بعدة خصائص وهي ، كونهما من العقود الملزمة اللجانبين وأنهما بعوض ، وأنها من العقود المحددة في الأصل ، هي علاوة ما تم تفنيده بخصوص ملكية الاستشارة القانونية ، فأنها لا تعدو أن تكون خصائص عامة تشترك فيها جميع العقود.

    هذه الصعوبات في جملتها كانت وراء محاولة بحثنا عن فكرة أخرى ، تحاول تكييف عقد تقديم الاستشارة القانونية على انه عقد مقاولة ، وكما هو موضح في المطلب القادم.

  • هل عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد وكالة؟

    تعرف الوكالة بأنها إقامة الغير مقام النفس في التصرف الجائز المعلوم ممن يملكه؟، أما القانون المدني العراقي فيعرف

    الوكالة في المادة / ۹۲۷ بأنها

    (( عقد يقيم به شخص غیر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم ))

    ، وعرفها القانون المدني المصري في المادة / ۹۹۹ بأنها

    (( الوكالة عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل ))

    ، كما ويعرفه المشرع الفرنسي في التقنين المدني في المادة / 1984

    (( بأنه العقد الذي بمقتضاه يعطى شخص لأخر سلطة أبرام تصرفات قانونية باسمه ولحسابه )).

    فالوكالة تسمح للإنسان أن يكون حاضرة في أكثر من مكان ، لأنه بواسطة وكلائه يكون ممثلا في عدة جهات وفي آن واحد ، كما تسمح للشخص أن يبرم بواسطة غيره مالا يستطيع أن يبرمه بنفسه من التصرفات ، أما بسبب عجز مادي ، كالمعاق الذي لا يستطيع الحركة ، والمرأة التي لا تريد الخروج من بيتها ، والمسافر الذي لا يستطيع العودة لأبرام العقد أو الشخص المعنوي الذي ليس له يد يتصرف بها ، إلا بواسطة وسطائه ووكلائه بسبب عجز فكري ومعنوي.

    ومن التعاريف السابقة يمكن القول أن المشرعيين المصري والفرنسي كانا أكثر دقة في تحديد معنى الوكالة من المشرع العراقي ، حيث أن التزام الوكيل هو القيام بعمل قانوني ، ذلك أن الوكيل ينوب عن الموكل ، والنيابة تقتصر على الأعمال القانونية دون الأعمال المادية ، والوكالة كما هو معروف من العقود الواردة على العمل ، بيد أنها تتميز عن سائر العقود الواردة على العمل كعقد المقاولة وعقد العمل بسمتين أساسيتين لهما نتائجهما على عقد الوكالة في الاحتفاظ بذاتيته الخاصة به وهاتين السمتين:

    الأولى : وجود النيابة القانونية ، فالوكيل نائب وممثل عن الموكل يتعاقد مع الغير بأسم الموكل ولصالحه.

    الثانية : إن الوكالة ترد على التصرفات القانونية التي يبرمها الوكيل الصالح الموكل ، فالملتزم فيه وهو الوكيل ينوب عن الدائن وهو الموكل بالقيام بعمل قانوني باسمه ولحسابه.

    ويتميز عقد الوكالة بعدة خصائص فهو من عقود التراضي ، ومن عقود المعاوضة ، ومما تجدر الإشارة اليه إن الأصل في الوكالة أنها تبرعية ، ولكن قد تكون من عقود المعاوضة أذا اشترط الأجر فيها صراحة أو ضمنأ ، وهي من العقود الملزمة للجانبين .

    ولما كان بحثنا ينصرف إلى التعرف على التكييف القانوني لعقد تقديم الاستشارة القانونية فإنه وفي ضوء تلك الخصائص المميزة لعقد الوكالة ، هل يمكن القول إن عقد تقديم الاستشارة القانونية هو أحد تطبيقات عقد الوكالة ؟

    للإجابة عن ذلك فإننا نقسم هذا المطلب على فرعين هما:

    الفرع الأول : عرض فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد وكالة

    الفرع الثاني : تقويم فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد وكالة

     

    الفرع الأول

    عرض فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد الوكالة

    لما كان المستشار القانوني يقوم بإعداد الاستشارة القانونية على النحو السابق إيضاحه ، بالإضافة إلى إنه في بعض الأحيان يقدم المساعدة الفنية اللازمة عند تنفيذ هذه الاستشارة ، إلا إنه في هذه الأعمال لا يقوم بعمل قانوني ، حتى يمكن القول بأن محل عقده هو عين محل عقد الوكالة . ولا يقدح في ذلك كونه يقوم بأداء هذا العمل للمستفيد ، حيث كما سبق الذكر ، الوكالة تقتضي القيام بالتصرفات القانونية ، بأسم ولحساب الموكل.

    وعلى الرغم من هذه الحقيقة ، إلا أن هناك بعض السمات التي تثير الشك في أن علاقة المستشار القانوني بالمستفيد هي علاقة وكيل بموكله ، ومن ثم يمكن القول أن الرابطة القانونية بينهما ترتدي ثوب عقد الوكالة ، وما يترتب على ذلك من نتائج ، أسوة بما هو متبع بصدد بعض عقود المهن الحرة ، كالعقد الطبي ، وعقد المحامي مع عميله ، وهذا هو ما كان معمولاً به أبان القانون الروماني في التمييز بين الأعمال المادية ، والأعمال الذهنية ، حيث كان يخضع هذه الأخيرة لأحكام عقد الوكالة.

    ويمكن مما تقدم أن نستند إلى الحجج الآتية في تكييف العلاقة بين المستشار القانوني والمستفيد على أنها عقد وكالة:

    1- من حيث الاعتبار الشخصي ، يعد عقد الوكالة من عقود الاعتبار الشخصي الذي يقوم على الثقة بين المتعاقدين ، فالموكل ادخل في اعتباره شخصية الوكيل ، بحيث أن الثقة والأمانة محل اعتبار في العقد وكذلك الحال في عقد تقديم الاستشارة القانونية ، بحيث يكون المستشار القانوني ملزم بإعطاء مشورة تجسد خبرته وتجربته في مجال القانون والتي يضعها الخدمة المستفيد غير المختص في القانون ،

    والعلة في اختيار المستشار القانوني دون غيره راجع إلى الثقة والاعتبار الشخصية المستشار القانوني وخبرته وذلك لما يتصف به من أمانة ومهارة في تخصصه ، هذه الثقة لم تكن وليدة آنية وإنما راجعة إلى اعتبار وشهرة المستشار القانوني في إرساء وتقديم الرأي السديد والفكرة الناضجة والحلول المدروسة().

    ۲ – الوكيل يعمل لحساب الموكل وباسمه ، ومع ذلك فأنه يتمتع باستقلال في أداء مهمته وكذلك المستشار القانوني فهو يمارس عمله كنائب عن المستفيد ، وفي نفس الوقت يؤدي عمله والمهام المكلف بها باستقلال عنه.

    3 – إن عمل المستشار القانوني تغلب عليه الصفة العقلية أو الذهنية ، فلا يمكن أن يكون محلا لعقد مربح ، لذا فإنه يخضع لعقد الوكالة حتى لا يوضع العمل العقلي في مستوى العمل اليدوي ، ولا ينحط العلم ليكون وسيلة للتجارة().

    4 – عقد تقديم الاستشارة القانونية ، كعقد الوكالة، يتميز بأنه عقد غير لازم ، إذ يجوز كقاعدة عامة أن يعزل المستشار القانوني ، وللمستشار القانوني أن يتنحى عن عقد تقدیم الاستشارة القانونية.

    5- يعد الالتزام بالتبصير و الأعلام من أهم عناصر الالتزام بالاستشارة الناشئة عن عقد تقديم الاستشارة القانونية، وهي ذات الالتزامات التي تقع على عاتق الوكيل ، الذي يلتزم بتبصير موكله واعطائه المعلومات اللازمة والحالة التي وصل اليها في تنفيذ الوكالة وعلى هذا نصت المادة / ۹۳۶ من القانون المدني العراقي على

    (( على الوكيل من وقت لأخر أن يطلع الموكل على الحالة التي وصل اليها في تنفيذ الوكالة ، وان يقدم له حسابا بعد انقضائها)) ،

    وتنشأ مسؤولية الوكيل في حالة تأخره في تبصير موكله.

    6 – لا يقتصر التزام المستشار القانوني على أداء مشورته ، بل يلزم كذلك باتباع كافة الوسائل التي تمهد القيام بهذا الالتزام مما يقرب عمله من عمل الوكيل .

    ۷ – إن الوكالة ليست دائما تبرعية ، بل إن الوكيل يستحق اجر المثل وأن لم يتم الاتفاق على الأجر في العقد حيث نصت المادة / 1/940 من القانون المدني العراقي على انه

    (( 1- أذا اشترطت الأجرة في الوكالة وأوفى الوكيل العمل يستحقها وان لم تشترط ، فأن كان الوكيل ممن يعمل بأجر فله اجر المثل والا كان متبرعة )) ،

    فالوكالة وأن كانت بحسب نشأتها أنها عقد تبرعي ، إلا إن هذه الخصيصة قد تلاشت مع تطور هذه المهنة ، وبهذا تتفق مع عقد تقديم الاستشارة القانونية التي تكون دائمأ بمقابل  .

    ۸- أما من حيث الأجر ، فأن القضاء يطبق أحيانا أحكام عقد الوكالة على عقد تقدیم الاستشارة القانونية فيما يتعلق بجزئية تخفيض الأتعاب المغالي فيها (، فالقضاء له سلطة تخفيض أجر الوكيل إذ كان هذا الأجر مغالى فيه.

    واذا كانت هذه الأسباب هي التي أدت بأصحاب هذا الرأي للقول بأن عقد تقديم الاستشارة القانونية هو صورة من صور عقد وكالة إلا أنه لا يمكن التسليم بهذا التكييف على أطلاقها وهذا يتطلب منا تقويم هذه التكييف والذي سيكون مدار بحثنا في الفرع القادم.

    الفرع الثاني

    تقويم فكرة عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد الوكالة

    لم يسلم هذا التكييف لعقد تقديم الاستشارة القانونية من إعادة تقويمه مرة أخرى ، وذلك لأنه لا يمكن التسليم بهذه الفكرة نظرا إلى الانتقادات الشديدة التي أدت إلى زعزعت أركانه وذلك لكونه يتعارض مع الواقع القانوني لعقد تقديم الاستشارة القانونية ويتبين ذلك من خلال النقاط التالية:

    ١- يتميز عقد الوكالة بأنه يقوم على ركيزتين أساسيتين :

    الأولى تتمثل في إن الوكيل ينوب على الموكل فيتعامل مع الغير بأسم هذا الموكل ولحسابه ، أما الثانية فتتمثل في أن الوكالة لا ترد إلا على التصرفات القانونية .

    أما عقد تقديم الاستشارة القانونية فلا وجود فيه لهاتين الركيزتين ، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال عد الاستشارة القانونية تصرفأ قانونأ هذا من جهة ،

    ومن جهة أخرى فأن المستشار القانوني يتعامل باسمه ، وتصدر الاستشارة القانونية باسمه ، في حين إن الوكيل يبرم التصرف بأسم الموكل لا باسمه الشخصي).

    ۲ – إن الوكيل لا يسأل إلا عن بذل العناية اللازمة في إنجاز العمل الموكل اليه وهذا ما أشارت اليه المادة / 934 من القانون المدني العراقي ، بينما يلتزم المستشار القانوني بتحقيق نتيجة تتمثل في إنجاز الاستشارة القانونية وتسليمها للمستفيد .

    3 – إن القول بأن العمل العقلي لا يصلح أن يكون محط لعقد مربح قول يناقض الواقع فالمعروف أن أصحاب المهن الحرة ، التي تعتمد أغلبها على الطابع الذهني ، يبرمون مع عملائهم عقودة يبغون من ورائها الربح ، ولا تعاب سمعتهم إن قاموا بها مقابل أجر).

    4 – إن لجوء المحكمة إلى أحكام عقد الوكالة للوصول إلى تعديل الأجر المتفق عليه بين المستشار القانوني والمستفيد ليس بحجة قاطعة لثبوت هذا التكييف لعقد تقديم الاستشارة القانونية ، لأن تدخل القاضي في هذه الحالة هو تدخل استثنائي الهدف منه التخفيف من المغالاة في الأجور وإعادة التوازن بين طرفي العقد.

    5 – أما التقاء العقدين في الالتزام بالتبصير والأعلام فأن الالتزامات الأخيرة هي التزامات تبعية للكثير من العقود كعقود نقل التكنولوجيا والعقود التي يكون محلها مواد خطرة ، ولا تكون مدعاة للتقريب بين عقد الوكالة وعقد تقديم الاستشارة القانونية.

    6 – وأخيرا فأن الأوجه التي قيلت بشأن تشابه العقدين هي أوجه وجوانب عامة لا ترقى إلى المستوى الذي يجعلها تربك التمييز بين العقدين . فوصف العقد بأنه رضائي ، قائم على الاعتبار الشخصي ، وانه بمقابل تمثل أوصافة عامة تلتقي فيها الكثير من العقود من دون أن تكون هذه الأوصاف مدعاة للتقريب بين هذه العقود لدرجة يتعذر معها التمييز بينهما.

    ومن خلال ما تقدم فأننا نستبعد كون عقد تقديم الاستشارة القانونية هو عقد وكالة وذلك للأسانيد التي ذكرت لتفنيد هذا الرأي من جهة ، وكون عقد تقديم الاستشارة عقد يتمتع بخصوصية لا تتفق وأحكام عقد الوكالة ، وفي ضوء هذا التقويم نحن مدعوون إلى محاولة البحث عن تكييف أخر لعقد تقديم الاستشارة القانونية بين المستشار القانوني والمستفيد ، وهذا ما دعانا إلى تصوره بأنه عقد بیع خدمة . وكما هو موضح في المطلب القادم .

  •  التكييف القانوني لعقد تقديم الاستشارة القانونية

     إن مسألة التكييف تثار عندما نكون إزاء عقد لم ينظم المشرع نصوصه القانونية في تشريع ، وهذا بدوره يقودنا إلى درج هذا العقد ضمن احد الأنظمة القانونية القائمة وذلك من خلال تكييف هذا العقد ، وبالتالي فأن على رجال القانون النظر في العقود المستحدثة ، وأن يحاولوا أدخال هذه العقود الجديدة في نطاق العقود التقليدية الأقرب اليها ، كي تسري أحكامها عليها ،

    ومن هنا تظهر أهمية تحديد الوصف القانوني للعقد ، أي تكييفه ، وذلك لكونها مسألة أساسية وضرورية لتحديد ما إذا كان العقد مسمى قد أسمى القانون شرائطه وظروفه القانونية وفق نصوص محددة ، أم كان عقد غير مسمى ، وتكمن أهمية هذا التكييف في تعين القواعد واجبة التطبيق على هذا العقد.

    ويعد التكييف القانوني لعقد تقديم الاستشارة القانونية من الموضوعات التي كانت ولا زالت محلاً للخلاف ، فقد احتدم خلاف الفقه حول تكييف علاقة المستشار القانوني بالمستفيد  ، فمنهم من يرى أن عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد غير مسمى ،

    إلا أن القول بهذا التكييف اليس تكييف بقدر ما هو هروب من التكييف فهي فكرة تؤدي إلى تجنب المشكلة اكثر من حلها ، فليس معنى ما يكتنف أية عملية تكييف لأي عقد من صعوبات أن يلجأ الفقيه إلى الأيسر والأسهل ، وهو إخراج العقد من زمرة العقود المسماة والقول بأنه عقد غير مسمى ، ومنهم من نسبه إلى أحد العقود التقليدية ،

    وأيما كانت تقسيمات الفقه ، فأن غالبية الفقه يذهب إلى إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يمكن أن يدرج تحت احدى طوائف العقود الثلاث ، أما  عقد وكالة ، وأما عقد بيع خدمة ، وأما عقد مقاولة().

    ولهذا كان لزاماً علينا أن نبحث هذه التكييفات الثلاثة الرئيسية كل على حدى ، على أن نحدد التكييف المختار من ضمن هذه التكييفات وذلك في ثلاثة مطالب حسب الاتي :

    المطلب الأول : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد وكالة.

    المطلب الثاني : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد بيع خدمة .

    المطلب الثالث : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مقاولة

  • محل عقد تقديم الاستشارة القانونية ( الاستشارة والأجر)

     يعرف محل العقد بأنه المعقود عليه أي ما وقع عليه التعاقد ، شريطة أن لا يكون مخالفة للنظام العامة والأداب  ، ويظهر محل العقد في أثر العقد وأحكامه وهو يختلف باختلاف العقود فقد يكون عينة أو منفعة أو عملاً.

    وعندما تطرق المشرع العراقي في القانون المدني لمحل العقد أشار إلى محل الالتزام ، وهذا ما نصت عليه المادة / 124 منه على انه

    (( لابد لكل التزام نشأ عن العقد من محل يضاف إليه يكون قابلا لحكمه ، ويصح أن يكون المحل مالاً ، عيناً كان أو ديناً أو منفعة ، أو أي حق مالي أخر ، كما يصح أن يكون عملا أو امتناع عن عمل ))، وكذلك المواد القانونية التالية لها الخاصة بمحل الالتزام وهو الأمر الذي يلتزم به المدين ، والمتمثل بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو امتناع عن عمل.

    ومما تجدر الإشارة اليه إن المشرع العراقي قد خلط بين محل العقد ومحل الالتزام ، والصحيح أن محل العقد يختلف عن محل الالتزام ، إذ ينصرف مفهوم محل العقد إلى ما ورد عليه العقد ، أما محل الالتزام هو تنفيذ ما اتفق عليه المتعاقدين ، كما هو الحال في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأن محل عقد الاستشارة القانونية يتمثل في تقديم الاستشارة القانونية والمقابل المالي ، أما محل التزام المستشار القانوني هو تقديم الاستشارة القانونية ، ومحل التزام المستفيد هو دفع الثمن .

    أذن فمحل العقد هو شيء أو دين أو خدمة ذات قيمة مالية ، ويشترط في المحل العقد أن يكون موجودة أو ممکن الوجود في المستقبل ، وان يكون معينة أو قابلا للتعيين ، وان يكون مشروعا .

    وعليه فان محل عقد تقديم الاستشارة القانونية ، يتمثل بالاستشارة القانونية من زاوية المستشار القانوني ، والمقابل المالي عند النظر إلى المحل من زاوية المستفيد ، إذ إن العملية القانونية التي يتم التراضي عليها في هذا العقد هي ليست عملية واحدة فقط وإنما اثنتان ، وهذا ما سنتناوله في الفرعين الآتيين :

    الفرع الأول : الاستشارة القانونية

    الفرع الثاني : الأجر

    الفرع الأول

    الاستشارة القانونية

    تعد الاستشارة موضوع ومحل عقد تقديم الاستشارة القانونية وهدفه وهي الخدمة  التي تقدم من المستشار القانوني إلى المستفيد من خلال الاعتماد على معرفته العلمية العملية كقاعدة أساس.

    والاستشارة لغة أصلها شور أي طلب منه الاستشارة ، اشتور القوم شاور بعضهم بعضا الاستشارة ما ينصح به من رأي وغيره .

    والاستشارة وتقول منه شاؤه في الأمر واستشرته وفلان خير شير أي يصلح للمشاورة وشاوره مشاوة وشوارة واستشاره طلب منه الاستشارة .

    ولم يتفق الفقه القانوني على تحديد معنی جامع للمشورة القانونية كمحل للعقد فذهب البعض إلى اعتبارها معلومات ذات قيمة اقتصادية جديرة بالحماية يمكن نقلها بأي وسيلة وأن العقد الوارد على المعلومات يعد عقد تقدیم مشورة مادام هذا العقد ينشأ التزامأ أصلية بتقديم

    هذه المعلومات ، أي أن الاستشارة القانونية تنصرف إلى الرأي المقدم للمستفيد سواء كان هذا الرأي موجهة اليه أم لم يكن كذلك .

    في حين يرى جانب ثاني من الفقه إلى أن الاستشارة القانونية المقدمة لا تنصرف إلى معنى الرأي المجرد بل يجب أن يكون هذا الرأي هاديا ومرشدا للمستفيد ودافعة لأتخاذ قرار بالتصرف من عدمه.

    ونحن نؤيد الاتجاه الثاني حيث إن تخصص المستشار الدقيق واعتماده على نشاط الفكر والعقل الذي يتميز به ، والثقة التي يوليها المستفيد للمستشار القانوني والغاية التي يسعى أليها المستشار القانوني من تقديم الاستشارة القانونية وهي الأجر ، كل ذلك يحتم أن تكون الاستشارة القانونية موجهه لطالبها لأتخاذ قرار معين ، أي يجب أن تكون هادية ومتضمنة التوجيه الأتخاذ موقف معين .

    ومما سبق يمكن تعريف الاستشارة القانونية بأنها معلومة متخصصة في مجال القانون ، ناتجة عن تحليل ودراسة وضع المستفيد ، وتعكس خبرة المستشار القانوني والتي من شأنها توجيه المستفيد نحو أتخاذ قرار معين .

    وتختلط الاستشارة القانونية ببعض المفاهيم القانونية الواردة في بيان الرأي وإسداء النصح کالمعلومات والفتوى والتفسير .

    فالاستشارة القانونية قد تتشابه مع المعلومة في إن كلاهما معلومات مقدمة من المستشار القانوني أو الخبير أو غيرهم للمستفيد ، ويختلفان عن بعضهما في أن المعلومة ما هي إلا رأي مجرد وبيان في موضوع معين بدون أن يكون من شأنها توجيه المستفيد لأتخاذ قرار معين ، في حين أن عنصر الإرشاد والتوجيه هو الركن الأهم في الاستشارة القانونية ، فالمعلومة تكون مجردة من النصيحة حيث يقتصر التزام مقدمها على وضعها تحت يد المستفيد دون أن يتعدى ذلك حل مشكلة المستفيد في حين أن الاستشارة القانونية يجب أن تكون هادية ومرشدة للمستفيد لحل المشكلة محل الاستشارة.

    وقد تختلط الاستشارة بالفتوى ، فالفتوى لغة : افتاه في الأمر أي أبانه له وأفتي المفتي أذا أحدث حكماً ، وأصطلاحاً يقصد بها ما أجاب العالم أو المختص في المسائل الشرعية وهي على نوعين فتوى يقصد بها تبليغ الأحكام دون أي هدف وفتوى تشمل تقديم اقتراح الحل مشكله ما وهذه تقترب من الاستشارة ، إلا أن الاختلاف بين الاستشارة والفتوى لم يحول ، من الناحية العملية من استخدام لفظ الفتوى في مجالات أبداء الاستشارة خصوصا تلك المتعلقة بالجوانب القانونية كالفتاوى الصادرة من مجلس شورى الدولة بصدد طلب جهة رسمية توضيح جانب معين من قانون بغية الاطمئنان إلى تطبيقه بشكل سليم.

    هذا وقد يختلط مفهوم الاستشارة القانونية بالتفسير ، فالتفسير عملية توضح ما أبهم من الألفاظ وتكميل ما اقتضب من نصوص وتخريج ما نقص من أحكامه والتوفيق بين أجزاءه المتناقضة، فجوهر الخلط بين التفسير والاستشارة القانونية هو أن كليهما عملية فكرية ترتبط بالمعرفة والتخصص ، إلا أنه يمكن وضع الحدود الفاصلة بينهما من حيث أن التفسير لا يعدو أن يكون مجرد رأي لا يتضمن التوجيه والإرشاد في حين نجد أن الاستشارة القانونية يجب أن تكون هادية ومرشدة للمستفيد .

    ويثار في هذا الصدد تساؤل حول الطبيعة القانونية للمشورة القانونية فقد انقسم الفقه القانوني في هذا الصدد إلى اتجاهين:

    فذهب الاتجاه الأول إلى اعتبار الاستشارة القانونية معلومة ، لها طبيعة قانونية خاصة ، بعد التسليم بتميزها عن الأشياء المادية في كونها غير قابلة للحيازة والاستئثار وهذه الطبيعة الخاصة تجعل بالإمكان وضع حماية قانونية للمشورة حتى ولو كانت هذه المعلومة لا تنتمي إلى الفكرة الأدبية أو الذهنية أو الصناعية من خلال إقرار انتماء المعلومة إلى مجموعة القيم المحمية.

    أما الاتجاه الثاني فيري إن الاستشارة القانونية لها قيمة قابلة للاستحواذ ، حيث يرى هذا الاتجاه إن الاستشارة بوصفها معلومات مصاغة في قالب معين تتمتع بأهمية ثقافية وسياسية واقتصادية جديرة بأن ترفعها إلى مرتبة الأموال ، يتحدد سعرها وفقا لظروف العرض والطل، ويستدل هذا الاتجاه على ذلك بما درجت عليه الجهات المتخصصة في تقديم الاستشارات التي يلجأ أليها الأفراد ملتمسا النصح والاستشارة ، من بيع ما لديها من معلومات في ظل حماية القانون .

    ونحن بدورنا نذهب مع الاتجاه الثاني لما يمثله من حماية للمشورة القانونية وضمان لحق المستشار القانوني فيها ، إذ أن هذه الحماية تجعل الجهد المبذول من المستشار في مأمن من الهدر والاستغلال من قبل الغير بدون مقابل.

    ويشترط في الاستشارة القانونية باعتبارها محلا لعقد تقديم الاستشارة القانونية أن تكون ممكنه ومعينة أو قابلة للتعيين ومشروعة فالاستشارة القانونية يجب أن تكون ممکنه لأنه لا التزام بمستحيل والا كان العقد باطلا بحسب نص المادة /۱/۱۲۷ إذ تنص على أنه

    ((1- اذا كان محل الالتزام مستحيلا استحالة مطلقة كان العقد باطلاً )) كمن يطلب مشورة قانونية من محامي حول إمكانية التحايل على القانون للإفلات من عقاب جريمة ارتكبها ، ويجب أن تكون الاستشارة القانونية معينه تعينأ نافياً للجهالة أو يمكن تعيينها إذ تنص المادة / ۱/۱۲۸ | على انه

    ( ۱ – يلزم أن يكون محل الالتزام معينة تعينا نافية للجهالة الفاحشة……) ، ويجب أن تكون الاستشارة القانونية مشروعاً فإذا كانت غير مشروعة و مخالفة للقانون والنظام والآداب العامة  والآداب العامة كان عقد تقديم الاستشارة القانونية باط” حيث نصت المادة / ۱/۱۳۰

     على انه

    (( يلزم أن يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونا ولا مخالف للنظام العام وللأداب وألا كان العقد باطلا )).

    ومما تقدم يمكننا القول إن المحل الأساسي في عقد تقديم الاستشارة القانونية يتمثل في الاستشارة التي هي نتاجأ لأداءات ذهنية في مجال القانون ويظهر الباعث الدافع للتعاقد مع المستشار القانوني في الثقة والاعتبار الشخصي ، الذي يعتمد على أداء معين للمستشار القانوني والذي يضع المستفيد ثقته فيه ، لغرض الحصول على الاستشارة الهادية والمرشدة.

    الفرع الثاني

    الأجر

    إن عقد تقديم الاستشارة القانونية باعتباره عقد ملزم للجانبين يرتب التزامات متقابلة على كل طرف من أطرافه ، وهما المستفيد والمستشار القانوني ومن هذه الالتزامات ، الأجرة التي يدفعها المستفيد إلى المستشار القانوني.

    والأجر هو الوجه الثاني للمحل في عقد تقديم الاستشارة القانونية وهو المال الذي يلتزم المستفيد بدفعه للمستشار القانوني في مقابل قيام الأخير بتقديم الاستشارة القانونية ، وبما أن الأجر هو المحل الذي يلتزم به المستفيد لذا يجب أن يكون معينأ بنوعه ومقداره شأنه شأن أي محل للالتزام ، فيلتزم المستفيد أن يؤدي للمستشار القدر المذكور من الأجر في العقد دون أن يكون لارتفاع قيمة هذه النقود أو لانخفاضها وقت الوفاء أي أثر . وليس من اللازم أن يؤدي المدين النقود من النوع المنصوص عليه في العقد ، بل أن المستفيد يودي ما بذمته من الأجر وفق سعر قانوني يساوي القدر المتفق عليه في العقد)، وتشترط القواعد العامة في القانون المدني عدد من الشروط التي يجب أن تتوفر في المحل ، نتناولها تباعاً.

    أولاً : أن يكون الأجر موجوداً أو قابل للوجود:

    الأجر لا بد من وجوده والا كان عقد تقديم الاستشارة من عقود التبرعات ، والأصل أنه متى دلت الظروف على أن الاستشارة ما كانت لتنجز بدون اجر فأن المستفيد يكون ملزمة بدفع قيمتها للمستشار القانوني ، حتى لو جاء العقد خالية من الإشارة إليه ، ويتعين على المحكمة أن تعتبر أن هنالك أتفاق ضمنية بين المستفيد والمستشار القانوني على وجود الأجر إذ تنص المادة / ۲/۸۸۰ من القانون المدني العراقي على

    (( ويجب اعتبار أن هناك اتفاق ضمنية على وجوب الأجر اذا تبين من الظروف أن الشيء أو العمل الموصي به ما كان ليؤدي إلا القاء أجر يقابله)).

    فمتى أعتبر الأجر موجودة فأن مقداره أنما يحدد على أساس اجر المثل ، إذ تنص المادة | /59 من قانون المحاماة العراقي على انه

    (( إذا لم تحدد أتعاب المحاماة بأتفاق خاص يصار في تعينها إلى أجر المثل ))

    وكذلك نص المادة /۳۱ من قانون محاماة في إقليم كردستان العراق إذ تنص على أنه

    (( اذا لم يعين بدل أتعاب المحامي بأتفاق خاص يصار في تعينها إلى أجر المثل)))

    بأعتبار الاستشارة القانونية عمل من أعمال المحاماة حسب ما جاء في المادة / 1/۲۲ من قانون المحاماة العراقي. ويجب أن يكون الأجر جدية أي مقاربة للحقيقة وأن تتجه إرادة المستفيد إلى دفعه وأن تتجه إرادة المستشار القانوني إلى استيفاءه ، وليس من الضروري أن يكون الأجر مساوية تماما لقيمة العمل ، وإنما يجب أن يكون جدية وغير صورية .

    ثانياً : أن يكون الأجر معيناً أو قابلا للتعيين:

    ويكون الأجر معينأ عندما يتفق الطرفان على تحديده في العقد ويحدد الأجر من قبل المستشار القانوني والمستفيد بعدة صور ، فقد يتم تحديد الأجر أجمالا فيتفق المستشار القانوني مع المستفيد على مبلغ أجمالي مقدمة عند أبرام العقد ومن مزايا هذه الصورة إن المستفيد يعلم مقدما مقدار الأجر الذي سيدفعه للمستشار القانوني .

    وقد يتحدد الأجر على أساس ثمن القائمة حيث توجد قائمة تتضمن سعر لكل نوع من أنواع الاستشارة ، وقد لا يعرض المستشار القانوني أو المستفيد لتحديد مقدار الأجر أص ، فيتكفل القانون تحديد مقدار الأجر  إذ تنص المادة /59 من قانون المحاماة العراقي على انه

    (( أذا لم تحدد أتعاب المحاماة بأتفاق خاص يصار في تعيينها إلى أجر المثل )).

    ثالثاً : أن يكون الأجر مما يجوز التعامل فيه:

    يجب أن يكون الأجر غير مخالف لنص قانوني أو للنظام العام أو الآداب العامة ، ومن هنا فلا يجوز أن يتعهد المستفيد من أن يقدم المخدرات أو الأثار أو عملة مزورة كمقابل للمشورة التي قدمها المستشار وهذا ما دلت عليه المادة /1/۱۳۰ من القانون المدني العراقي على

    (( يلزم أن يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونأ ولا مخالف للنظام العام أو الأداب العامة وألا كان العقد باطلاً )) .

  • اطراف عقد تقديم الاستشارة القانونية

    من خلال استعراضنا لعقد تقديم الاستشارة يتضح لنا أن الفقه القانوني قد استقر على أن لهذا العقد طرفين الأول هو المستشار والثاني هو المستفيد .

    ولذلك فأننا نبحث في هذا المطلب اطراف عقد تقديم الاستشارة في الفرعين الآتيين:

    الفرع الأول: المستشار القانوني

    الفرع الثاني: المستفيد

    الفرع الأول

    المستشار القانوني

    تطلق تسمية المستشار بشكل عام على الشخص الذي يؤخذ رأيه في أمر هام علمي أو فني أو سياسي أو قانوني أو نحوه ، وبشكل خاص في موضوع دراستنا المستشار القانوني كطرف من أطراف عقد الاستشارة القانونية وهو المهني المتخصص في مجال القانون الذي يقوم بتقديم أداء للمستفيد هذا الأداء هو الاستشارة القانونية التي يعدها بناء على دراسة وتحليل الوضع المستفيد ، وفي ضوء حاجات الأخير ، وكذلك الأصول الفنية المرعية يقدم المستشار القانوني دراسته التي تعد بمثابة رأي يهدي المستفيد إلى اتخاذ قرار معین . 

    كما يعرف المستشار القانوني بأنه كل مهني متخصص في مجال القانون سواء أكان شخصأ طبيعية ، معنوي يحترف مهنة معينة ، يقوم بتقديمها لعميل ليهديه إلى اتخاذ قرار معین .

    فالمستشار شخص يمتلك قدرة من المعرفة الفنية يفوق حتمأ ما يمتلكه المستفيد ، فالفرض في المستشار القانوني انه فني متخصص في فرع من فروع الأنشطة الإنسانية ، ويجب أن نلاحظ أن درجة التخصص لدى المستشار القانوني من الدقة بمكان بحيث تعد الفارق الذي يعيننا على التمييز بين المستشار القانوني والمستفيد ، فالمستشار يقدم خبراته ودرايته المتمثلة في شكل مشورة قانونية للمستفيد و هي اداءات ذات طبيعة ذهنية وعقلية ، فالمستشار القانوني لا يكون مجرد عامل على أله أو كونه يطبق نظريات فنية معينة وإنما هو نتاج عقل بشري وخبرة أنسان ، فهو مهني متخصص يتمتع بمهارات فنية خاصة ويمتلك معارف متميزة يقدمها للمستفيد على وجه الاستقلال .

    ويثار بهذا الصدد مسألة ألا وهي أذا ما ابدى الحرفي نصيحة أو استشارة لشخص ما، فهل يعد هذا الحرفي مبرمة لعقد تقديم الاستشارة ويلحق به وصف المستشار ؟

    والمتمعن في مفهوم الحرفة يرى أنها تتمثل في تكريس نشاط الفرد العمل معين واتخاذه مهنة له ، أي أنه كل عمل يمارسه الفرد بصورة يدوية أو ميكانيكية ، أما مهنة المستشار فأنها تعتمد بالدرجة الأساس على التفكير والتحليل وتستند إلى معلومات مسبقة أو مستنبطة ،

    فمتى ما استنبط الحرفي وحلل وابدي رأيه في أمر معروض عليه عد ذلك ممارسة المهنة تقديم الاستشارة.

    ويذهب اتجاه أخر إلى عدم إضفاء صفة الاستشاري على الحرفي ذلك لأن فكرة الاحتراف خاصة بالشخص الطبيعي ولا تمتد إلى الشخص المعنوي في حين أن مهنة تقديم الاستشارة قد يقوم به شخص طبيعي أو معنوي.

    ألا أن هذا الكلام ينطبق فيما اذا كنا بصدد عقد مشورة في غير مجال القانون ذلك لأن القانون حصر إعطاء الاستشارة القانونية في طائفة المحامين وكذلك المكاتب الاستشارية في كليات الحقوق والقانون .

    ولكل ما تقدم يمكن تعريف المستشار القانوني بأنه كل شخص طبيعي أو معنوي مختص في مجال القانون يمتلك بحكم تفوقه ومعرفته ما يؤهله لتقديم مشورة قانونية للمستفيد تكون هادية ومرشده له في اتخاذ قرار من عدمه.

    من هذا التعريف يتبين لنا إن المستشار القانوني قد يكون شخصأ طبيعة وقد يكون شخصاً معنوياً وعلى ذلك فأننا نبحث في صور المستشار القانوني باعتباره شخصأ طبيعة وباعتباره شخصاً معنوياً وحسب الاتي:

    أولاً : المستشار القانوني باعتباره شخصأ طبيعية:

    سبق وأن عرفنا المستشار بصورة عامة ، بأنه شخص مهني متخصص يقدم أداء ذهنية وعقلية يتمثل في رأي قانوني يقود المستفيد لأتخاذ قرار معين إزاء مشكلة معينة ، وهو بهذا يتمييز عن مقدمي الخدمات الأخرى ، كالمساعد الفني ، والمدير ، والخبير، وهذا يقودنا إلى التمييز بين المستشار وبين مقدمي هذه الخدمات.

    ويتميز المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية عن المساعد الفني الذي يقوم بنقل المعارف للأفراد في مجال فني ، فيقدم خدمات يغلب عليها الطابع المادي وأن كانت البعض منها ذات طابع ذهني ،

    في حين إن ما يميز أداء المستشار القانوني انه يغلب عليه الطابع الذهني والعقلي وأنه يتدخل بشكل مباشر عن طريق الاستشارة القانونية التي من شأنها لو طبقت أن توجه المستفيد نحو قرار معين كما بينا ذلك سابقا.

    فالمستشار القانوني يلتزم بتقديم أداء ذهني ، ولا يصبح كمساعد فني يقوم بتنفيذ الاستشارة المعطاة ، ومع ذلك فأن المستشار القانوني عليه أن يقدم العون والمساعدة للمستفيد ، حتى يستطيع الأخير تنفيذ الاستشارة القانونية المقدمة من قبل المستشار القانوني ، وهذه المساعدة تكون في الفترة التي يبدأ فيها المستفيد تنفيذ الاستشارة ووضعها موضع التنفيذ ، وهذه المساعدة تعتبر تطبيق الواجب التعاون المفروض على المستشار القانوني في علاقته بالمستفيد  ، لذلك يلزم أن يكون المستشار القانوني مؤهلا متمرنأ ، ذا تخصص متميز يتيح له تقديم مشورة منتجة بناء على ما يملكه من معلومات وخبرات تؤهله لأعداد وتقديم مشورة قانونية تعكس تفوقه في هذا المجال .

    ونؤيد الرأي في أن المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية يتميز عن المدير الذي يتولى أدارة مشروع معين أو ينظم شيئا معيناً ، في كون الأخير يتولى إدارة مشروع معين أو تنظيم بعض نواحيه في حين أن المستشار لا يدير الأعمال ، وإنما يكون دوره توجيه المستفيد بأبداء مشورة تبين له ما يجب فعله إزاء مشكلة معينة دون أن يكون له حق إدارة هذه المشكلة فهو يمد المستفيد بأداء ذا طبيعة ذهنية وعقلية محضة وبالتالي لا يعد مسؤولاً عن المشروع ككل .

    ومع هذا القول هناك من يرى أن تمييز المستشار عن المدير ليس مطلقة ، وذلك أنه لا توجد خطوط فاصلة بين المستشار والمدير ، إذ أن كل من أداء المستشار والمدير هي اداءات ذات طبيعة ذهنية هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فأن المستشار يتدخل في إدارة المشروع بشكل أو بأخر ففي مجال المشروعات يلجأ المستفيد طالبة الرأي والاستشارة لأجل تنظيم أو إعادة تنظيم مشروعه ، وهذه الاستشارة تؤثر بطريقة أو بأخرى في فاعلية المشروع،

    لأنها توجه المشروع نحو اتجاه معين ، وينتهي هذا الرأي إلى القول بأنه لا توجد حدود فاصلة بين المستشار والمدير وحتى لو فرض بوجود فواصل فهي موجودة من الناحية النظرية فقط .

    ومما تجدر الإشارة اليه إن مفهوم المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية يتميز عن الخبير ذلك إن الأخير يقوم بأبداء الرأي العلمي أو الفني في واقعة أو وقائع مادية إذ تنص المادة / ۱۳۲ من قانون الأثبات العراقي على أن

    (( تتناول الخبرة الأمور العلمية والفنية وغيرها من الأمور اللازمة للفصل في الدعوة دون المسائل القانونية )) ، وهي بالتالي أي الخبرة لا تتوفر لدى الشخص الاعتيادي وانما تتوفر لدى من لديه الدراية العلمية والفنية ، والخبرة تعد من التصرفات التقريرية فهي تقرر أمرأ واقعية ، وتصفه من الزاوية الفنية ولا تضف اليه أو تنقص منه شيء أو تعدله.

    في حين إن المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية يقرر أنشاء امر لم يكن قائمة ، وذلك بتقديم رأي قانوني يوضح للمستفيد ما يجب أن يكون عليه هذا الأمر في ذاته ، أي أنه عمل إنشائي ، بينما الخبير يصف ما عليه الأمر الواقع من الناحية الفنية.

    ويبرز الاختلاف بينهما أيضأ في إن الرأي الاستشاري القانوني يقوم به أشخاص وجهات أوكل القانون أليها ذلك ، أما الخبرة فيقوم بها خبراء ذوي دراية علمية واسعة في المسائل المعروضة عليهم لوصفها وصفة فنية بحتأ ، ومن دون تقديم أراء شخصية فيها ، إلا أنه يرد على هذا الاختلاف أن القانون حدد الخبراء الذين يحق لهم تقديم الخبرة وذلك بتحديد شروط التسجيل في جدول الخبراء .

    وعلى الرغم من مما ذكر سابقاً بشأن التفرقة بينهما ، فأن الحدود الفاصلة بين المستشار القانوني والخبير ليست كبيرة ، فالمستشار القانوني حينما يقدم دراسته ويقوم بتحليل وضع المستقيد أنما يعتمد بدرجة كبيرة على الحالات السابقة التي مرت عليه والمطبقة على أوضاع المستفيد و التي تعكس أثار خبرته على الاستشارة القانونية ، فالمستشار القانوني حينما يقدم الحلول للمستفيد بعد تحليله للوقائع يعتمد على خبرته المكونة من الحالات المعروضة عليه سابقا فتنعكس بدورها على الاستشارة القانونية التي يقدمها للمستفيد .

    ثانياً: المستشار باعتباره شخصاً معنوياً:

    الصورة الثانية للمستشار القانوني هي صورته المعنوية المتمثلة بالمكاتب الاستشارية ، والتي تكون في الحالتين التاليتين:

    الحالة الأولى : وفيها يضم المكتب الاستشاري أكثر من مستشار في تخصص واحد ، فمثلا مكتباً للاستشارات القانونية يضم أكثر من مستشار قانوني مختص بشؤون الشركات مثلاً ، ويكون الهدف من تجمع واشتراك أكثر من مستشار للعمل من خلال مكتب واحد ، هو حسن تقديم الاستشارة ففرصة تحقيق النتيجة المرجوة من الاستشارة المقدمة من اكثر من مستشار والتي تتمثل بخلاصة آراء المستشارين مجتمعين أكبر من فرصة نجاح الاستشارة المقدمة من استشاري بمفرده.

    الحالة الثانية : وهي صورة المكتب الاستشاري الذي يضم أكثر من استشاري في أكثر من تخصص ، بمعنى أن يكون هنالك مكتب للاستشارات يضم مستشار قانوني مختص بالعقود ومستشار مختص بالشركات ، ومهندس استشاري ، واستشاري مالي وغيرهم .

    فاذا ما طلب المستفيد مشورة بشأن وضع مشروع ما فيقوم المكتب الاستشاري بدراسة وضع المشروع وشكله القانوني ومدى مطابقته للاشتراطات المقرر قانونأ ، وكذلك ملكية المشروع وكل ما يتصل بالنواحي القانونية ويأتي الاستشاري الهندسي فيقيم أصول المشروع ومدى سلامة أدوات الإنتاج به ، ويأتي الاستشاري المالي ليدرس السوق ومدا استيعابه لمنتج المشروع وقدرته التنافسية بين المشروعات القائمة. وفي النهاية تصدر الدراسة متضمنه خلاصة آراء الاستشاريين مجتمعين ومتضمنه الرأي الذي يراه المكتب .

    هذا وقد يكون تأسيس المكتب الاستشاري القانوني شخص من أشخاص القانون العام أو من أشخاص القانون الخاص وكالأتي :

    ١ – المكتب الاستشاري العام .

    يمكن أن يؤسس المكتب الاستشاري القانوني شخص من أشخاص القانون العام ، إذ نظم بقانون مكاتب الخدمات العلمية والاستشارية في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي رقم (7) لسنة ۱۹۹۷  إذ تنص المادة / ۱/ اولا /۱ منه على

    (( اولاُ: ۱- لكل من الجامعات والهيئات والكليات والمعاهد والمراكز التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، بناء على دراسة الجدوى وقرار مجلسها وموافقة وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، تأسيس مكاتب خدمات علمية واستشارية متخصصة أو متعدد الاختصاصات عند توفر الإمكانات ))

    من خلال هذا النص يتبين لنا انه لكل جمعية أو كلية أو هيئة التعليم التقني والمعاهد والمراكز التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تأسيس مكاتب خدمات استشارية متخصصة أو متعددة الاختصاصات عند توفر الإمكانات.

    ويتمتع المكتب الاستشاري العام بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري للقيام بالتصرفات القانونية لتحقيق أهدافه ويمثله مديره أو من ينيبه أمام القضاء والجهات الأخرى وهذا ما نصت عليه المادة / ۱ / ثانية من القانون أعلاه حيث نصت

    (( يتمتع المكتب بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري للقيام بالتصرفات القانونية لتحقيق أغراضه ويمثله مديره أو من ينيبه أمام القضاء والجهات الأخرى )).

    وتتمثل أهداف المكتب الاستشاري العام ، بتقديم الاستشارة والخدمات والخبرات العلمية والفنية والتدريبية إلى مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وتقدم هذه الخدمات القاء أجور مناسبة ، حيث نصت المادة / ۲/ أولا من قانون المكاتب الاستشارية في مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي على

    (( اولاً: تقديم الاستشارات والخدمات والخبرات العلمية والفنية والتدريبية إلى دوائر الدولة والقطاع الاشتراكي والمختلط والتعاوني وأي نشاط يقدر الوزير بأنه مفيد للقطاع الخاص لقاء أجور مناسبة )).

    ويتكون المكتب الاستشاري العام من أشخاص يتولون الأشراف عليه يتمتعون بالخبرة العلمية والفنية بحسب حقل الاختصاص ، حيث نصت المادة / ۳/ اولا على

    (( أولاً: يتولى الأشراف على المكتب مجلس يتألف من:

    1- العميد أو احد رؤساء الأقسام العلمية ممن لا تقل مرتبته العلمية عن أستاذ مساعد بالنسبة للجامعة أو الكلية أو المركز ، ومدرس بالنسبة اللمعهد ، يرشحه مجلس الجامعة أو مجلس هيئة المعاهد الفنية أو مجلس المركز ، على أن يقترن ذلك بمصادقة الوزير

    ۲- أربعة من التدريسين في الأقل يختارهم مجلس الجامعة أو هيئة المعاهد الفنية أو المركز يمثل كل منهم حقل اختصاصه ، وبأعلى المراتب العلمية المتوفرة على أن يقترن ذلك بمصادقة رئيس الجامعة ورئيس المعاهد أو رئيس المركز

    ثانياً: يختار المجلس مديرة من بين أعضائه على أن يقترن ذلك بمصادقة رئيس الجامعة أو رئيس هيئة المعاهد الفنية أو رئيس المركز ويكون نائبا للرئيس يحل محل الرئيس عند غيابه

    ثالثاً: مدة العضوية في المجلس سنتان من تاريخ أول اجتماع له قابلية التجديد لمرة واحدة ))

    ۲ – المكتب الاستشاري الخاص

    للشخص الطبيعي أن يؤسس مكتبة استشارية قانونية على أن يكون حاصلا على إجازة تأسيس المكتب الاستشاري من نقابة المحامين . وينضم المكاتب الاستشارية غير الحكومية في العراق القانون رقم (۱۹) لسنة ۲۰۰۰ حيث تنص المادة / ۲ من هذا القانون على

    (( اولا : لا يجوز فتح مكتب استشاري إلا وفق أحكام هذا القانون. ثانيا : تتولى النقابة المختصة منح إجازة تأسيس المكتب الاستشاري لأعضائها وتتولى هيئة التخطيط منح إجازة تأسيس المكتب الاستشاري في حالة عدم وجود نقابة مختصة أو عدم انتماء صاحب الطلب إلى نقابة مختصة )).

    كما أشترط القانون في الشخص الطبيعي الذي يبغي تأسيس مكتب استشاري قانوني ، أن يكون شخص طبيعي أو أكثر ، وأن يكون حاصلا على شهادة جامعية في مجال القانون ، وأن تكون له ممارسة فعليه في النشاط الذي يمارسه لمدة معينة تحددها القوانين المعنية تلي الشهادة الجامعية ، وكذلك أن يكون له محل مناسب ، وغيرها من الشروط التي تشترطها القوانين المنظمة لعمل هذه المكاتب .

    وقد تتخذ هذه المكاتب الاستشارية شكل الشركة المدنية المهنية ، ولا يوجد في العراق تنظيم للشركة المدنية المهنية ، وإنما تنظم عمل هذه الشركات القواعد العامة في قانون الشركات عموما .

    أما في مصر فان الحال لم يختلف كثيراً عن العراق ، فلم يوضع تنظيم خاص بالشركات المهنية من قبل المشرع المصري ، غير القواعد العامة في الشركة عموما التي ينظمها المشرع المصري في القانون المدني من المادة / 505 إلى المادة 537 ، وكذلك المادة 4 وه من قانون المحاماة المصري حيث نصت المادة /4 من القانون الأخير على أنه

    (( يمارس المحامي مهنة المحاماة منفرداً أو شريكاً مع غيره من المحامين أو في صورة شركة مدنية للمحاماة ))

    وتنص المادة / ه من نفس القانون على أن

    (( للمحامين المقبولين أمام محكمة النقض ومحاكم الاستئناف أن يؤسسوا فيما بينهم شركة مدنية للمحاماة يكون لها شخصية معنوية مستقلة ويزاولون المحاماة من خلالها ويجوز أن يشارك فيها المحامون أمام المحاكم الابتدائية )).

    فشركة المحاماة المدنية لا تعدو في كونها صورة للشركات المدنية بصفة عامة ، ونموذج للشركة المدنية المهنية وهي عبارة عن شخص معنوي ، ينشأ بأتفاق بين عدد من المحامين بغرض ممارسة المحاماة ممارسة جماعية بصورة مشتركة واقتسام ما يتحصل عن ذلك من أرباح ، ويجوز أن يكون اسم الشركة مستمدة من أسم أحد المحامين من الشركاء ولو بعد وفاته ، ويجوز أن ينص في النظام الأساسي للشركة على انه في حالة عجز أحد الشركاء أو وفاته استمرار الشركة بين الشركاء الأخرين .

    أما الوضع في فرنسا فأنه يختلف عما هو عليه الحال في العراق ومصر . فقد نظم المشرع الفرنسي عمل الشركة المدنية المهنية بالقانون رقم (۲۹) نوفمبر ۱۹۹۹ الخاص بالشركات المدنية والمهنية، والقانون رقم (۳۱) لسنة ۱۹۹۰ الخاص بالشركات الممارسة للمهن الحرة الذي اصبح ساري المفعول من الأول من يناير عام ۱۹۹۲.

    ويمكن حصر الشركات المدنية المهنية في فرنسا في ثلاث جهات : الأولى: المهن الطبية : وتضم الأطباء ، جراحي الأسنان ، البيطريين ، الممرضين ، أطباء العلاج الطبيعي ، أطباء العظام والأطباء النفسيين الثانية: المهن القانونية والقضائية : وتضم المحامين ، الاستشاريين القانونين ، الموثقين ، وكلاء الدعاوى أمام محكمة الاستئناف ، مأمور التفليسة ، المدير القضائي والخبراء المثمنين. الثالثة: المهن الفنية : وتضم المهندسين ، الخبير المحاسبي ، مراقب الحسابات ، وكيل التأمين ، استشاري براءات الاختراع والملكية الصناعية ، استشاري الاعلان ، استشاري التوظيف والتعيين.

    وهذه الطوائف الثلاثة للمهن الحرة المتصور ممارستها من خلال الشركة المدنية منظمة بالقانون ۲۹ نوفمبر ۱۹۹۹ بالإضافة إلى القانون ۳۱ ديسمبر ۱۹۹۰ الذي أحدث بعض التغيرات على الوضع القانوني للشركات المهنية في فرنسا.

    بعد استعراض مفهوم المستشار القانوني في القوانين المقارنة يمكننا أن نعرف المستشار القانوني بوصفه شخصأ معنوية بأنه كيان مهني متخصص في مجال القانون يتمتع بالشخصية المعنوية يؤسسه شخص طبيعي أو معنوي لتقديم الاستشارة القانونية والخبرة العلمية والفنية والتدريبة باختصاص القانون إلى المستفيد لقاء أجر معين.

    الفرع الثاني

    المستفيد

    لما كان الهدف من أبرام عقد تقديم الاستشارة القانونية يتجلى بالحصول على المعلومات  القانونية التي يرغب بالحصول عليها ، والتي من شأنها إرشاد طالبها إلى اتخاذ قرار معين ، وهذا ما يتطلع اليه الكثير من الأشخاص لتحقيقه ، فأن نهاية سلسلة المفاوضات التي تسبق مرحلة الاتفاق ، تتمثل بالعقد الذي يبرمه الشخص طالب الاستشارة القانونية والذي يسمى بالمستفيد مع المستشار القانوني.

    فالمستفيد ليس بالضرورة أن يكون على علم ودراية بكل القواعد القانونية الناظمة في الدولة ، ذلك أن الأنسان اذا كان يحوز قدرة من المعرفة الفنية في فرع من فروع النشاط الإنساني ، فأنه لا شك سوف يصبح غير عالم بباقي الفروع ، ففي نهاية القرن العشرين ، وبعد أن أصبحت العلوم تقوم على أسرار خفية لا تتوفر ملكة فهمها إلا لطائفة معينة ، فأن الشخص غير العالم بهذه الأسرار الخفية سيصبح غير متخصص في هذا الفرع من فروع المعرفة إلا أنه قد يصبح متخصصاً في فرع أخر.

    عليه يمكن تعريف المستفيد بأنه الشخص الطبيعي أو المعنوي ( العام أو الخاص) المتعاقد مع المستشار القانوني بغية الحصول على المعلومات والخدمات القانونية من الاخير اليهديه إلى اتخاذ قرار معين) ، فالمستفيد قد يكون شخصأ طبيعية عادية يهدف من حصوله على الاستشارة القانونية تلبية حاجاته الخاصة ، وقد يكون المستفيد ، شخص معنوي عام أو خاص کالمؤسسات العامة الحكومية وغير الحكومية والجمعيات والأندية .

    فالمستفيد هو الشخص غير المتخصص الذي لجأ إلى المستشار القانوني طالبة الرأي والاستشارة القانونية، والذي يعرف بأنه الشخص الذي لا يكون على علم ودراية بأصول القانون .

    إلا أن هناك من عارض فكرة عدم اختصاص المستفيد ، أذ أن من يطلب تقديم الاستشارة القانونية قد يكون متخصصة في القانون الا انه حتى وأن كان متخصصة في القانون إلا أن التخصص لا يمنع من أن يجهل المستفيد الحل المناسب لمسالة ما فيلجأ إلى متخصص أخر يستطيع الوصول إلى هذا الحل .

    وبدورنا نتفق مع هذا الرأي حيث أن تخصص المستفيد لا يمنع من أن يجهل الحل المناسب لمسألة ما فيلجأ إلى متخصص أخر يستطيع الوصول إلى هذا الحل.

    هذا ويذهب جانب من الفقه إلى استعمال ألفاظ يراها مرادفة للفظ المستفيد ومن هذه الألفاظ المستخدم النهائي – العميل – المستفيد ، فالمستخدم النهائي ينصرف مفهومه إلى الباحث عن المعلومة ، أما العميل فقد يكون مجرد معاون لهذا الباحث يتوسط بينه وبين مصدر المعلومة.

    أما المستفيد فأنه ينصرف إلى المعنيين معا ، فالمستفيد قد يكون هو الباحث عن المعلومة القانونية ، وقد يكون وسيطا يستفيد من الاستشارة القانونية ويقوم بدوره بنقلها إلى من يحتاجها بمقابل .

    وتذهب مع من يرى ، بأن لفظة المستفيد هي اعم وأشمل من الألفاظ الأخرى ولذلك سنلتزمها في كل البحث ، وذلك لأن صفة المتعاقد مع المستفيد لا تنتفي حتى لو ادعی المستفيد أن الاستشارة القانونية لم تعد عليه بالنفع ، لان الاستفادة هنا تتمثل بالحصول على المعلومة القانونية سواء استخدمت هذه الاستشارة أو لم تستخدم من قبل المتعاقد مع المستشار”.

     

  • تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عما يشتبه به من عقود

    قد يشتبه عقد تقديم الاستشارة بعقود أخرى تكون واردة على المعلومات ، ومعتمدة على أداء معين لأحد أطرافها الذي يمتلك أسرار وخبرات وهذه الخبرات والأسرار لا يملكها الطرف الأخر ومن هذه العقود عقد البحث العلمي وعقد نقل التكنولوجيا نتناوله في الفرعين الآتيين.

    الفرع الأول : تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد البحث العلمي.

    الفرع الثاني : تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد نقل التكنولوجيا.

    الفرع الأول

    تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد البحث العلمي

    تتضمن لفظة البحث معنيين ، المعنى المادي وهو طلب الشيء والتفتيش عنه ، والمعنى المعنوي وهو السؤال عن الشيء.

    ويعرف البحث العلمي بأنه

    (( عمل عقلي هدفه تحقيق نتيجة فنية بها يمكن إشباع حاجات إنسانية مفتقدة ، بمعنى تقديم شيء جديد للمجتمع أو إيجاد شيء لم يكن موجود من قبل قوامه أو مميزه أن يكون ثمرة فكرة ابتكارية أو نشاط أبتكارياً تتجاوز الفن الموجود))).

    ويعرفه أخر بأنه (( أي تقصي نظامي لأي جانب من جوانب المعرفة ، تتم مباشرته طبقة للقواعد المقبولة بصفة عامة والتي يكون الغرض الأساس منها هو اكتساب المعرفة).

    واستنادا لما ورد من مفاهيم عقد تقديم الاستشارة القانونية يمكن القول أن عقد تقديم الاستشارة القانونية يلتقي بعقد البحث العلمي بجوانب عده ، نوجزها في النقاط الأتية :

    ۱ – يقوم عقد البحث العلمي على ركيزة أساسية ومفادها الاعتبار الشخصي في شخص الباحث ، إذ أن المستفيد أختار أبرام العقد مع الطرف الأخر في العقد – الباحث -، واضعا ثقته المطلقة فيه ، ويستند هذا الاعتقاد على السمعة والكفاءة العلمية والأمانة وما قام به الباحث سابقة من أعمال تكسبه تجربة علمية كافية ، وهي نفس الركيزة التي يستند عليها عقد تقديم الاستشارة القانونية.

    ۲ – يعتبر عقد البحث العلمي من العقود بمقابل ، إذ يهدف الباحث من وراء هذا العقد إلى الحصول على مقابل نقدي  ، وهو من خصائص عقد تقديم الاستشارة القانونية الذي يختلف عن واجب الاستشارة كما بينا سايق .

    3 – إن عقد البحث العلمي يرتب التزامات ذات طبيعة خاصة كالالتزام بالسرية ، فالباحث في هذا العقد ملزم باحترام المعلومات التي تتصل بالمستفيد عن طريق الحفاظ على هذه المعلومات وعدم إفشاءها للغير والالتزام بالتعاون الذي يفرض على المستفيد من البحث .

    وهو بهذه الالتزامات يلتقي بعقد تقديم الاستشارة القانونية حيث إن العقد الأخير يرتب عين الالتزامات المذكورة على المستشار القانوني).

    4 – ويتفق العقدان في أن محلهما الأساسي هو اداءات ذات طبيعة ذهنية تعتمد على عقل الباحث أو المستشار القانوني .

    رغم التشابه الكبير بين العقدين في النقاط أعلاه إلا أن هذا التشابه الواسع لا يعني عدم تباين العقدين وتمييزهما عن بعضهما البعض نبين ذلك من خلال النقاط الأتية:

    ۱- فمن ناحية نجد أن عقد البحث العلمي يتضمن نقل الملكية الحق في البحث إذ تنص الصيغ النموذجة لهذا العقد على تنازل الباحث عن حقه في نشر البحث لمدة محدودة من الزمن ، بمعنى أن تؤول ملكية الحق في نشر البحث والاستغلال المالي إلى المستفيد  ،

    وهذا ما لا نجده في عقد تقديم الاستشارة القانونية إذ لا يتضمن نقط الملكية الاستشارة القانونية محل العقد ، إذ لا يمنع هذا العقد المستشار القانوني من أن يعطي نفس الاستشارة القانونية الشخص أخر بعد انتهاء عقده مع المستفيد الأول ، ومن جهة أخرى حصر القانون إعطاء الاستشارة القانونية بالمحامين .

    ۲ – وكذلك أن البحث العلمي يشترط أن تتوفر فيه الأصالة والأبداع ومطابقة علاقة السبب والأثر ، بيد أن المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة لا يلزم سوى ببذل عنايته وجهوده في سبيل توصل المستفيد إلى الهدف الذي يرمي اليه من الاستشارة القانونية.

    3 – إن عقد البحث العلمي ينطلق من معرفة موجودة من أجل الوصول إلى نتائج أو معرفة غير موجودة أو مطلوب الكشف عنها ، في حين أن عقد تقديم الاستشارة القانونية ، يعني تقديم رأي قانوني من شأنه أن يؤثر بطريقة ما في توجيه قرارات المستفيد ، أو تقديم دراسات قانونية ما قبل الاستثمار تمهيد لأتخاذ قرارات بشأن المضي بمشاريع معينة ، إذ يتطلب تحديد المستشار القانوني للمشروع البدائل المقترحة وتحديد السمات الرئيسية بجدوى المشروع والخطوات الفعالة الواجبة الأتباع لتنفيذ وتشغيل المشروع .

     

    الفرع الثاني

    تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد نقل التكنولوجيا

    تعرف التكنولوجيا La Technologie

    (( بأنها مجموعة من المعارف المستخدمة في أنتاج السلع والخدمات )).

    أما عقد نقل التكنلوجيا فيعرف بأنه

    (( عقد يمكن من الانتفاع من صيغ وطرق يحتفظ المرخص بسرها ، إلا من الانتفاع بها ))،

    ويعرفه أخر بأنه

    (( اتفاق يتعهد بموجبه شخص طبيعي أو معنوي بأن يجعل المتعاقد معه ينتفع بما في حوزة المرخص من صيغ وطرق سرية خلال مدة معينه يتعهد المرخص له ببذله )).

    ومن هذه التعاريف يتبين لنا إن حائز التكنولوجيا يقوم بنقلها بمقابل معين أي أن نقل التكنولوجيا عملية تستخدم فيها قيمة الاستعمال أو المنفعة .

    فالتكنولوجيا تعتبر ما” منقولا له قيمة اقتصادية مشمولة بحماية قانونية خاصة ، حيث أصطلح على تسميتها حق المعرفة .

    لذلك وأهم ما يميز هذا المال أنه قابل للنفاذ ، كما أنه مال يمكن استعماله بوسطه اطراف

    عديده في ذات الوقت وهذا ما يجعله حق استئثارية يرتب لمالكه أحتكار استعماله.

    هذه العناصر الجوهرية لمصطلح التكنولوجيا ، تختلف وسائل نقلها بحسب طبيعة تلك الوسائل ، ولعل من أبرز هذه الوسائل ما يطلق عليه بعقد نقل التكنولوجيا ، وهذا العقد قد يقترب كثيرة من عقد تقديم الاستشارة القانونية في الكثير من الجوانب ، خصوصا أنهما يلتقيان في كونهما من العقود الواردة على المعلومات التي يمتلكها أحد أطرافه دون الأخر .

    وهذا ما دفع البعض إلى القول بأن عقد تقديم الاستشارة القانونية ما هو إلا صيغة من صيغ عقد نقل التكنولوجيا ، مستندين في تبرير وجهة النظر هذه إلى وجود مجموعة من العناصر الجوهرية المتشابة بينهما .

    وهذه العناصر تتمثل بالأتي:

    1- من حيث موضوع العقدين . فموضوع عقد نقل التكنولوجيا يقوم على خلق التزام في ذمة أحد المتعاقدين بنقل ما لديه من معرفة إلى المتعاقد الأخر نظير مقابل مادي ، وهذا هو جوهر الالتزام بعقد تقديم الاستشارة القانونية إذ يقوم المستشار القانوني بتقديم معلومات واداءات قانونية ذات طبيعة ذهنية ، كما بينا ذلك في تعريف هذا العقد.

    ۲ – من حيث الأجر . فالأجر في عقد نقل التكنولوجيا يعتبر عنصرأ جوهريا ، وقد رأينا  عند تعريف عقد الاستشارة القانونية أنه عقد لا يتم إلا بمقابل ().

    ٣- من حيث الالتزامات الملقاة على اطراف العقدين فعقد نقل التكنولوجيا ، يرتب على أطرافه التزاما مهمة بالحفاظ على سرية المعلومات فحائز المعلومات يلتزم بسريتها وعدم إفشائها إلى الغير ، وهذا الالتزام يبدأ لحظة أبرام العقد ، ولا يخفى ما في عقد تقديم عقد الاستشارة القانونية من التزام بالحفاظ على السرية.

    4 – من حيث طبيعة العقدين فأن بعض الفقه يذهب إلى أن عقد نقل التكنولوجيا يعد صورة من صور عقد المقاولة)، وبهذه الطبيعة يلتقي عقد نقل التكنولوجيا مع عقد تقديم الاستشارة القانونية  ، الذي سنتكلم عنه بالتفصيل في مواضيع قادمة .

    ومن خلال ما تقدم فأن هذه المبررات لا تحاول التقريب بين هذين العقدين فحسب بل تجعل منهما صورتين لعقد واحد إلا أن النظر المعمق في هذه الحجج كفيل لدحض هذا التقارب ، ويمكن إيضاح تباين هذين العقدين من عدة وجوه :

    1 – استقر الفقه القانوني على عد عقد نقل التكنولوجيا من العقود التجارية)، أما عقد تقدیم الاستشارة القانونية فأنه يعد من العقود المدنية ، والقانون المدني وأحكامه هي الواجبة التطبيق ما دام هدف العقد تقديم هذه الخدمة المتميزة إذ تنص المادة /3/74 بأنه

    (( يصح أن يرد العقد: ……….. 3- وعلى عمل معين أو خدمة معينة )).

    ۲ – إن التكنولوجيا تتمثل في مجموعة من المعارف وتستند هذه المعارف على الحقائق العلمية وتتميز بمحتواها التطبيقي ،وفي ضوء ذلك عرف البعض التكنولوجيا بأنها التطبيق العملي للمرات العلم وابتكار افضل الطرق لاستعمالها) ،

    أما دور المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأنه يقتصر على مجرد القيام بتوجيه المستفيد نحو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل

    3 – من آثار عقد نقل التكنولوجيا أنه يؤدي إلى انتقال الحق في استغلال المعرفة التكنولوجية من المجهز إلى المتلقي بحيث يفقد المجهز عنصر التصرف فيها لتنتقل إلى متلقي ثاني بعد أبرام العقد ،

    أما في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأنه لا مانع يمنع قيام المستشار القانوني من بأيداء ذات الاستشارة القانونية إلى مستفيد أخر ما دامت الوقائع متشابه وتدعو إلى الأخذ بنفس الحلول 

    4 – تختلف الاستشارة باعتبارها المحل الأساس في عقد تقديم الاستشارة القانونية عن المعرفة الفنية محل عقد نقل التكنولوجيا في إن الاستشارة القانونية تعد معلومة تتضمن الإرشاد والتوجيه للمستفيد في اتخاذ قراره ، في حين نجد إن التكنولوجيا تتمثل في مجموعة من المعارف المستخدمة في انتاج سلعة جديدة.

1