الوسم: اشطر محامي في حمص

  • محل عقد تقديم الاستشارة القانونية ( الاستشارة والأجر)

     يعرف محل العقد بأنه المعقود عليه أي ما وقع عليه التعاقد ، شريطة أن لا يكون مخالفة للنظام العامة والأداب  ، ويظهر محل العقد في أثر العقد وأحكامه وهو يختلف باختلاف العقود فقد يكون عينة أو منفعة أو عملاً.

    وعندما تطرق المشرع العراقي في القانون المدني لمحل العقد أشار إلى محل الالتزام ، وهذا ما نصت عليه المادة / 124 منه على انه

    (( لابد لكل التزام نشأ عن العقد من محل يضاف إليه يكون قابلا لحكمه ، ويصح أن يكون المحل مالاً ، عيناً كان أو ديناً أو منفعة ، أو أي حق مالي أخر ، كما يصح أن يكون عملا أو امتناع عن عمل ))، وكذلك المواد القانونية التالية لها الخاصة بمحل الالتزام وهو الأمر الذي يلتزم به المدين ، والمتمثل بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو امتناع عن عمل.

    ومما تجدر الإشارة اليه إن المشرع العراقي قد خلط بين محل العقد ومحل الالتزام ، والصحيح أن محل العقد يختلف عن محل الالتزام ، إذ ينصرف مفهوم محل العقد إلى ما ورد عليه العقد ، أما محل الالتزام هو تنفيذ ما اتفق عليه المتعاقدين ، كما هو الحال في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأن محل عقد الاستشارة القانونية يتمثل في تقديم الاستشارة القانونية والمقابل المالي ، أما محل التزام المستشار القانوني هو تقديم الاستشارة القانونية ، ومحل التزام المستفيد هو دفع الثمن .

    أذن فمحل العقد هو شيء أو دين أو خدمة ذات قيمة مالية ، ويشترط في المحل العقد أن يكون موجودة أو ممکن الوجود في المستقبل ، وان يكون معينة أو قابلا للتعيين ، وان يكون مشروعا .

    وعليه فان محل عقد تقديم الاستشارة القانونية ، يتمثل بالاستشارة القانونية من زاوية المستشار القانوني ، والمقابل المالي عند النظر إلى المحل من زاوية المستفيد ، إذ إن العملية القانونية التي يتم التراضي عليها في هذا العقد هي ليست عملية واحدة فقط وإنما اثنتان ، وهذا ما سنتناوله في الفرعين الآتيين :

    الفرع الأول : الاستشارة القانونية

    الفرع الثاني : الأجر

    الفرع الأول

    الاستشارة القانونية

    تعد الاستشارة موضوع ومحل عقد تقديم الاستشارة القانونية وهدفه وهي الخدمة  التي تقدم من المستشار القانوني إلى المستفيد من خلال الاعتماد على معرفته العلمية العملية كقاعدة أساس.

    والاستشارة لغة أصلها شور أي طلب منه الاستشارة ، اشتور القوم شاور بعضهم بعضا الاستشارة ما ينصح به من رأي وغيره .

    والاستشارة وتقول منه شاؤه في الأمر واستشرته وفلان خير شير أي يصلح للمشاورة وشاوره مشاوة وشوارة واستشاره طلب منه الاستشارة .

    ولم يتفق الفقه القانوني على تحديد معنی جامع للمشورة القانونية كمحل للعقد فذهب البعض إلى اعتبارها معلومات ذات قيمة اقتصادية جديرة بالحماية يمكن نقلها بأي وسيلة وأن العقد الوارد على المعلومات يعد عقد تقدیم مشورة مادام هذا العقد ينشأ التزامأ أصلية بتقديم

    هذه المعلومات ، أي أن الاستشارة القانونية تنصرف إلى الرأي المقدم للمستفيد سواء كان هذا الرأي موجهة اليه أم لم يكن كذلك .

    في حين يرى جانب ثاني من الفقه إلى أن الاستشارة القانونية المقدمة لا تنصرف إلى معنى الرأي المجرد بل يجب أن يكون هذا الرأي هاديا ومرشدا للمستفيد ودافعة لأتخاذ قرار بالتصرف من عدمه.

    ونحن نؤيد الاتجاه الثاني حيث إن تخصص المستشار الدقيق واعتماده على نشاط الفكر والعقل الذي يتميز به ، والثقة التي يوليها المستفيد للمستشار القانوني والغاية التي يسعى أليها المستشار القانوني من تقديم الاستشارة القانونية وهي الأجر ، كل ذلك يحتم أن تكون الاستشارة القانونية موجهه لطالبها لأتخاذ قرار معين ، أي يجب أن تكون هادية ومتضمنة التوجيه الأتخاذ موقف معين .

    ومما سبق يمكن تعريف الاستشارة القانونية بأنها معلومة متخصصة في مجال القانون ، ناتجة عن تحليل ودراسة وضع المستفيد ، وتعكس خبرة المستشار القانوني والتي من شأنها توجيه المستفيد نحو أتخاذ قرار معين .

    وتختلط الاستشارة القانونية ببعض المفاهيم القانونية الواردة في بيان الرأي وإسداء النصح کالمعلومات والفتوى والتفسير .

    فالاستشارة القانونية قد تتشابه مع المعلومة في إن كلاهما معلومات مقدمة من المستشار القانوني أو الخبير أو غيرهم للمستفيد ، ويختلفان عن بعضهما في أن المعلومة ما هي إلا رأي مجرد وبيان في موضوع معين بدون أن يكون من شأنها توجيه المستفيد لأتخاذ قرار معين ، في حين أن عنصر الإرشاد والتوجيه هو الركن الأهم في الاستشارة القانونية ، فالمعلومة تكون مجردة من النصيحة حيث يقتصر التزام مقدمها على وضعها تحت يد المستفيد دون أن يتعدى ذلك حل مشكلة المستفيد في حين أن الاستشارة القانونية يجب أن تكون هادية ومرشدة للمستفيد لحل المشكلة محل الاستشارة.

    وقد تختلط الاستشارة بالفتوى ، فالفتوى لغة : افتاه في الأمر أي أبانه له وأفتي المفتي أذا أحدث حكماً ، وأصطلاحاً يقصد بها ما أجاب العالم أو المختص في المسائل الشرعية وهي على نوعين فتوى يقصد بها تبليغ الأحكام دون أي هدف وفتوى تشمل تقديم اقتراح الحل مشكله ما وهذه تقترب من الاستشارة ، إلا أن الاختلاف بين الاستشارة والفتوى لم يحول ، من الناحية العملية من استخدام لفظ الفتوى في مجالات أبداء الاستشارة خصوصا تلك المتعلقة بالجوانب القانونية كالفتاوى الصادرة من مجلس شورى الدولة بصدد طلب جهة رسمية توضيح جانب معين من قانون بغية الاطمئنان إلى تطبيقه بشكل سليم.

    هذا وقد يختلط مفهوم الاستشارة القانونية بالتفسير ، فالتفسير عملية توضح ما أبهم من الألفاظ وتكميل ما اقتضب من نصوص وتخريج ما نقص من أحكامه والتوفيق بين أجزاءه المتناقضة، فجوهر الخلط بين التفسير والاستشارة القانونية هو أن كليهما عملية فكرية ترتبط بالمعرفة والتخصص ، إلا أنه يمكن وضع الحدود الفاصلة بينهما من حيث أن التفسير لا يعدو أن يكون مجرد رأي لا يتضمن التوجيه والإرشاد في حين نجد أن الاستشارة القانونية يجب أن تكون هادية ومرشدة للمستفيد .

    ويثار في هذا الصدد تساؤل حول الطبيعة القانونية للمشورة القانونية فقد انقسم الفقه القانوني في هذا الصدد إلى اتجاهين:

    فذهب الاتجاه الأول إلى اعتبار الاستشارة القانونية معلومة ، لها طبيعة قانونية خاصة ، بعد التسليم بتميزها عن الأشياء المادية في كونها غير قابلة للحيازة والاستئثار وهذه الطبيعة الخاصة تجعل بالإمكان وضع حماية قانونية للمشورة حتى ولو كانت هذه المعلومة لا تنتمي إلى الفكرة الأدبية أو الذهنية أو الصناعية من خلال إقرار انتماء المعلومة إلى مجموعة القيم المحمية.

    أما الاتجاه الثاني فيري إن الاستشارة القانونية لها قيمة قابلة للاستحواذ ، حيث يرى هذا الاتجاه إن الاستشارة بوصفها معلومات مصاغة في قالب معين تتمتع بأهمية ثقافية وسياسية واقتصادية جديرة بأن ترفعها إلى مرتبة الأموال ، يتحدد سعرها وفقا لظروف العرض والطل، ويستدل هذا الاتجاه على ذلك بما درجت عليه الجهات المتخصصة في تقديم الاستشارات التي يلجأ أليها الأفراد ملتمسا النصح والاستشارة ، من بيع ما لديها من معلومات في ظل حماية القانون .

    ونحن بدورنا نذهب مع الاتجاه الثاني لما يمثله من حماية للمشورة القانونية وضمان لحق المستشار القانوني فيها ، إذ أن هذه الحماية تجعل الجهد المبذول من المستشار في مأمن من الهدر والاستغلال من قبل الغير بدون مقابل.

    ويشترط في الاستشارة القانونية باعتبارها محلا لعقد تقديم الاستشارة القانونية أن تكون ممكنه ومعينة أو قابلة للتعيين ومشروعة فالاستشارة القانونية يجب أن تكون ممکنه لأنه لا التزام بمستحيل والا كان العقد باطلا بحسب نص المادة /۱/۱۲۷ إذ تنص على أنه

    ((1- اذا كان محل الالتزام مستحيلا استحالة مطلقة كان العقد باطلاً )) كمن يطلب مشورة قانونية من محامي حول إمكانية التحايل على القانون للإفلات من عقاب جريمة ارتكبها ، ويجب أن تكون الاستشارة القانونية معينه تعينأ نافياً للجهالة أو يمكن تعيينها إذ تنص المادة / ۱/۱۲۸ | على انه

    ( ۱ – يلزم أن يكون محل الالتزام معينة تعينا نافية للجهالة الفاحشة……) ، ويجب أن تكون الاستشارة القانونية مشروعاً فإذا كانت غير مشروعة و مخالفة للقانون والنظام والآداب العامة  والآداب العامة كان عقد تقديم الاستشارة القانونية باط” حيث نصت المادة / ۱/۱۳۰

     على انه

    (( يلزم أن يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونا ولا مخالف للنظام العام وللأداب وألا كان العقد باطلا )).

    ومما تقدم يمكننا القول إن المحل الأساسي في عقد تقديم الاستشارة القانونية يتمثل في الاستشارة التي هي نتاجأ لأداءات ذهنية في مجال القانون ويظهر الباعث الدافع للتعاقد مع المستشار القانوني في الثقة والاعتبار الشخصي ، الذي يعتمد على أداء معين للمستشار القانوني والذي يضع المستفيد ثقته فيه ، لغرض الحصول على الاستشارة الهادية والمرشدة.

    الفرع الثاني

    الأجر

    إن عقد تقديم الاستشارة القانونية باعتباره عقد ملزم للجانبين يرتب التزامات متقابلة على كل طرف من أطرافه ، وهما المستفيد والمستشار القانوني ومن هذه الالتزامات ، الأجرة التي يدفعها المستفيد إلى المستشار القانوني.

    والأجر هو الوجه الثاني للمحل في عقد تقديم الاستشارة القانونية وهو المال الذي يلتزم المستفيد بدفعه للمستشار القانوني في مقابل قيام الأخير بتقديم الاستشارة القانونية ، وبما أن الأجر هو المحل الذي يلتزم به المستفيد لذا يجب أن يكون معينأ بنوعه ومقداره شأنه شأن أي محل للالتزام ، فيلتزم المستفيد أن يؤدي للمستشار القدر المذكور من الأجر في العقد دون أن يكون لارتفاع قيمة هذه النقود أو لانخفاضها وقت الوفاء أي أثر . وليس من اللازم أن يؤدي المدين النقود من النوع المنصوص عليه في العقد ، بل أن المستفيد يودي ما بذمته من الأجر وفق سعر قانوني يساوي القدر المتفق عليه في العقد)، وتشترط القواعد العامة في القانون المدني عدد من الشروط التي يجب أن تتوفر في المحل ، نتناولها تباعاً.

    أولاً : أن يكون الأجر موجوداً أو قابل للوجود:

    الأجر لا بد من وجوده والا كان عقد تقديم الاستشارة من عقود التبرعات ، والأصل أنه متى دلت الظروف على أن الاستشارة ما كانت لتنجز بدون اجر فأن المستفيد يكون ملزمة بدفع قيمتها للمستشار القانوني ، حتى لو جاء العقد خالية من الإشارة إليه ، ويتعين على المحكمة أن تعتبر أن هنالك أتفاق ضمنية بين المستفيد والمستشار القانوني على وجود الأجر إذ تنص المادة / ۲/۸۸۰ من القانون المدني العراقي على

    (( ويجب اعتبار أن هناك اتفاق ضمنية على وجوب الأجر اذا تبين من الظروف أن الشيء أو العمل الموصي به ما كان ليؤدي إلا القاء أجر يقابله)).

    فمتى أعتبر الأجر موجودة فأن مقداره أنما يحدد على أساس اجر المثل ، إذ تنص المادة | /59 من قانون المحاماة العراقي على انه

    (( إذا لم تحدد أتعاب المحاماة بأتفاق خاص يصار في تعينها إلى أجر المثل ))

    وكذلك نص المادة /۳۱ من قانون محاماة في إقليم كردستان العراق إذ تنص على أنه

    (( اذا لم يعين بدل أتعاب المحامي بأتفاق خاص يصار في تعينها إلى أجر المثل)))

    بأعتبار الاستشارة القانونية عمل من أعمال المحاماة حسب ما جاء في المادة / 1/۲۲ من قانون المحاماة العراقي. ويجب أن يكون الأجر جدية أي مقاربة للحقيقة وأن تتجه إرادة المستفيد إلى دفعه وأن تتجه إرادة المستشار القانوني إلى استيفاءه ، وليس من الضروري أن يكون الأجر مساوية تماما لقيمة العمل ، وإنما يجب أن يكون جدية وغير صورية .

    ثانياً : أن يكون الأجر معيناً أو قابلا للتعيين:

    ويكون الأجر معينأ عندما يتفق الطرفان على تحديده في العقد ويحدد الأجر من قبل المستشار القانوني والمستفيد بعدة صور ، فقد يتم تحديد الأجر أجمالا فيتفق المستشار القانوني مع المستفيد على مبلغ أجمالي مقدمة عند أبرام العقد ومن مزايا هذه الصورة إن المستفيد يعلم مقدما مقدار الأجر الذي سيدفعه للمستشار القانوني .

    وقد يتحدد الأجر على أساس ثمن القائمة حيث توجد قائمة تتضمن سعر لكل نوع من أنواع الاستشارة ، وقد لا يعرض المستشار القانوني أو المستفيد لتحديد مقدار الأجر أص ، فيتكفل القانون تحديد مقدار الأجر  إذ تنص المادة /59 من قانون المحاماة العراقي على انه

    (( أذا لم تحدد أتعاب المحاماة بأتفاق خاص يصار في تعيينها إلى أجر المثل )).

    ثالثاً : أن يكون الأجر مما يجوز التعامل فيه:

    يجب أن يكون الأجر غير مخالف لنص قانوني أو للنظام العام أو الآداب العامة ، ومن هنا فلا يجوز أن يتعهد المستفيد من أن يقدم المخدرات أو الأثار أو عملة مزورة كمقابل للمشورة التي قدمها المستشار وهذا ما دلت عليه المادة /1/۱۳۰ من القانون المدني العراقي على

    (( يلزم أن يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونأ ولا مخالف للنظام العام أو الأداب العامة وألا كان العقد باطلاً )) .

  • تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عما يشتبه به من عقود

    قد يشتبه عقد تقديم الاستشارة بعقود أخرى تكون واردة على المعلومات ، ومعتمدة على أداء معين لأحد أطرافها الذي يمتلك أسرار وخبرات وهذه الخبرات والأسرار لا يملكها الطرف الأخر ومن هذه العقود عقد البحث العلمي وعقد نقل التكنولوجيا نتناوله في الفرعين الآتيين.

    الفرع الأول : تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد البحث العلمي.

    الفرع الثاني : تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد نقل التكنولوجيا.

    الفرع الأول

    تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد البحث العلمي

    تتضمن لفظة البحث معنيين ، المعنى المادي وهو طلب الشيء والتفتيش عنه ، والمعنى المعنوي وهو السؤال عن الشيء.

    ويعرف البحث العلمي بأنه

    (( عمل عقلي هدفه تحقيق نتيجة فنية بها يمكن إشباع حاجات إنسانية مفتقدة ، بمعنى تقديم شيء جديد للمجتمع أو إيجاد شيء لم يكن موجود من قبل قوامه أو مميزه أن يكون ثمرة فكرة ابتكارية أو نشاط أبتكارياً تتجاوز الفن الموجود))).

    ويعرفه أخر بأنه (( أي تقصي نظامي لأي جانب من جوانب المعرفة ، تتم مباشرته طبقة للقواعد المقبولة بصفة عامة والتي يكون الغرض الأساس منها هو اكتساب المعرفة).

    واستنادا لما ورد من مفاهيم عقد تقديم الاستشارة القانونية يمكن القول أن عقد تقديم الاستشارة القانونية يلتقي بعقد البحث العلمي بجوانب عده ، نوجزها في النقاط الأتية :

    ۱ – يقوم عقد البحث العلمي على ركيزة أساسية ومفادها الاعتبار الشخصي في شخص الباحث ، إذ أن المستفيد أختار أبرام العقد مع الطرف الأخر في العقد – الباحث -، واضعا ثقته المطلقة فيه ، ويستند هذا الاعتقاد على السمعة والكفاءة العلمية والأمانة وما قام به الباحث سابقة من أعمال تكسبه تجربة علمية كافية ، وهي نفس الركيزة التي يستند عليها عقد تقديم الاستشارة القانونية.

    ۲ – يعتبر عقد البحث العلمي من العقود بمقابل ، إذ يهدف الباحث من وراء هذا العقد إلى الحصول على مقابل نقدي  ، وهو من خصائص عقد تقديم الاستشارة القانونية الذي يختلف عن واجب الاستشارة كما بينا سايق .

    3 – إن عقد البحث العلمي يرتب التزامات ذات طبيعة خاصة كالالتزام بالسرية ، فالباحث في هذا العقد ملزم باحترام المعلومات التي تتصل بالمستفيد عن طريق الحفاظ على هذه المعلومات وعدم إفشاءها للغير والالتزام بالتعاون الذي يفرض على المستفيد من البحث .

    وهو بهذه الالتزامات يلتقي بعقد تقديم الاستشارة القانونية حيث إن العقد الأخير يرتب عين الالتزامات المذكورة على المستشار القانوني).

    4 – ويتفق العقدان في أن محلهما الأساسي هو اداءات ذات طبيعة ذهنية تعتمد على عقل الباحث أو المستشار القانوني .

    رغم التشابه الكبير بين العقدين في النقاط أعلاه إلا أن هذا التشابه الواسع لا يعني عدم تباين العقدين وتمييزهما عن بعضهما البعض نبين ذلك من خلال النقاط الأتية:

    ۱- فمن ناحية نجد أن عقد البحث العلمي يتضمن نقل الملكية الحق في البحث إذ تنص الصيغ النموذجة لهذا العقد على تنازل الباحث عن حقه في نشر البحث لمدة محدودة من الزمن ، بمعنى أن تؤول ملكية الحق في نشر البحث والاستغلال المالي إلى المستفيد  ،

    وهذا ما لا نجده في عقد تقديم الاستشارة القانونية إذ لا يتضمن نقط الملكية الاستشارة القانونية محل العقد ، إذ لا يمنع هذا العقد المستشار القانوني من أن يعطي نفس الاستشارة القانونية الشخص أخر بعد انتهاء عقده مع المستفيد الأول ، ومن جهة أخرى حصر القانون إعطاء الاستشارة القانونية بالمحامين .

    ۲ – وكذلك أن البحث العلمي يشترط أن تتوفر فيه الأصالة والأبداع ومطابقة علاقة السبب والأثر ، بيد أن المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة لا يلزم سوى ببذل عنايته وجهوده في سبيل توصل المستفيد إلى الهدف الذي يرمي اليه من الاستشارة القانونية.

    3 – إن عقد البحث العلمي ينطلق من معرفة موجودة من أجل الوصول إلى نتائج أو معرفة غير موجودة أو مطلوب الكشف عنها ، في حين أن عقد تقديم الاستشارة القانونية ، يعني تقديم رأي قانوني من شأنه أن يؤثر بطريقة ما في توجيه قرارات المستفيد ، أو تقديم دراسات قانونية ما قبل الاستثمار تمهيد لأتخاذ قرارات بشأن المضي بمشاريع معينة ، إذ يتطلب تحديد المستشار القانوني للمشروع البدائل المقترحة وتحديد السمات الرئيسية بجدوى المشروع والخطوات الفعالة الواجبة الأتباع لتنفيذ وتشغيل المشروع .

     

    الفرع الثاني

    تمييز عقد تقديم الاستشارة القانونية عن عقد نقل التكنولوجيا

    تعرف التكنولوجيا La Technologie

    (( بأنها مجموعة من المعارف المستخدمة في أنتاج السلع والخدمات )).

    أما عقد نقل التكنلوجيا فيعرف بأنه

    (( عقد يمكن من الانتفاع من صيغ وطرق يحتفظ المرخص بسرها ، إلا من الانتفاع بها ))،

    ويعرفه أخر بأنه

    (( اتفاق يتعهد بموجبه شخص طبيعي أو معنوي بأن يجعل المتعاقد معه ينتفع بما في حوزة المرخص من صيغ وطرق سرية خلال مدة معينه يتعهد المرخص له ببذله )).

    ومن هذه التعاريف يتبين لنا إن حائز التكنولوجيا يقوم بنقلها بمقابل معين أي أن نقل التكنولوجيا عملية تستخدم فيها قيمة الاستعمال أو المنفعة .

    فالتكنولوجيا تعتبر ما” منقولا له قيمة اقتصادية مشمولة بحماية قانونية خاصة ، حيث أصطلح على تسميتها حق المعرفة .

    لذلك وأهم ما يميز هذا المال أنه قابل للنفاذ ، كما أنه مال يمكن استعماله بوسطه اطراف

    عديده في ذات الوقت وهذا ما يجعله حق استئثارية يرتب لمالكه أحتكار استعماله.

    هذه العناصر الجوهرية لمصطلح التكنولوجيا ، تختلف وسائل نقلها بحسب طبيعة تلك الوسائل ، ولعل من أبرز هذه الوسائل ما يطلق عليه بعقد نقل التكنولوجيا ، وهذا العقد قد يقترب كثيرة من عقد تقديم الاستشارة القانونية في الكثير من الجوانب ، خصوصا أنهما يلتقيان في كونهما من العقود الواردة على المعلومات التي يمتلكها أحد أطرافه دون الأخر .

    وهذا ما دفع البعض إلى القول بأن عقد تقديم الاستشارة القانونية ما هو إلا صيغة من صيغ عقد نقل التكنولوجيا ، مستندين في تبرير وجهة النظر هذه إلى وجود مجموعة من العناصر الجوهرية المتشابة بينهما .

    وهذه العناصر تتمثل بالأتي:

    1- من حيث موضوع العقدين . فموضوع عقد نقل التكنولوجيا يقوم على خلق التزام في ذمة أحد المتعاقدين بنقل ما لديه من معرفة إلى المتعاقد الأخر نظير مقابل مادي ، وهذا هو جوهر الالتزام بعقد تقديم الاستشارة القانونية إذ يقوم المستشار القانوني بتقديم معلومات واداءات قانونية ذات طبيعة ذهنية ، كما بينا ذلك في تعريف هذا العقد.

    ۲ – من حيث الأجر . فالأجر في عقد نقل التكنولوجيا يعتبر عنصرأ جوهريا ، وقد رأينا  عند تعريف عقد الاستشارة القانونية أنه عقد لا يتم إلا بمقابل ().

    ٣- من حيث الالتزامات الملقاة على اطراف العقدين فعقد نقل التكنولوجيا ، يرتب على أطرافه التزاما مهمة بالحفاظ على سرية المعلومات فحائز المعلومات يلتزم بسريتها وعدم إفشائها إلى الغير ، وهذا الالتزام يبدأ لحظة أبرام العقد ، ولا يخفى ما في عقد تقديم عقد الاستشارة القانونية من التزام بالحفاظ على السرية.

    4 – من حيث طبيعة العقدين فأن بعض الفقه يذهب إلى أن عقد نقل التكنولوجيا يعد صورة من صور عقد المقاولة)، وبهذه الطبيعة يلتقي عقد نقل التكنولوجيا مع عقد تقديم الاستشارة القانونية  ، الذي سنتكلم عنه بالتفصيل في مواضيع قادمة .

    ومن خلال ما تقدم فأن هذه المبررات لا تحاول التقريب بين هذين العقدين فحسب بل تجعل منهما صورتين لعقد واحد إلا أن النظر المعمق في هذه الحجج كفيل لدحض هذا التقارب ، ويمكن إيضاح تباين هذين العقدين من عدة وجوه :

    1 – استقر الفقه القانوني على عد عقد نقل التكنولوجيا من العقود التجارية)، أما عقد تقدیم الاستشارة القانونية فأنه يعد من العقود المدنية ، والقانون المدني وأحكامه هي الواجبة التطبيق ما دام هدف العقد تقديم هذه الخدمة المتميزة إذ تنص المادة /3/74 بأنه

    (( يصح أن يرد العقد: ……….. 3- وعلى عمل معين أو خدمة معينة )).

    ۲ – إن التكنولوجيا تتمثل في مجموعة من المعارف وتستند هذه المعارف على الحقائق العلمية وتتميز بمحتواها التطبيقي ،وفي ضوء ذلك عرف البعض التكنولوجيا بأنها التطبيق العملي للمرات العلم وابتكار افضل الطرق لاستعمالها) ،

    أما دور المستشار القانوني في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأنه يقتصر على مجرد القيام بتوجيه المستفيد نحو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل

    3 – من آثار عقد نقل التكنولوجيا أنه يؤدي إلى انتقال الحق في استغلال المعرفة التكنولوجية من المجهز إلى المتلقي بحيث يفقد المجهز عنصر التصرف فيها لتنتقل إلى متلقي ثاني بعد أبرام العقد ،

    أما في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأنه لا مانع يمنع قيام المستشار القانوني من بأيداء ذات الاستشارة القانونية إلى مستفيد أخر ما دامت الوقائع متشابه وتدعو إلى الأخذ بنفس الحلول 

    4 – تختلف الاستشارة باعتبارها المحل الأساس في عقد تقديم الاستشارة القانونية عن المعرفة الفنية محل عقد نقل التكنولوجيا في إن الاستشارة القانونية تعد معلومة تتضمن الإرشاد والتوجيه للمستفيد في اتخاذ قراره ، في حين نجد إن التكنولوجيا تتمثل في مجموعة من المعارف المستخدمة في انتاج سلعة جديدة.

  •  تمييز الالتزام بالمشورة القانونية عما يشتبه به من التزامات قانونية

    قد يشتبه الالتزام بالمشورة القانونية بغيره من الالتزامات المتشابهة ، كالالتزام المشورة نفسها باعتبارها التزام تبعي أو واجب المشورة ، والالتزام بالأعلام و بالتحذير ،

    والفقه في هذا الصدد منقسم بين اتجاهين يذهب الأول إلى عد هذه الالتزامات ، التزاماً واحداً ويعتبر هذا الألفاظ اي المشورة والأعلام والتحذير مترادفات لمعنى واحد فمن الصعب وضع حدود فاصلة بين هذه الالتزامات فهي مرتبطة برابط مشترك وهو حماية الدائن سواء كان ذلك عن طريق المشورة او التحذير او الأعلام ، في حين يذهب الاتجاه الأخر من الفقه إلى ذاتية واستقلالية كل التزام من هذه الالتزامات عن الأخر ،

    لذلك يتعين علينا البحث في التفرقة بين الالتزام بتقديم المشورة القانونية وغيرها من الالتزامات المشابهة ، وهذه التفرقة تكون بين الالتزامات السابقة والالتزام بالمشورة باعتباره التزام أصلي في عقد تقديم المشورة القانونية نتناول ما تقدم في ثلاثة فروع وحسب الاتي

    : الفرع الأول : التمييز بين الالتزام بتقديم الاستشارة القانونية بطبيعتها وبين واجب المشورة .

    الفرع الثاني : التمييز بين الالتزام بتقديم المشورة القانونية والالتزام بالأعلام .

    الفرع الثالث : التمييز بين الالتزام بتقديم الاستشارة القانونية والالتزام بالتحذير .

    الفرع الأول التمييز بين الالتزام بتقديم الاستشارة القانونية بطبيعتها وبين واجب المشورة

    تبين لنا عند تعريف عقد تقديم المشورة القانونية، إن المشورة القانونية هي المحل الأساسي لهذا العقد ، والتي تعرف بأنها الرأي القانوني الذي يدل على ما يجب فعله ، وهذا الرأي يرشد طالبه إلى ما يجب أن يفعله في المسألة القانونية التي يطلب الرأي فيها.

    إن تعریف عقد تقديم المشورة القانونية ليس بالضرورة أن يكون ملازمة لتعريف الالتزام بتقديم المشورة ، ذلك لأن الالتزام بتقديم الاستشارة القانونية يجد مصدره في عقد تقديم الاستشارة القانونية ذاته كالتزام اصلي ، وقد يجد مصدره في أي عقد أخر ، وعندئذ يكون الالتزام بتقديم المشورة القانونية التزام تابع أو يطلق عليه واجب المشورة ،

    ومثال ذلك عقد المحامي مع موكله فانه يرتب في ذمة المحامي إضافة للدفاع عن موكله التزام تبعي بالمشورة القانونية ، حيث إن المحامي ملزم بتقديم الاستشارة القانونية كالتزام تبعي للعقد الأصلي المتمثل بعقد الدفاع عن موكله.

    وعلى ذلك فهناك فارق بين الالتزام بتقديم المشورة القانونية باعتباره التزام أصلية ينشأ بموجب عقد تقديم المشورة القانونية وبين واجب المشورة ، ويبرز هذا الاختلاف من حيث مصدر هذين الالتزامين ومن حيث الأجر.

    1- من حيث مصدر هذين الالتزامين :

    فمن حيث مصدر هذين الالتزامين ، فأن الالتزام بالمشورة القانونية باعتباره التزاماً اصلياً في عقد تقديم المشورة يجد مصدره في هذا العقد ذاته ، بحيث لا يعد المدين منفذا لالتزامه إلا بأداء المشورة محل العقد ويطلق على هذا العقد ، بعقد المشورة بطبيعته ، وهو العقد الذي يبرم مع المستشار المهني الذي يمتهن مهنه معينه ويقدم مشورة تتصل بتخصصه ،

    وأمثله هذا العقد كثيرة ولها تطبيقات متعددة سواء كانت في المجال القانوني أو المالي أو في مجال التشييد والبناء أو في المجال الطبي وغيره ،

    أما الالتزام بتقديم الاستشارة بوصفه تابعأ أو واجب المشورة ، قد يجد مصدره في العقد بأتفاق الطرفين أو بحسب طبيعة العقد ،

    وقد يجد مصدره في القوانين الخاصة المتعلقة بحماية المستهلك ، حيث إن المستهلك بحاجة ماسة إلى استعمال و استغلال التقنية الحديثة التي لا تتوفر ملكية استغلالها وفهمها إلا لطائفه معينه ، وهم الفنيون والمهنيون ، لذلك وجب على هؤلاء التزاماً بالمشورة والنصيحة لمن يتعاقد معهم ، يدلون بها على كيفية استعمال واستغلال هذه التقنية.

    ومما تجدر الاشارة اليه أن نصوص القانون تقرر حماية للمستهلكين في مواجهة المهنيين عمومأ على أساس عدم التعادل في المراكز التعاقدية بين المستهلكين من ناحية والمهنيين من ناحية أخرى سواء كان هذا التعادل راجع إلى التفاوت الفني أو إلى المركز الاقتصادي ،

    وعلى هذا فالالتزام بتقديم الاستشارة باعتباره التزاماً تابعاً موجوداً في كثير من العقود ، والذي يفرضه القضاء تحقيقا للعدالة ولإيجاد توازن في العلاقة التعاقدية ، بيد أنه يجب أن نلاحظ أن الالتزام بالمشورة باعتباره تابعأ يحده أحيانا الالتزام بضمان السلامة ، حيث عادة ما يلجأ القضاء لتقرير حماية المتعاقدين استنادا للالتزام بالمشورة باعتباره التزامأ تابعة كوسيلة بيد القضاء يحقق بها حمايه للمتعاقدين وبصفة خاصة في العلاقة بين المهنيين والمستهلك .

    ۲ – من حيث الأجر :

    أما من حيث الأجر . فعنصر الأجر الذي يحصل عليه المستشار ، هو الذي يميز بين عقد تقديم الاستشارة بطبيعته ، والذي ينشأ ألتزاما اصلية بالمشورة ، وبين الالتزام بتقديم المشورة باعتباره التزام تبعية .

    فالمستشار الذي يقدم المشورة لقاء أجر يحصل عليه من المستفيد ، يكون التزامه التزامأ أصلياً ورئيساً، أما في العقود التي يقدم فيها المستشار المشورة مجانا وبدون مقابل ، أو أن المستشار يكون قد حصل على الأجر مسبقاً لقاء قيامه بتنفيذ الالتزام الأصلي ، أو كونه مقابل المشورة منضمة ضمن الالتزام الأصلي ، ففي جميع هذه الفروض يكون الالتزام بتقديم المشورة التزاما تابعأ.

    ومما تجدر الإشارة أليه أن الالتزام بالمشورة باعتباره التزاما اصلية في عقد الاستشارة قد يخلف التزاما تابعة بالمشورة كما هو الحال في مجال أنظمة المعلومات ، بينما واجب المشورة أو الالتزام المشورة بوصفه التزاما تابع غير مرتبط بوجود عقد تقديم المشورة. 

    وخلاصة القول فأن الفرق بين الالتزام بالمشورة بوصفه التزام أصلية وبين الالتزام بالمشورة بوصفه التزاما تبعية يكمن في النقاط الأتية :

    ١ – الالتزام بتقديم المشورة في عقد تقديم المشورة القانونية التزام أصلي وهو محل الأداء الرئيسي في العقد فلا يصح العقد من دون تقديم المشورة وذلك لتخلف ركن من أركان هذا العقد وهو ركن المحل المتمثل بالمشورة ، أما الالتزام بالمشورة التبعي أو واجب المشورة فأنه التزام تابع ، ومحل العقد الرئيسي أداء قانوني أخر غير تقديم المشورة.

    ۲ – إن أساس الالتزام بالمشورة باعتباره التزام تابع يجد مصدره في قوانين حماية المستهلك وذلك لإيجاد نوع من التوازن بين المتعاقدين ، بينما أساس الالتزام بالمشورة باعتباره التزامأ اصلية هو عقد تقديم المشورة القانونية.

    3 – يعد الأجر من العناصر الرئيسية للتمييز بين الالتزامين ، فالأجر الذي يحصل عليه المستشار هو الذي يميز عقد تقديم المشورة بطبيعته عن مجرد الالتزام بالمشورة باعتباره التزام تبعي.

    4 – ويمكن أن نميز بين الالتزام بالمشورة باعتباره التزام أصلية ، وبين الالتزام بالمشورة بأعتباره التزام تبعي وذلك بوصف الأخير واجب المشورة ، فواجب المشورة التزام تابع والالتزام بالمشورة مصدره عقد تقديم المشورة القانونية ، وهذا التمييز يمتاز بأنه يوضح الفروق في استخدام التعبيرات والألفاظ ،

    ففي الحالتين لدينا التزام بتقديم المشورة ، الأول يكون أصلية والثاني يكون تبعية ولكي نمييز بينهما بما لا يحقق خلطأ في الألفاظ يكون ذلك بأن نوصف الالتزام بتقديم المشورة القانونية أو عقود تقديم المشورة بطبيعتها ، ونصف الالتزام عندما يكون تابع ، بأنه واجب المشورة .

    الفرع الثاني التمييز بين الالتزام بتقديم المشورة القانونية والالتزام بالأعلام

    اذا كان الأعلام في الاصطلاح الصحفي محدداً ومضبوطأ  كونه المحل الخصب له فأن الأمر ليس كذلك في الاصطلاح القانوني ، فهو مصطلح دخيل على القاموس القانوني ،

    ومثلما يلقي كل ابتكار قانوني جديد جدة فقهية ، فأن الالتزام بالأعلام لم يسلم من هذا الجدل الفقهي ، لا سيما فيما يتعلق بالأساس القانوني ، الطبيعة القانونية ، النطاق القانوني ، لا بل حتى حول مسميات هذا الالتزام ولن نخوض في هذا الجدال الفقهي للأعلام وذلك لخروج الموضوع عن نطاق البحث ونكتفي بالإشارة إلى نقاط الالتقاء والافتراق بينه وبين الالتزام بالمشورة القانونية ، بداية يعرف الالتزام بالأعلام بأنه

    (( التزام ملقى على عاتق المدين يفرض عليه أن يعلم الدائن بكل المعلومات والبيانات التي تكون لازمة له لتكوين رضاء حر مستنير ، وتكون الازمة كذلك لضمان حسن تنفيذ العقد ))).

    ومن هذا التعريف يتبين لنا أن الالتزام بالأعلام يوجد في مرحلة تكون العقد ، كما يوجد في مرحلة تنفيذ العقد .

    ولا يخفى من أن هنالك صعوبة في التمييز بين الالتزام بالأعلام والالتزام بالمشورة القانونية ، حيث حصر هذا الاختلاف في درجة المعلومات المنقولة ، أكثر من طبيعة الالتزام ومضمونه ، إذ أن الاختلاف هو فكرية أكثر مما هو عملية ، ورغم ما قيل بشأن صعوبة التمييز بين الالتزامين إلا أنه يمكن التمييز بين الالتزامين في النقاط الأتية:

    اولا: من حيث الأشخاص:

    إن المدين بالالتزام بالأعلام بصفة خاصة كل ممتهن متخصص وبصفة عامة هو كل بائع يملك من المعلومات ما يؤثر في الانتفاع بالمال المبيع، سواء كان محترفا أم غير محترف  ولا يلزم أن يكون هناك اتفاق بعكس الالتزام بالمشورة القانونية في عقد تقدیم المشورة القانونية فلا يلزم إلا المستشار القانوني الذي تم الاتفاق معه.

    أما الدائن بالالتزام بالأعلام والمشورة القانونية فهو عاد غیر متخصص ، إلا أن الفرق بين الاثنين هو كون المبادرة في طلب المشورة عادة ما تكون من قبل الدائن ، في حين المبادرة في الالتزام بالأعلام تكون من قبل المدين ، وتعطى عفوية دون أن يطلبها الدائن .

    ثانيا : من حيث الطبيعة

    فأن الالتزام بالأعلام يعد التزاماً عاماً سابقة على التعاقد ، يتمثل في أحاطة الدائن بكافة البيانات والمعلومات اللازمة لتكوين رضا حر ومستنير ، سواء تعلقت هذه البيانات والمعلومات بمحل الشيء الذي يرد عليه التعاقد أو بأطراف التعاقد انفسهم” ،

    كذلك قد يكون التزاماً عقدياً وذلك لضمان تنفيذ العقد بحسن نية ، أما الالتزام بتقديم المشورة القانونية الناشئ عن عقد تقديم المشورة القانونية ، فهو التزام عقدي ، أي ليس التزاما سابق وإنما هو التزام اصلي ، وهو محل العقد ذاته ولا يعد المستشار القانوني منفذا لالتزامه إلا بأداء المشورة القانونية، فالالتزام بالأعلام باعتباره التزاما تعاقدية يختلف عن الالتزام بالمشورة القانونية باعتباره التزام أصلية في عقد تقديم المشورة القانونية ، فالالتزام بالأعلام التعاقدي هو التزام تابع لالتزامات أخرى يوجب على المدين أن يعلم المتعاقد معه بكل البيانات والمعلومات التي من شأنها أن تضمن تنفيذ العقد بحسن نيه ، في حين نجد كما بينا سابقا أن الالتزام بالمشورة القانونية في عقد تقديم المشورة القانونية هو التزام أصلي فهو محل العقد والأداء الرئيسي فيه.

    ثالثا : من حيث مجال التطبيق:

    إن الالتزام بالأعلام يجد محله في تكوين العقد أي قبل أبرام العقد ، في حين إن الالتزام بتقديم المشورة القانونية يجد مكانه في مرحلة تنفيذ العقد بأعتبار أن المحل الرئيسي والأساسي للعقد هو تقديم المشورة القانونية ، وهذا لا يتحقق إلا بتنفيذ المدين لالتزامه بتقديم المشورة القانونية محل العقد) .

    رابعا : من حيث المضمون

    إن الالتزام بالأعلام يتميز عن الالتزام بالمشورة القانونية في مضمون كل منهما ، فالمدين بالأعلام يتوجب عليه أن يحيط المتعاقد الأخر بكل مخاطر العمل الذي يراد أجراؤه ومزاياه ويوضح له المعلومات كافة لكي يجري خياره على ضوئها ولا يتوجب عليه أن يقترح أو أن يفضل حل معين دون الأخر ،

    ومن هنا تظهر الحدود الفاصلة بين الالتزام بالأعلام والمشورة القانونية في أن الالتزام بالأعلام صفة موضوعية لا تتصل بشخص المستفيد ، بل تتناول خصائص ووقائع تتصل مباشرة بالمال موضوع التعاقد ، أما المشورة القانونية فلها طابع شخصي لأنها تأخذ بالاعتبار الثقة في شخص المستشار القانوني فهو يقود خيارات المستفيد ويوجهه ويحثه على اتخاذ قرار في موضوع المشورة القانونية ، فالملتزم بالأعلام يقتصر على مجرد أعلام الدائن دون التعدي إلى تحديد الخيار الأفضل.

    هذا وقد يخلط البعض بين الالتزام بالأعلام وبين الالتزام بالمشورة التبعي أي واجب المشورة؟

    للتميز بين الالتزامين ذهب البعض من الفقه إلى القول بأن الاختلاف بين الالتزام بالأعلام والمشورة في هذا الصدد هو اختلاف في درجة المعلومة المنقولة ، على أساس أن كل من الالتزام بالأعلام والمشورة هنا ينطوي على أعلام المتعاقد الأخر بكل البيانات اللازمة الحسن تنفيذ العقد ، وأن احدهم يتقدم على الأخر في الدرجة فقط ، فالأعلام يأتي أولا وبعده المشورة.

    غير أننا نرى أنه ينبغي النظر إلى المدين عند التفرقة بين الالتزام بالأعلام والمشورة ، فالمدين بالأعلام لا يعلم ولا يعرف رغبات وحاجيات الدائن بالضبط ، في حين أن المدين في عقد تقديم المشورة القانونية المتمثل بالمستشار القانوني يكون عالما بدوافع وبواعث المتعاقد معه.

    واستنادا لما تقدم يمكننا القول أنه من المتصور أن ينشأ عن عقد تقديم المشورة القانونية التزام تابع بالأعلام ، حيث يجب على المستشار القانوني أن يعلم المستفيد بكل البيانات والمعلومات التي من شأنه أن تجعل تنفيذ عقد تقديم المشورة القانونية يتم بحسن نية .

    ومن جهة أخرى فأن الالتزام بالأعلام يتواجد باستقلالية عن الالتزام بالمشورة ولا يعادله فالمشورة تشمل الأعلام وتتجاوزه ، ونقطة التقاء الأعلام بالمشورة هي الإفصاح عن المعلومات التي تشكل أسباب طلب المشورة ، وبقدر معرفة الطرف المدين بالالتزام بالأعلام أو المشورة ، بحاجات المستفيد وأهدافه ، نقترب من المشورة أكثر من الأعلام ، وعلى الرغم من الاختلافات السابقة فأن بعض الفقه الفرنسي يذهب إلى عدم التفريق بين الالتزامين والبعض الأخر يستعمل المصطلحين حين يقصد الالتزام بالمشورة؟.

    الفرع الثالث التمييز بين الالتزام بتقديم المشورة القانونية والالتزام بالتحذير

    الالتزام بالتحذير هو الالتزام الذي يتضمن لفت انتباه المتعاقد من مخاطر محتملة سواء أكانت مادية أم قانونية ، فلا يكتفي أن يقوم المدين في العقد بإحاطة الدائن بطريقة الاستخدام الصحيح والتي تكفل له الانتفاع بمحل التعاقد أي كان ، بل يجب عليه فضلا عن ذلك ، أن يبرز له كافة الاحتياطات التي يجب عليه أن يتخذها وأن يحذره بكل وضوح من مغبة عدم اتخاذ هذه الاحتياطات .

    إذ يرى البعض أن الالتزام بالتحذير هو التزام وسط بين الالتزام بالأعلام والالتزام بالمشورة فهو اقوى من مجرد أعلام لكنه لا يصل إلى درجة المشورة ، فالالتزام بالتحذير هو ابعد من أن يكون مجرد أخبار أو أعلام إذ يفترض مخاطر معينة يجب التحذير منها إلا أنه لا يرقى إلى الالتزام بالمشورة.

    فلم يكتفي الفقه بمجرد الزام الطرف الأخر بالإفصاح عن البيانات اللازمة ، وإنما تشدد في وجوب التحذير ووضع شروط حتى يعد المنتج أو الصانع أو البائع موفيأ بالتزامه بالتحذير، وحتى يكون المدين بالتحذير موفيأ بالتزامه فأنه ينبغي أن يكون تحذيره وافية ، ومفهومة ولصيقة بالمنتج.

    ولا يقتصر التحذير على المخاطر المادية فحسب بل يتصور وجوده كذلك أذا كانت هناك مخاطر قانونية تترتب على تصرفات المستفيد ، فيتعين على المتعاقد معه أن يلفت أنتباهه ويحذره من المخاطر التي قد تترتب على تصرف معين كالمستشار القانوني الذي يحذر المستفيد ن مغبة فوات ميعاد الطعن في حكم أو قرار ما.

    أما كون الالتزام بالتحذير التزام سابق على التعاقد ، فأن التميز بينه وبين الالتزام بالمشورة يكون على أساس مجال ونطاق عمل كل منهما ، فالالتزام بالتحذير يهدف إلى لفت انتباه المتعاقد إلى خطورة الشيء المبيع ، فمحل العقد الأصلي ليس هو التحذير وانما هو نقل الملكية ، ويثار الالتزام بالتحذير في المرحلة السابقة على أبرام العقد . أما الالتزام بالمشورة فيعتبر محل الأداء الأساسي في عقد تقديم المشورة القانونية ، ولا يعد المدين منفذا لالتزامه إلا بتأدية المشورة ، ومن ثم فأنه يثار في مرحلة تنفيذ العقد.

    مما تقدم يتضح لنا إن الخطر هو مناط الالتزام بالتحذير ، وأن الالتزام بالمشورة هو التزام مشدد بالتحذير أي إن المشورة تضم كل من الالتزام بالتحذير و الالتزام بالأعلام ، وأن الالتزام بالتحذير يضم الالتزام بالأعلام وعليه فأن الالتزام بالتحذير هو التزام وسط بين الالتزام بالأعلام والمشورة ، فالتحذير يعد أقل درجة من المشورة ، فهو لا يتضمن توجيه المتعاقد بشأن الهدف الذي يبتغيه ، بعكس الالتزام بالمشورة فأنه يتوجب على المستشار أضافة للأعلام والتحذير تقديم النصائح الدقيقة للمستفيد.

  • الطبيعة القانونية لالتزامات المستشار القانوني العقدية

    تنقسم الالتزامات من حيث الواجب الملقى على عاتق المدين الى قسمين وهى الالتزام بتحقيق نتيجة أو كما يسمى الالتزام بغاية ، وهو الذي يجب على المدين فيه أن يدرك غاية معينة ،

    أي أن يحقق نتيجة معينة مثل التزام البائع بنقل ملكية المبيع فالواجب الملقى على عاتق البائع في هذا الالتزام هو نقل ملكية المبيع إلى الدائن ،

    أما النوع الثاني من الالتزامات فهو الالتزام ببذل عناية ، ويسمى أحيانة الالتزام بوسيلة ، والواجب الملقى على عاتق المدين في هذا الالتزام هو بذل عناية في تنفيذ التزامه دون أن يكون مطالبة بأدراك النتيجة التي يأمل الدائن الوصول اليها .

    وفي هذا الصدد وضع الفقه عدة معايير للتمييز بين الالتزام بتحقيق نتيجة والالتزام ببذل عناية ، والذي تعد فيه الإرادة والقانون الفيصل لهذا التميز بين الالتزامين، إلا أن الفقه اختلف في تحديد هذا المعيار في حالة غموض الإرادة وخلو نص القانون من بیان نوع الالتزام ، وأنقسم إلى اتجاهين:

    ١- الاتجاه الأول ( الاتجاه الشخصي) :

     ذهب هذا الاتجاه من الفقه إلى الركون إلى الموقف الشخصي للمتعاقدين بغض النظر عن خصوصية الالتزام ، ويسمى بالاتجاه الشخصي لأنه يعتمد على تحليل ظروف المتعاقد الشخصية ، ويتم ذلك عن طريق الأخذ بنظر الاعتبار مهنة المدين أو حقوق المتضرر أو مدى التعاون المتبادل بين اطراف العقد أو من خلال مركز المدين في بعض المهن ومدى تمتعه بالاستقلالية في عملة.

     ٢- الاتجاه الثاني ( الموضوعي ):

    فوفقا لهذا الاتجاه يعين معيار التميز بين الالتزامين بالركون إلى نوع المشاكل التي يثيرها تنفيذ الالتزام ، ويتم ذلك من خلال الاعتماد على معيار القبول بالمخاطر ، أو معيار الاحتمال في تحديد التميز بين الالتزامين ويسمى هذا الاتجاه بالاتجاه الموضوعي لأنه يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الالتزام وحدها دون الالتفاف إلى الظروف الخاصة بالمتعاقدين.

    هذا وتتنازع طبيعة التزامات المستشار القانوني في هذا العقد فكرتان تذهب الأولى إلى القول بأن مضمون هذا العقد يغلب عليه طابع الالتزام بتحقيق نتيجة ، في حين تذهب الثانية إلى عد مضمون هذا العقد يغلب عليه طابع الالتزام ببذل عناية ،

    وبناء على ذلك فأننا نقسم هذا المطلب إلى الفرعيين الآتيين:

     الفرع الأول : التزام المستشار القانوني التزام بتحقيق نتيجة .

    الفرع الثاني : التزام المستشار القانوني التزام ببذل عناية

    الفرع الأول

    التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة

     إن التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة ينبع من خصوصية الالتزامات الملقاة على عاتق اطراف عقد تقديم الاستشارة القانونية ، وهذا بدوره أوجد على ساحة هذا العقد مفاهيم جديدة للنتيجة المراد تحقيقها ، والتي تختلف عن الالتزام بتحقيق نتيجة في العقود التقليدية ،

    فمفهوم الالتزام في سائر العقود بصفة عامة يتمثل بتنفيذ بنود العقد ، أما في عقد تقديم الاستشارة القانونية فأن النتيجة التي يتعهد بها المستشار القانوني ليست تقديم الاستشارة القانونية فحسب وإنما يجب أن تكون الاستشارة القانونية محتوية على حلول ناجعة للمشكلة موضوع الاستشارة القانونية.

    وهذه المفاهيم ظهرت نتيجة عجز قاعدة ضمان العيوب الخفية في اطار عقد تقديم الاستشارة القانونية ،

    ففي الحالة التي يكتشف فيها المستفيد إن الاستشارة القانونية لم تكن ناجحة وغير صحيحة فلا يستطيع الاستناد إلى قاعدة العيوب الخفية لاقتصار هذه القاعدة على الالتزامات المادية فقط دون الالتزامات ذات الأداءات الذهنية ،

    وللإحاطة بمفهوم تحقيق النتيجة في نطاق عقد تقديم الاستشارة القانونية على وفق ما تم عرضه أعلاه فأننا نقسم هذا الفرع الى الفقرتين الآتيين :

    أولاً : عرض فكرة التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة:

    پری جانب من الفقه إن التزام المستشار القانوني بتقديم الاستشارة القانونية هو التزام بتحقيق نتيجة.

    وتبعا لذلك يفترض أن المستشار القانوني يعد مخطئة بمجرد عدم تحقيق النتيجة ودعم هذه الاتجاه رأيه بالحجج الأتية :

    1- من حيث الاستقلالية .

    حيث يتمتع المستشار القانوني في أدائه للمشورة القانونية بالاستقلالية ، ولا يتدخل المستفيد في عمله ما دام المستشار القانوني لم يخرج عن القواعد التي تقررها المهنة ،

    ولما كانت هذه الاستقلالية تجعل من الصعب على المستفيد الإحاطة بالاستشارة التي قد تصدر من المستشار القانوني ،

    لذلك فأنه من مقتضيات العدالة أن نجعل التزام المستشار القانوني التزام بتحقيق نتيجة ، لأنه بخلاف ذلك سنحمل المستفيد تبعيةالأخطاء الصادرة من المستشار القانوني ، وان الزام هذا الأخير بتحقيق نتيجة تجعله يدرك أهمية الاستقلالية الممنوحة له وخطورتها .

     ۲ – نية المتعاقدين .

     أن المستفيد لم يبرم عقد تقديم الاستشارة القانونية إلا لاعتقاده بإمكانية الاستفادة من الاستشارة القانونية وتحقيق الأهداف المرجوة من الاستشارة القانونية، وكذلك المستشار القانوني لم يوافق على التعاقد مع المستفيد إلا لثقته بقدرته على تحقيق النتيجة المرجوه من قبل المستفيد ، ومن استجلاء نية المتعاقدين يمكننا القول بأن الأصل في التزامات المستشار القانوني هو تحقيق النتيجة.

     ۳ – خبرة المستشار القانوني المهنية وتخصصه .

     خبرة المستشار القانوني وتخصصه لها الدور البارز في تدعيم هذا الرأي حيث انه يفترض به الدقة الفائقة في ضمان تحقيق النتيجة وتحتل هذه الحجة مركز الصدارة في الحجج التي قيلت لتبرير طبيعة التزام المستشار القانوني بكونه التزاما بنتيجة.

     4 – مصلحة المستشار القانوني .

     تتحقق مصلحة المستشار القانوني نفسه من خلال الإقرار بهذه الطبيعة لالتزامه في عقد تقديم الاستشارة القانونية ، إذ أن هذا الإقرار يعني تأكيد الثقة الكاملة التي منحها المستفيد لشخصه وهذا ينمي صفة الحرص عند المستشار القانوني في معاملاته المستقبلية مما يساعد على تدعيم سمعته المهنية عموماً وميزاته الشخصية خصوصاً.

     ه – المستفيد ينتظر من المستشار القانوني تحقيق نتيجة.

    علاقة المستفيد بالمستشار القانوني شبهها البعض بأنها بمثابة علاقة الطبيب الممارس بأستاذه ومن ثم ينتظر منه تحقيق نتيجة ، فخبرة المستشار القانوني تحتم عليه أن يحل جميع المشاكل المطروحة أمامه ، وهو بهذا الصدد يلتزم بنتيجة.

    وعلى الرغم من المبررات التي قيلت بصدد تأييد هذ الاتجاه إلا أنها لم تحول دون إعادة تقويمه وتوجيه سهام النقد اليه ، وهذا محور دراستنا في الفقرة القادمة.

    ثانياً : تقويم فكرة التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة:

    إن فكرة التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة لم تسلم من سهام النقد ، حيث أن المبررات التي قال بها انصار هذا الاتجاه قابلة للتجريح والنقد من جوانب عده :

    1- من قال باستقلالية المستشار القانوني في أعداده للمشورة القانونية كمبرر للقول بأن التزامه ، التزام بتحقيق نتيجة ،

    يرد عليه بأنه لا علاقة مباشرة بين استقلالية المستشار القانوني وعدم قدرة المستفيد على رصد الأخطاء الصادرة من المستشار القانوني ،

    فتحقيق النتيجة التي نحن بصددها يتعدى مفهوم تقديم الاستشارة ، ويتضمن معنى الالتزام بضمان فاعلية الاستشارة ، وبالتالي فأن القول بالاستقلالية بالمعنى السابق يصح اذا كنا نأخذ بالمعنی التقليدي للالتزام.

     ۲ – لم يحدد انصار هذا الاتجاه إلى أي مدى يلتزم المستشار القانوني بضمان الاستشارة القانونية حيث انهم خلطوا بين مرحلتين فيما يتعلق بالاستشارة القانونية الأولى الخاصة ببذل الاستشارة القانونية واعطائها للمستفيد ،

    أي العمل المادي المتمثل في نصح المستشار القانوني اللمستفيد ، والثانية المتعلقة بتنفيذ الاستشارة القانونية من جانب المستفيد ،

    فظاهر حال هذا الاتجاه يدعو إلى جعل الأمر متروكة إلى تقدير المستفيد ، وهذا الأمر قد يؤدي إلى تعسف المستفيد في استعماله لحقه في تحديد هذا النتيجة.

    ٣ – اعتماد المستشار القانوني على خبرته وتخصصه وملكته الذهنية في إبدائه للمشورة القانونية والتي يعدها من ذهب في هذا الاتجاه حجة في تأييد وجهة نظرهم ، تعد سبباً لنقض وجهت النظر هذه وذلك لان المستشار القانوني لا يلتزم إلا بتقديم ما يراه مناسبة للمستفيد من وجهة نظره الخاصة والمستندة إلى إمكانياته وتخصصه ،

    كذلك استقرار الفقه القانوني على أن التزام العديد من المهنيين المتخصصين وخاصة الذين يقوم عملهم على الأداء الذهني ، مبني على أساس بذل عناية وليس تحقيق نتيجة.

     4 – الركون إلى نية المتعاقدين في عد التزام المستشار القانوني التزام بتحقيق نتيجة امر يبتعد عن الصواب ، وذلك لأنه ليس من السهل الكشف عن هدف المستفيد من أبرام عقد تقديم الاستشارة القانونية مع المستشار القانوني في الصورة التي يخفي فيها المستفيد بعض أهدافه ، وكذلك الأمر بالنسبة للمستشار القانوني حيث يعتقد الأخير عند دخوله في هذه الرابطة العقدية بقدرته على أداء الاستشارة القانونية المتلائمة مع حاجة المستفيد دون أن يتعدى ذلك استنتاجه ويقينه بقدرته على تحقيق النتيجة التي يبغاها المستفيد.

     5 – إن تميز الالتزامات الناشئة في ذمة المستشار القانوني – كالالتزام بالاستشارة والالتزام بالسرية – تقودنا إلى تحديد طبيعة التزامه بأنه ليس التزام بتحقيق نتيجة ،

    وذلك لأن هذه الحداثة واللاتقليدية في التزامات المستشار القانوني معناها عدم افتراض خطئه بمجرد عدم تحقيق النتيجة ، وإنما يجب أن يتم أثبات صدور خطأ في تنفيذ هذه الالتزامات ،

    وكذلك إن مصلحة المستشار تقتضي نقل عبء أثبات وجود خطأ في عمله منه إلى المستفيد ، حيث أن التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة سيجعله يتخوف ويتريث عند أبرامه لأي عقد مشورة مما يؤثر سلبة في سمعته المهنية.

    واستنادا لما تقدم فأن الفقه يقرر أن التزام المستشار القانوني هو التزام ببذل عناية ، وذلك لأن فاعلية الاستشارة القانونية المقدمة من قبل المستشار القانوني تتوقف على إرادة المستفيد الذي يكون له مطلق الحرية في أن يأخذ بالاستشارة القانونية من عدمه.

    عليه فأن المستشار القانوني لا يضمن تحقيق النتيجة التي تتوقف على إرادة المستفيد ، فضلا عن استقرار الفقه القانوني على أن التزام العديد من المهنيين المتخصصين وخاصة الذين يقوم عملهم على الأداء الذهني ، مبني على أساس بذل عناية وليس تحقيق نتيجة .

    الفرع الثاني

    التزام المستشار القانوني التزام ببذل عناية

     وأمام الانتقادات التي تعرضت لها فكرة التزام المستشار القانوني بتحقيق نتيجة ، لذا ذهب جانب من الفقه إلى أن التزام المستشار القانوني يعد التزام ببذل عناية ،

    ولمحاولة معرفة مدى ملائمة هذا الاتجاه لطبيعة التزامات المستشار القانوني العقدية فأننا نقسم هذا الفرع إلى الفقرتين الآتيين:

    أولاً : عرض فكرة التزام المستشار القانوني ببذل عناية:

    و يرى هذا الاتجاه أن المستشار القانوني لا يكلف إلا ببذل ما تفرضه عليه أصول مهنته وقواعدها دون أن يلتزم بتحقيق النتيجة التي يرجوها المستفيد؟

    ، وهو ببذله لهذا الجهد يجب أن لا يقل عما يبذله الشخص المهني المعتاد ، ويستند انصار هذا الاتجاه إلى العديد من الحجج التي تبرر الأخذ بهذا الرأي وهي :

    1 – إن القول بغير التزام المستشار القانوني هو التزام ببذل عناية ، والقول بغير ذلك يعد إجحافا بحق المستشار القانوني الذي سيكون ملتزم بتحقيق نتيجة يستطيع المستفيد أن يؤثر في تحقيقها من خلال الرغبة في عدم تنفيذ محتوي الاستشارة القانونية ،

    أي أن تحقيق النتيجة ليس بيد المستشار القانوني بل هو امر يعود إلى الطريقة التي يضع فيها المستفيد الاستشارة القانونية موضع التنفيذ.

     ۲ – طبيعة التزام المستشار بتقديم الاستشارة القانونية الذي هو أداء ذات طبيعة ذهنية ، تسمح لأن يؤسس المستشار القانوني التزامه على أساس أنه التزام ببذل عناية لأن نتاجه الفكري مبناه ما يراه المستشار القانوني انه صحيح وليس ما كان محققأ لأهداف وطموحات المستفيد في المستقبل.

     3 – إن المستشار القانوني يعتمد على معلومات وخبرات سابقة ، وهذه بدورها تجعله اكثر حرصاً على عدم تأكيد نتائج استشارته لكون المعلومات والخبرات تشهد تطورا سريعا في مفهومها وأبعادها ومدى تأثير هذا التطور على تنفيذ استشارته.

     4 – استقر الفقه القانوني على أن التزام العديد من المهنيين المتخصصين مبني على أساس بذل عناية وليس تحقيق نتيجة وخصوصا في المهن التي تعتمد على الطابع الذهني ،

    كالتزام المحامي مع موكله ، ولا يوجد ما يمنع من نقل الحكم إلى التزام المستشار القانوني باعتباره مهنية يعتمد عمله على نتاج ذهنه وقريحة فكره ، هذا من جانب وكذلك فأن تقديم الاستشارة القانونية هي عمل من أعمال المحاماة وهذا ما نصت عليه المادة/ 1/۲۲ من قانون المحاماة العراقي بنصها (( لا يجوز لغير المحامين المسجلين في جدول المحامين أبداء الاستشارة القانونية ……)).

    بالرغم من وجاهة هذه المبررات واقترابها من طبيعة التزام المستشار القانوني ، إلا أنها لم تسلم من إعادة تقويمها وهذا ما س————

    ثانياً : تقويم فكرة التزام المستشار القانوني ببذل عناية:

    لم يسلم الفقه بهذا التحليل لتحديد طبيعة التزامات المستشار القانوني من حيث أن التزام المستشار القانوني بتنفيذ العقد يتميز بتنوع اداءاته ،

    وهذا الأداءات اذا كان بعضها يمكن أن يكون التزام ببذل عناية كالالتزام بضمان فاعلية الاستشارة القانونية لحل المشكلة موضوع الاستشارة القانونية ،

    فان ثمة اداعات أخرى لا يمكن أن توصف إلا بأنها التزام بتحقيق نتيجة كالتزام المستشار القانوني بتقديم الاستشارة القانونية التي تكون معبرة عن التخصص المهني للمستشار القانوني.

    ومع كل ما تقدم فأنه لا يمكننا أن نسلم بالرأي القائل بأن التزامات المستشار القانوني هي التزامات بتحقيق نتيجة وذلك لأنه لا يمكن قبول فكرة تحديد طبيعة التزام المستشار القانوني بالنظر إلى الفعل المادي المتمثل في عملية النصح في حد ذاتها ، بغض النظر عن مضمونها ، فلا يمكن قبول أن مقصد المستفيد من الاستشارة القانونية هو الحصول على الأوراق التي تحتوي هذه الاستشارة ،

    وبغض النظر عن ماهية هذه الاستشارة ، إذ أن المستفيد ما الجأ إلى المستشار القانوني إلا مطالباً إياه بأفضل الحلول التي تعينه على اتخاذ قراره في ضوء معرفة المستشار القانوني وخبرته ،

    فالنتيجة التي يتعهد بها المستشار القانوني ليست عملا ماديا يتمثل في تقديم أوراق متضمنة على حلول لو طبقت في الواقع لحققت للمستفيد رغباته ،

    حتى يمكن القول بغير ذلك وعليه فأنه عند البحث في تحديد طبيعة التزام المستشار القانوني يتعين النظر إلى طبيعة المهمة والعمل الملتزم به لا إلى العمل المادي الذي يقوم به،

    وفي ضوء ذلك لا يمكن التسليم بالإطلاق إلى أن التزامات المستشار القانوني التزامات بتحقيق نتيجة ، فقد ترد الاستشارة القانونية على حقائق ومسلمات ، كالإشارة إلى المستفيد بتقديم طعن خلال فترة معينة ، وهنا يكون التزام المستشار القانوني التزام بتحقيق نتيجة ،

    أما اذا كانت المشورة القانونية ترد على مسائل محل خلاف وجدل ومثار نقاش بين القضاء أو الفقه القانوني بحيث لا يقطع بصحة رأي دون الأخر فلا شك أن التزام المستشار القانوني هو التزام ببذل عناية.

    و مما تقدم نخلص إلى إن التزامات المستشار القانوني تكون بالنظر إلى طبيعة المشورة وما تنصب عليه المشورة القانونية من عمل ،

    فأذا كانت المشورة القانونية تنصب على مسألة خلافية مثار نقاش وجدل وتتعدد فيها الأراء ، فأن التزام المستشار القانوني حيالها يكون التزام ببذل عناية اذا راعي في تنفيذها الأصول الفنية المرعية والقواعد المعمول بها فأنه لا يضمن بعد ذلك للمستفيد تحقيق النتيجة ،

    أما اذا كانت المشورة القانونية ترد على حقائق ومسلمات لا مثار للخلاف بشأنها ومتفق عليها من قبل القضاء والفقه فلا شك إن التزامات المستشار القانوني حيالها تكون التزامات بتحقيق نتيجة .

  • الخصائص الخاصة لعقد تقديم الاستشارة القانونية

    تبرز خصوصية عقد تقديم الاستشارة القانونية في كل مرحلة من مراحلة ، ابتداءاً من تكوينه ومروراً بتنفيذه وانتهاء بانقضائه .

    فعند تكوينه نجد خصوصيته في ركون المستفيد إلى المهني المتخصص ، مستنداً في اختيار هذا المهني إلى الاعتبار الشخصي في أبرام عقد تقديم الاستشارة القانونية ، وعند التنفيذ تضفي على طرفيه التزامات غير تقليدية ، وهي الالتزامات التي تسمى بالمهنية ، وعند انقضائه نجد خصوصية هذا العقد في دفع أطرافه إلى عدم الأخذ بالحلول التقليدية فيما يتعلق بفسخ العقد والذي يتجلى في بقاء بعض الالتزامات حتى بعد انقضاء العقد ومثالها الالتزام بالسرية الذي يوصف بأنه التزام مؤبد .

    ولكل ما تقدم فأننا نقسم هذا المطلب إلى ثلاثة فروع على النحو الآتي :

    الفرع الأول : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مهني

     الفرع الثاني : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد يقوم على الاعتبار الشخصي

     الفرع الثالث : عقد تقديم الاستشارة عقد منشیء لالتزامات خاصة

    الفرع الأول : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مهني

    عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد مهني عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد يبرم مع مهني متخصص في مجال القانون ويقدم أداء يحتاج اليه المستفيد ،

    وعليه فأن المستشار القانوني يعد ممارسة لمهنة حرة ومن ثم يصبح عقده مع المستفيد عقد مهني فهذا العقد تعتمد فيه الالتزامات الجوهرية ( كالالتزام بتقديم الاستشارة والالتزام بالسرية ) وحتى الثانوية على الأداء الذهني لأحد أطرافه أي أن للعقل الأثر البارز في هذا العقد.

    ولا يوجد عمل إيجابي بدون أن يكون للعقل دور فيه ، وأن كان دور العقل في بعض الأعمال يبدو ضئيلاً فأن هذا الدور يتسع ويتعاظم في العقود التي يبرمها أصحاب المهن الحرة ، ومن الأمثلة على العقود المهنية ، العقود المبرمة مع المحامي و المهندس المعماري والطبيب ، حيث إن هذه العقود تعتمد على نتاج ذهن المهني وقريحته.

    فعقد المستشار القانوني مع المستفيد عقد مهني يمارس فيه المستشار مهنته على وجه الاستقلال ، كونه يتمتع بمهارات فنية خاصة ويمتلك معارف متميزة يقدمها للمستفيد على وجه الاستقلال ، وهذا الاستقلال يتحقق للمستفيد المتعاقد مع المستشار أيضا.

    ومن الجدير بالذكر إن عقد تقديم الاستشارة القانونية يلتقي مع طائفة العقود المهنية من عدة جوانب ، فمن جانب تقترب الالتزامات الملقاة على عاتق المستشار القانوني من طبيعة الاداءات التي يتعهد بها أصحاب المهن الحرة من حيث الاعتماد على الأداء الذهني والعقلي في تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد ،

    ومن جانب ثاني فأن المستشار بمقتضی عقد تقدیم الاستشارة لا يلتزم سوى ببذل عنايته في سبيل توصيل المستفيد إلى الهدف الذي يبتغيه من الاستشارة ، فالتزامه ليس بنتيجة بل بوسيلة ، ولا يوجب عليه سوى بذل جهدأ معينة أو عناية التحقيق الهدف الذي يسعى اليه المستفيد وهو الاستفادة من الاستشارة ، فالمستشار باعتباره مهنياً ملتزم باحترام العناية التي وعد بها وأن يؤدي عمله على نحو يكفل به تأكيد ووجود مبدأ  الاستقلال .

    وهذا عين التزام المهني في عقود أصحاب المهن حيث لا يلتزم في الأصل إلا ببذل عناية ، ومن جانب ثالث فان البعض يعد عقد تقديم الاستشارة القانونية من عقود المقاولة)، وهو بهذا يقترب من عقود المهن الحرة التي تعد صور من صور عقد المقاولة ، وهذا ما سيتم بحثه بالتفصيل في مواضيع قادمة.

     الفرع الثاني : عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد يقوم على الاعتبار الشخصي

    عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد يقوم على الاعتبار الشخصي على الرغم من تنوع واختلاف الخدمات ذات الطبيعة الذهنية والعقلية ، إلا انه يوجد عدد من السمات المشتركة بين هذه الخدمات على اختلاف أنواعها ، وأهم هذه السمات أنها تقوم على الاعتبار الشخصي .

    ويعد عقد تقديم الاستشارة القانونية من العقود القائمة على الاعتبار الشخصي ، كالسمعة والكفاءة العلمية والأمانة وما قام به المستشار القانوني من أعمال أكسبته تجربه وخبرة كافية.

    وهذه الخبرة والتجربة بدورها تجعل من شخصية المستشار موضع اعتبار خاص في العقد ، فالمستفيد ينظر إلى المستشار القانوني نظرة العارف والعالم بكل ما يتصل بموضوع الاستشارة القانونية، وأنه ينظر أليه على انه سيجد عنده الحل الأفضل لما يواجهه من مشکلات ، فالمستفيد ينظر للمحامي باعتباره المدافع عن الحقوق والحريات ، لذلك يحرص المستفيد عندما يروم التعاقد على التحقق من توفر هذه المؤهلات الشخصية للمستشار القانوني ، ولا يتعاقد إلا مع من يجد أنه مؤهل لتقديم الاستشارة القانونية ، ولهذا كان عقد تقديم الاستشارة القانونية من عقود الاعتبار الشخصي ، ويترتب على كون شخصية المستشار القانوني محل اعتبار في عقد تقديم الاستشارة القانونية ، أن يكون المستشار القانوني شخصا طبيعياً دائماً .

    ويرى البعض أن هذا القول غير دقيق ، وذلك لأن الثقة المتولدة عند المستفيد تبقى تلازم شخص المستشار القانوني ولا فرق في ذلك بين كونه شخصأ طبيعاً أو معنوياً .

    ففي حالة تقديم الاستشارة القانونية عن طريق المكاتب الاستشارية أو عن طريق شركة التقديم الاستشارة القانونية مثلا فأن العلاقة والرابطة الشخصية تقوم في هذه الحالة بين المستفيد من جهة وبين من يمثله الشخص المعنوي أمام الغير من جهة أخرى ، أي إن الثقة الممنوحة للشخص المعنوي تتمثل في شخص مديره الذي يمثله قانونا أمام الغير .

    والحقيقة أن الأشخاص الذين يملكون المعرفة التي يملكها المستشار القانوني كثيرون ، ولكن اختيار مستشار قانوني محدد يعني وجود ثقه ، ليس فقط في المعلومات والمعرفة التي يملكها أنما أيضا في شخصه وسلوكياته ، هذا وتعتبر مهنة تقديم الاستشارة القانونية من المهن الحرة ، أذ أصبحت كلمة مشورة أو استشارة موضوعة للعديد من المهن الحرة كالمحامين المستشارين ، المهندسين المستشارين ، المستشارين الماليين وغيرها من المهن التي لا تقع تحت دائرة الحصر ، إضافة إلى أن التطور العصري وسع من دائرة الالتزام بتقديم الاستشارة إلى عدة مهن متنوعة لتشمل أنواع الخدمات الفكرية كافة ، كالعقود التي تبرم بين البنك والعملاء وعقود الامتياز التجاري – الفرنشايز – وحتى انه امتد ليشمل كل بائع أو مؤجر ألة تقنية أو كل مقدم خدمة فنية ، حيث يلتزم هؤلاء بالتزام بالاستشارة تجاه عملاءهم حول كيفية استعمال هذه الآلات المتطورة التي يضعونها تحت أيديهم.

    ومما تجدر ملاحظته أن عقد تقديم الاستشارة القانونية قد يشتبه مع غيره من العقود في خصيصاً الاعتبار الشخصي ، ويكمن تميزه عن هذه العقود في إن عقد تقديم الاستشارة القانونية لا يقوم إلا على الاعتبار الشخصي في حين أن العقود الأخرى تعتبر أن الاعتبار الشخصي أصلاً يمكن أثبات خلافه ولا يقدح في صحة هذه العقود عدم توفر هذا الاعتقاد لدى أطرافها في حين نجد أن انتفاء هذه الصفة في عقد تقديم الاستشارة القانونية ينفي عنه صفة العقد على الاتفاق الواقع بين أطرافه وهذا ما نصت عليه المادة / ۲/۸۸۸ من القانون المدني العراقي بنصها

    ((وتعتبر دائمة شخصية المقاول محل اعتبار في التعاقد اذا أبرام التعاقد مع فنان أو مهندس معماري أو مع غيرهم ممن يزاولون مهنا حرة أخرى …….. )) .

    ومن الجدير بالذكر إن من أثار اعتبار عقد تقديم الاستشارة القانونية من عقود الاعتبار الشخصي ، أنه في حالة موت المستشار القانوني أو فقد أهليته فأن العقد المبرم بينه وبين المستفيد ينقضي ولا ينتقل العقد إلى ورثته وذلك لأن الثقة التي منحها المستفيد للطرف الآخر – المستشار القانوني – منحها لشخصه فلا يتصور أن تنتقل بعد ذلك إلى ورثته بدليل نص المادة / 1/۸۸۸ من القانون المدني العراقي على

    (( تنتهي المقاولة بموت المقاول اذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار في التعاقد …….)).

    أما المستفيد فلا يؤثر موته أو فقده لأهليته على العقد ، بل يبقى قائمة بين المستشار وورثة المستفيد الذين يحلون محله في العقد طبقا للقواعد العامة .

    ويشار تساؤل في هذا الصدد ما اذا كان الورثة يمارسون النشاط ذاته الذي كان يمارسه المستشار القانوني فهل ينتقل العقد في هذا الصدد إلى الورثة ؟

    يقرر الفقه في الجواب على هذا التساؤل أن الثقة والأمانة التي أعطاها المستفيد للمستشار القانوني لا تسمح بانتقال العقد إلى الورثة ،

    فاذا كان الورثة يمارسون نفس نشاط المستشار القانوني ورغب المستفيد في أن يستمر العمل مع الورثة ، فأن عليه أن يبرم عقد جديد مع الورثة ،

    ويعد هذا العقد الجديد بمثابة منح ثقة للورثة بموجبها يستطيعون تقديم الاستشارة القانونية ، فاستمرار تلك الثقة التي كانت للمورث وانقطعت بالوفاة ، منوطة بشرطين ، الأول اذا رغب المستفيد في الاستمرار والثاني أن يبرم عقد جديد مع الورثة ، ومن ذلك كله يمكن القول أن الأصل في عقد تقديم الاستشارة القانونية أنه لا ينتقل للورثة بوفاة المستشار القانوني ، إلا أنه يرد استثناء على ذلك في انه أذا رغب المستفيد في الاستمرار أن يبرم عقد جديد مع الورثة.

    وهنا نتسأل هل يترتب على الاعتبار الشخصي شيء آخر ؟

    يترتب أيضا على الاعتبار الشخصي في عقد تقديم الاستشارة القانونية أن الحق في الزبائن لا ينتقل في حالة البيع أو الوفاة ،

    فالحق في الزبائن يعد عنصراً جوهرياً من عناصر المحل التجاري يمكن تقويمه ويقبل الانتقال أما في عقود الاعتبار الشخصي فأنه لا يتصور انتقالهم لأن شخصية المستشار محل اعتبار بالنسبة لهم ،

    ومثال ذلك أذا باع المحامي مكتبه فأن الحق في زبائنه لا ينتقل إلى المشتري الجديد للمكتب لأن شخصية المحامي في التعامل مع الزبائن محل اعتبار .

     الفرع الثالث : عقد تقديم الاستشارة عقد منشیء لالتزامات خاصة

    عقد تقديم الاستشارة القانونية عقد منشئ لالتزامات خاصة تبينا لنا فيما سبق أن عقد تقديم الاستشارة هو عقد ملزم للجانبين بمعنى أنه ينشئ التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين.

    فهناك طائفة من الالتزامات تقع على عاتق المستشار ، ويقابلها في ذات الوقت طائفة أخرى من الالتزامات ملقاة على عاتق المستفيد ، وهذه الالتزامات بعضها ما هو تقليدي تلتقي بها جميع العقود كالالتزام بدفع المقابل والالتزام بتسليم الاستشارة .

    والبعض الآخر توصف بأنها التزامات خاصة ويطلق عليها البعض التزامات غير تقليدية ، كالالتزام بالسرية ، والالتزام بالتعاون ، وان الطبيعة الخاصة لهذه العقود تتمثل في نواح عدة فتبدأ بمرحلة التفاوض وتمر بتكوين العقد وتنتهي بتنفيذ هذا العقد ، والبعض من هذه الالتزامات يبقى قائمة حتى بعد انتهاء العقد مالم يتم الاتفاق على خلاف ذلك ، كالالتزام بالمحافظة على سرية المعلومات التي اطلع عليها المستشار.

    من جهة أخرى فأن هذه الالتزامات بقيت إلى وقت قريب واجبات أخلاقية تقتضيها مبادئ الشرف وأمانة المهنة ولا ترقى إلى مستوى التزامات قانونية .

    إلا أن الفقه القانوني ذهب مؤخرة إلى عد هذه الالتزامات كأثر مباشر عن هذا العقد ، وهذا التطور جاء نتيجة لارتباط هذه الالتزامات بعقد حديث نسبية يعتمد على الأداء الذهني والفكري للمستشار إضافة للثقة الراسخة والمتجسدة بشخصه.

    وهذا يقودنا إلى القول أن دمج هذه الالتزامات التقليدية والغير تقليدية أو الخاصة في عقد تقديم الاستشارة القانونية أضفى ميزة جديده على هذا العقد حيث سيكون المصدر المباشر لهذا الالتزامات بدلا من البحث في مصادر أخرى خارج اطار الرابطة العقدية

  • تقادم الدعاوى الناشئة عن عقد التأمين البحري

    1- تقادم الدعاوى الناشئة عن عقد التأمين البحري:

    تنص المادة (387) من قانون التجارة البحرية على ما يلي:

    1 – تنقضي بمضي سنتين كل دعوى ناشئة عن عقد التأمين البحري:

    ومما تجدر ملاحظته هنا بأن المشرع قد قصر مدة التقادم في عقود التأمين البحرية وذلك لضرورة سرعة إنهاء المعاملات المتعلقة بالأمور التجارية وتسهيل المعاملات و انتقال وتدوير رأس المال في المجتمع الاقتصادي وخوفا على ضياع وسائل الإثبات.

    ومن أهم الدعاوى التي تنشأ عن عقد التأمين البحري هي دعاوى المؤمن له ضد المؤمن ودعاوى الغير ضد المؤمن وضد المؤمن له. فمن الدعاوى التي تحمي حقوق أو مصالح المؤمن له: دعوى المطالبة بمبلغ التأمين عند استحقاقه بوقوع الحادث أو دعوى البطلان أو الفسخ أو التعويض . 

    ومن الدعاوى التي تحمي حقوق ومصالح المؤمن: دعوى المطالبة بالأقساط ودعاوى البطلان أو الفسخ أيا كان سببه ودعوى استرداد ما دفع بغير وجه حق ودعوى التعويض .

    أما دعوى المضرور ضد المسؤول المؤمن له) في التأمين من المسؤولية أو دعوى المؤمن له على المسؤول عن وقوع الخطر المؤمن منه، فإنها تخضع إلى ما قرره القانون لهم من حق خاص في المادة (173) من القانون المدني التي تقضي بسقوط دعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع بمضي ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسؤول عنه.

    أو بمرور خمس عشرة سنة من وقوع العمل غير المشروع أي المدتين تقضي أولاً.

    ويقول القضاء في هذا الشأن أن حق المضرور ينشأ قبل المؤمن له من وقت وقوع الحادث الذي ترتبت عليه مسؤولية المؤمن له مستقلا عن حق المؤمن له قبل المؤمن لأن المضرور يستمد حقه مباشرة بموجب النص القانوني من العمل غير المشروع الذي أنشأ حقه قبل المؤمن له وبذلك يستطيع المضرور أن يرفع دعواه المباشرة، على المؤمن من وقت وقوع الفعل الذي سبب له الضرر، مما يترتب عليه أن مدة الثلاث سنوات المقررة لتقادم هذه الدعوى تسري من هذا الوقت، وهي في هذا تختلف عن دعوى المؤمن له قبل المؤمن التي لا يبدأ سريان تقادمها إلا من وقت مطالبة المضرور للمؤمن له بالتعويض.

    أما فيما يتعلق بدعوى الحلول التي يرفعها المؤمن ضد المسؤول عن الحادث الذي كان بسبب وفائه بالتعويض للمؤمن له. فهنا نميز بين حالتين:

    أ- إذا كان المؤمن يستعمل حق المؤمن له في الرجوع على المسؤول: فتخضع دعوى الحلول لتقادم حق المؤمن له ذاته في تعويض المسؤولية بحسب طبيعة نشوء هذا الحق، حيث أنه نشأ هذا الحق عن الفعل الضار فإن دعوى الحلول لا تستند إلى عقد التأمين.

    ب – أما إذا كانت دعوى الحلول يباشرها أحد المؤمنين في حالة تعدد المؤمنين أو أكثر فإن الدعوى تعد ناشئة عن عقد التأمين وتخضع للتقادم الذي تقرره المادة 387 من قانون التجارة البحرية.

    2- بدء سريان التقادم:

    وضحت الفقرة الثانية من المادة 387 من قانون التجارة البحرية حالات بداية مدة التقادم تبعا للواقعة المنشئة لدعوى التقادم وذلك على النحو التالي:

    1- إذا كانت الدعوى قائمة على أساس المطالبة بقسط التأمين وهي عادة الدعوى التي يرفعها المؤمن له، فإن مدة السنتين اللازمة لتقادم هذه الدعوى تبدأ من تاريخ استحقاق قسط التأمين.

    2 – تبدأ مدة التقادم بمضي سنتين من تاريخ وقوع الحادث الذي تنشأ عنه الدعوى فيما يتعلق بدعوى المطالبة بتعويض الأضرار التي تلحق بالسفينة، ذلك أن التزام المؤمن بالتعويض لا يستحق إلا بتحقق الخطر على نحو يشمله التأمين ولا يكفي وقوع الخطر بل لا بد من العلم به أيضا.

    3 – تبدأ مدة التقادم فيما يتعلق بدعوى المطالبة بتعويض الأضرار التي تلحق بالبضائع من تاريخ وصول السفينة إلى ميناء الوصول أو التاريخ الذي كان يجب أن تصل فيه فيما لو لم تصل لسبب من الأسباب، وهذا التاريخ يمكن معرفته من وكيل السفينة في ميناء الوصول بعد تسلم سندات الشحن، فإن كان الحادث الذي نجم عنه هلاك أو تلف البضاعة المؤمن عليها قد حدث بعد وصول السفينة لميناء الوصول أو بعد التاريخ الذي كان يجب أن تصل فيه، فإن التقادم يبدأ من تاریخ وقوع الحادث.

    4 – في حال نجم عن الحادث البحري ترك السفينة أو البضاعة للمؤمن، فإن دعوى المطالبة بتسوية الأضرار بطريق الترك تبدأ مدة تقادمها من تاريخ وقوع الحادث الذي سبب الترك، فإذا كان عقد التأمين يحتوي على مهلة لاقامة دعوى الترك، فإن التقادم يسري من تاريخ انقضاء هذه المهلة.

    5 – في حال كانت الدعوى هي مطالبة المؤمن له بالتعويض عما ساهم به الخسارة المشتركة أو عما دفعه بموجب دعوى المطالبة بمكافأة الإنقاذ المستحقة، فتقادم هذه الدعوى التي تقام قبل المؤمن يبدأ من تاريخ وفاء المؤمن له بما استحق عليه سواء في الخسارة المشتركة أو في مكافأة المساعدة.

    6 – تبدأ مدة تقادم دعوى المؤمن له في مواجهة المؤمن لمطالبته بما رجع الغير عليه من التاريخ الذي يقيم فيه الغير الدعوى على المؤمن له بالوفاء بما يطالب به الغير، مما يعني أن تقادم السنتين لا يبدأ بالسريان إلا من اليوم الذي يستعمل فيه هذا الغير دعواه في الرجوع على المؤمن له.

    والذي نلاحظه هنا أن المشرع قد اشترط لبدء سريان مدة التقادم وجود دعوى للمطالبة من قبل الغير تجاه المؤمن له، فهو لم يأخذ ببدء سريان التقادم من وقت مطالبة المضرور للمؤمن له بالتعويض. إذ أن هذه المطالبة قد لا تقترن بدعوى وإنما قد تتم بطرق ودية أو سلمية أو بطرق أخرى غير الدعوى.

    7 – تنقضي بمضي سنتين دعوى استرداد المبالغ المدفوعة بغير وجه حق (سواء أكان من رفعها هو المؤمن أم المؤمن له)، وتبدأ مدة التقادم في هذه الحالة من تاريخ علم من دفع هذه المبالغ بحقه في الاسترداد.

    3- انقطاع التقادم:

    سكت المشرع السوري في قانون التجارة البحرية عن بيان أحكام وقف التقادم بل اكتفى بذكر بعض الحكام المتعلقة بانقطاع التقادم في الفقرة الرابعة من المادة (387) وعليه سنعود إلى أحكام وقف التقادم التي جاء بها القانون المدني في المادة (379) التي نصت على ما يأتي:

    1- لا يسري التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه ولو كان المانع أدبية وكذلك لا يسري التقادم فيما بين الأصيل والنائب.

    2 – ولا يسري التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات في حق كل من لا تتوافر فيه الأهلية أو في حق الغائب أو في حق المحكوم عليه بعقوبة جناية إذا لم يكن له نائب يمثله قانوناً.

    وأمر تقدير موانع وقف التقادم يعود إلى قاضي الموضوع. ويعتقد أن الكذب وكتمان المعلومات التي يجب أن يقدمها المؤمن له للمؤمن مانعة يتعذر معه على الدائن أن يطالب بحقه، إلا بعد العلم بذلك مما يوقف التقادم خلال مدة جهله بتلك المعلومات، ومتی أوقف سريان التقادم بسبب أو لآخر فإن المدة التي وقف سريان التقادم في خلالها لا تحسب ضمن مدة التقادم وتحسب المدة السابقة والمدة اللاحقة.

    وبخصوص حالات انقطاع التقادم في قانون التجارة البحرية فلقد نصت الفقرة الرابعة من المادة 387 على انقطاع سريان التقادم بالمطالبة إذا قام المدعى بمطالبة المدعى عليه بموجب كتاب سجل، يضاف إلى ذلك أن التقادم ينقطع إذا تمت بين الطرفين مفاوضات لتسوية الخلاف ودية أو إذا تم انتداب خبير المعاينة الحادث وتقدير الأضرار الناجمة عنه.

    هذا بالإضافة إلى الأسباب المقررة قانوناً.

    وبالعودة إلى القانون المدني، نجد تلك الأسباب هي:

    أ- المطالبة القضائية وما في حكمها من رفع الدعوى أمام المحكمة ولو كانت غير مختصة مكانية أو نوعية وهذا ما أكدته محكمة النقض في قراراتها إذ قالت:

    “إن رفع الدعوى أمام محكمة غير مختصة يقطع التقادم في كل الأحوال حتى ولو كان لا ولاية للمحكمة بالنظر في النزاع”  والسبب في ذلك بأن المدعي يكون قد أظهر نيته المحققة في أنه يريد تقاضي هذا الحق قضائية وبالتالي يجزم بوجود الحق الذي يراد اقتضاؤه.

    ولكن يجب الملاحظة في أن التظلم المرفوع إلى سلطة إدارية لا يكفي لقطع التقادم.

    ب – التنبيه: وقد فسرت محكمة النقض التنبيه الذي يقطع التقادم بقولها: (إن التنبيه الذي يقطع التقادم والوارد ذكره في المادة 380 من القانون المدني إنما يعني الإخطار التنفيذي وإن مجرد مراجعة الدائن لدائرة التنفيذ وإيداعه سنده لديها لا يؤدي إلى انقطاع التقادم إذا لم يبلغ المدين الإخطار التنفيذي أصولا قبل شطب المعاملة) .

    ج – الحجز يقطع التقادم سواء أكان حجزة تنفيذية أم حجزة احتياطية. وعلى هذا قالت محكمة النقض: “إن الحجز الذي يقطع تقادم الأحكام هو الحجز التنفيذي أما الحجز الاحتياطي فإنه يعتبر قاطعة للتقادم بالنسبة للدعوى “.

    لذلك فإجراءات الحجز تقطع التقادم باعتبارها من الإجراءات التنفيذية الذي يستخدمها صاحب الحق للمطالبة بحقه ومنع المدين من تهريب أمواله المنقولة وغير المنقولة التي تعد جميعها ضمانة للدين استنادا إلى أحكام المادة (305) من القانون المدني السوري.

    والحجز يمكن أن يكون احتياطية أو تنفيذية وفي كلتا الحالتين ينقطع التقادم بالحجز بنوعيه، فالحجز الاحتياطي لا يسبقه التنبيه المنصوص عليه في الفقرة السابقة ومن ثم لا ينقطع التقادم إلا بتاريخ توقيع الحجز الاحتياطي بالذات.

    وأما الحجز التنفيذي فيسبقه التنبيه الذي يقطع التقادم ومن ثم يأتي بعده الحجز التنفيذي الذي يتم تنفيذه في السجل العقاري وإن تسجيل الحجز التنفيذي في السجل العقاري يعتبر قطعة للتقادم من جديد وذلك اعتبارا من تاريخ تسجيل الحجز في السجل العقاري.

    د – الطلب الذي يتقدم به الدائن لقبول حقه في تفليس أو في توزيع وبأي عمل يقوم به الدائن للتمسك بحقه في إحدى الدعاوى كما لو تدخل في دعوى مرفوعة من قبل مطالبة بالحق لنفسه أو أبدى طلباً عارضاً في دعوى مرفوعة ضد مدينه.

    هـ – إقرار المدين بحق الدائن: صراحة أو ضمنا كما لو وضع المدين تحت يد الدائن مالا مرهونة رهنا حيازياً تأميناً لوفاء دينه فكلاهما يصلح لقطع التقادم.

    حيث قضت محكمة النقض أن: “الإقرار القضائي الضمني بالمسؤولية يكفي لقطع التقادم “.

    ويترتب على انقطاع التقادم سقوط المدة السابقة .

    و – سريان تقادم جديد يبدأ من وقت انتهاء الأثر المترتب على سبب الانقطاع وتكون مدته هي مدة التقادم الأول.

    وفي حال خكم بالدين وحاز الحكم قوة القضية المقضية كانت مدة التقادم الجديد وفقا للقواعد العامة خمسة عشر سنة، وكذلك الحال إذا كان هناك دين مما يتقادم بسنة واحدة وانقطع تقادمه بإقرار المدين( الفقرة الثانية من المادة 382 من القانون المدني).

  • الأخطار المشمولة بالتأمين والأخطار المستبعدة من التأمين البحري

    المؤمن لا يضمن كل المخاطر البحرية التي تتعرض لها البضائع أو السفن خلال الرحلة البحرية، لأنه قد تكون هناك مخاطر مضمونة وأخرى مستثناة لا تدخل في عقد التأمين.

    المخاطر المضمونة بعقد التأمين البحري

    إن المخاطر المضمونة تنقسم إلى قسمين :

    القسم الأول : المخاطر المضمونة بدون حاجة إلى النص عليها في عقد التأمين.

    القسم الثاني : المخاطر المضمونة بمقتضى نصخاص في العقد.

    أولاً- المخاطر المضمونة بدون حاجة إلى النص عليها في عقد التأمين:

    المخاطر المشمولة بالضمان دون النص عليها في عقد التأمين عددتها المادة 329 من قانون التجارة البحرية القديم حيث نصت على أن

    “الضامن يتحمل مخاطر كل هلاك وضرر يلحق بالأشياء المضمونة من عاصفة وغرق وتنشيب على البر وتصادم وإرساء جبري وتغيير جبري للطريق والسفر وللسفينة والطرح في البحر والحريق والانفجار والنهب والضرر الذي يسببه البحارة قصدأ والسرقة وعموما كل الطوارئ والحوادث البحرية…

    وهذا ما تلافته المادة (373) من قانون التجارة البحرية لعام 2006 حيث نصت على أنه يسأل المؤمن عن الأضرار المادية التي تلحق الأشياء المؤمن عليها بسبب وقوع خطر بحري أو حادث يعتبر قوة قاهرة، كما يسأل كذلك :

    1- عن مساهمة الأموال المؤمن عليها في الخسارات البحرية المشتركة ما لم تكن ناشئة عن خطر مستثنى من التأمين. عن المصاريف التي تنفق بسبب خطر مؤمن منه لحماية الأموال المؤمن عليها من ضرر مادي أو للحد منه” 

    2- وحسنا فعل قانون التجارة البحرية الجديد في أنه حمل المؤمن المسؤولية عن جميع الأضرار المادية التي تلحق بالأشياء المؤمن عليها والتي تكون نتيجة لوقوع أي خطر بحري أو أي حادث يعتبر قوة قاهرة بدون حصر أو تحديد.

    كما قضت المادة (374) من القانون التجارة البحرية أنه :

    “1 – يسأل المؤمن عن الضرر المادي الذي يلحق الأشياء المؤمن عليها بفعل أو بخطأ المؤمن له أو تابعية البريين ما لم يثبت المؤمن أن الضرر ناشئ عن خطأ عمدي أو خطأ جسيم من جانب المؤمن له أو عن إهماله في بذل العناية المعقولة اللازمة لحماية الأشياء المؤمن عليها.

    2- كما يسأل المؤمن عن الضرر المادي الذي يلحق الأشياء المؤمن عليها بفعل أو خطأ الربان أو البحارة دون إخلال بما تقضي به الفقرة الثانية من المادة 391″.

    وتنص الفقرة الثانية من المادة 391 على أنه 

    “2 – ولا يسأل (المؤمن) عن الأضرار الناشئة عما يصدر عن الربان من أخطاء متعمدة”.

    ويبقى المؤمن مسؤولاً عن الأضرار الناشئة عن الأخطار المؤمن منها في حالة الاضطرار إلى تغيير الطريق أو الرحلة أو السفينة التي تقوم بنقل البضائع أو أي تغيير آخر يقرره الربان دون تدخل المجهز أو المؤمن له (الفقرة الأولى من المادة 375 من قانون التجارة البحرية).

    أما إذا لم يكن تغيير الرحلة أو الطريق اضطرارية ظل المؤمن مسؤولاً عن الحوادث التي وقعت في الجزء من الطريق المتفق عليه، أو الطريق المعتاد في حالة عدم وجود اتفاق (الفقرة الثانية من المادة 375 من قانون التجارة البحرية).

    وهكذا فإنه عند وقوع الأخطار البحرية يتعرض المؤمن له إلى أضرار يمكن أن تقسم إلى ثلاث فئات : 1- الأضرار التي تصيب السفينة أو البائع (خسائر الأضرار).

    2- النفقات التي يتعرض لها لتلافي الأخطار أو التخفيف من نتائجها (خسائر النفقات).

    3- العطل والضرر الذي يترتب عليه تجاه الغير. وهذه الأخطار البحرية التي تنتج عنها الأضرار يسأل عنها المؤمن دائما إلا ما استثناء القانون أو الاتفاق بين المؤمن والمؤمن له.

    ثانياً- المخاطر المشمولة بالتأمين بمقتضى نص خاص في العقد :

    نصت المادة 376 من قانون التجارة البحرية على أن “أخطار الحرب الأهلية، أو الخارجية، وأعمال القرصنة، والاضطرابات، والثورات، والاضطراب، والإغلاق، وأعمال التخريب، والإرهاب، والأضرار الناشئة عن تفجيرات أو إشعاعات ذرية أيا كان سببها، وكذلك الاستيلاء والمنع الصادر من سلطة عامة في أي دولة”.

    ليست على عاتق المؤمن ولا يشملها التأمين إلا إذا اتفق على خلاف ذلك.

    وكذلك هي الحال بالنسبة للأضرار التي تحدثها الأشياء المؤمن عليها للأموال الأخرى أو للأشخاص فيما عدا ما نصت عليه المادة 392 من قانون التجارة البحرية.

    وإذا اتفق على تأمين أخطار الحرب، شمل هذا التأمين الأضرار التي تلحق بالأشياء المؤمن عليها بسبب الأعمال العدائية، والانتقامية، والأسر، والاستيلاء، والإيقاف، والإكراه، إذا وقعت بفعل الحكومات أو السلطات سواء كانت معترف بها أم غير معترف بها، أو بسبب انفجار الألغام ومعدات الحرب الأخرى ولو لم تكن الحرب قد أعلنت أو كانت قد انتهت” (المادة 377 من قانون التجارة البحرية).

    وهكذا إذا عقد المؤمن له عقد التأمين على بضائعه أو سفنه ضد جميع الأخطار البحرية فإن هذا التأمين لا يشمل الأخطار الحربية.

    وإذا أراد المؤمن له تغطية هذه الأخطار توجب عليه إجراء عقد تأمين خاص ضد الأخطار الحربية سواء أتم ذلك في عقد التأمين الأول، أم بوثيقة مستقلة ولدى نفس المؤمن الأول أو لدى مؤمن آخر غيره.

    ولا يعد التأمين الثاني باطلا بسبب وروده على نفس الأشياء المؤمن عليها لأن كل تأمين يضمن أخطارة لا يضمنها التأمين الآخر.

    وهذا لا يؤدي بالنتيجة إلى إثراء المؤمن له على حساب المؤمنين لأن المؤمن له لن يحصل في حالة الهلاك أو وقوع الضرر إلا على مبلغ تأمين واحد.

    إما من المؤمن الذي يضمن الأخطار البحرية إذا كان الخطر بحرية، أو من المؤمن الذي يضمن الأخطار الحربية إذا كان الضرر ناجمة عن خطر حربي.

    وفي حال هلك الشيء المؤمن عليه، وكان مؤمنين عليه ضد الأخطار البحرية فقط، دون معرفة الخطر الذي سبب هذا الهلاك هل هو بحري أو حربي، فإن المشرع قد أقام قرينة لصالح المؤمن له، إذا افترض أن كل ضرر حاصل يعتبر ناشئاً عن المخاطر البحرية حتى يثبت المؤمن العكس أي أن يثبت أن الشيء المؤمن عليه قد هلك أو تعيب بسبب خطر حربي (المادة 378 من قانون التجارة البحرية).

    الأخطار المستبعدة من التأمين:

     الأخطار المستبعدة من التأمين هي :

    خطأ المؤمن له – غش الربان – العيب الخاص الشيء المؤمن عليه.

    أولاً: أفعال وأخطاء المؤمن له:

    نصت الفقرة الأولى من المادة 335 من قانون التجارة البحرية القديم على أن

    “الضامن غير مسؤول عن الهلاك والضرر الصادرين عن أخطاء مقصودة أو غير حرية بالمعذرة ارتكبها المضمون أو ممثلوه. وكل اتفاق مخالف يعتبر باطلا”.

    بينما نصت المادة (374) من قانون التجارة البحرية لعام 2006 على أنه:

    “1 – يسأل المؤمن عن الضرر المادي الذي يلحق الأشياء المؤمن عليها بفعل أو بخطأ المؤمن له أو تابعيه البريين ما لم يثبت المؤمن أن الضرر ناشئ عن خطأ عمدي أو خطأ جسيم من جانب المؤمن له أو عن إهماله في بذل العناية المعقولة اللازمة لحماية الأشياء المؤمن عليها”.

    ويتضح لنا من تلك النصوص أن المؤمن لا يضمن الضرر الناشئ عن الأخطاء العمدية أو الجسيمة التي يرتكبها المؤمن له أو ممثلوه.

    وذلك لأن عقد التأمين عقد احتمالي يقوم على احتمال وقوع الخطر أو عدم تحققه، فلا يسوغ للمؤمن له أن يتسبب عمدة أو بخطئه الجسيم في تحقق الخطر الذي يعطيه الحق في التعويض. أما أخطاء المؤمن له اليسيرة غير المتعمدة فيكون المؤمن مسؤولا عن الأضرار الناشئة عنها.

    ويعد خطأ جسيماً من المؤمن له عدم تغليف البضاعة فتتلف، وترك المجهز سفينة تبحر وهي غير صالحة للملاحة.

    ولا يجوز الاتفاق على ضمان المؤمن للأخطاء العمدية أو الجسيمة التي تقع من المؤمن له لمنافاة ذلك للنظام العام. فلقد جاء في المادة (218) من القانون المدني في باب آثار الالتزام على أنه: “2يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسؤولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي إلا ما ينشأ عن غشه أو عن خطأ الجسيم ومع ذلك يجوز للمدين أن يشترط عدم مسؤوليته عن الغش أو الخطأ الجسيم الذي يقع من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه”.

    ثانياً: أخطاء الربان:

    نصت الفقرة الثانية من المادة 335 من قانون التجارة البحرية على أنه :

    “لا يكون ضامن جرم السفينة مسؤولاً عن نتائج غش الربان وخداعه إذا كان قد عينه مجهز السفينة”.

    وإذا كانت المادة 329 من قانون التجارة البحرية تذكر الأخطاء التي تقع من البحارة ضمن الأخطار المضمونة، إلا أن المادة (336) تستثني من هذا الحكم وتقضي بإعفاء المؤمن :

    1 – من أعمال الغش والخداع التي يقترفها الربان ومن جميع الحوادث أيا كان مصدرها سواء أكانت ناتجة عن خرق الحصار وعن التهريب وعن التجارة الممنوعة أو السرية وذلك ما لم يكن الربان قد غير بدون رضاء مجهز السفينة أو ممثله واستبدل به آخر.

    2 – كل النتائج التي تترتب على السفينة من أي عمل يقوم به الربان أو البحارة على البر.

    وكذلك نصت الفقرة الثانية من المادة 374 من قانون التجارة البحرية لعام 2006 على أن :

    “2 – كما يسال المؤمن عن الضرر المادي الذي يلحق الأشياء المؤمن عليها بفعل أو خطأ الربان أو البحارة دون إخلال بما تقضي به الفقرة الثانية من المادة (391) التي تنص أنه :

    “ولا يسأل عن الأضرار الناشئة عما يصدر عن الربان من أخطاء متعمدة”.

    ومن هذه النصوص جميعاً يتبين أنه إذا كان المؤمن ضامن بوجه عام للأخطاء التي تصدر من الربان والبحارة، إلا أن مؤمن السفينة غير مسؤول عن الأضرار التي تصدر من الربان وتدليسه، أما مؤمن البضائع فيظل مسؤولاً عن الأضرار اللاحقة بها والناشئة عن غش الربان وتدليسه، وذلك لأن الربان ليس تابعاً للشاحن بل هو تابع للمجهز.

    ويلاحظ أن المؤمن على السفينة لا يكون مسؤولا عن نتائج غش الربان وتدليسه إذا كان الربان قد اختاره مجهز السفينة.

    أما إذا كان الربان قد استبدل به غيره بدون رضاء مجهز السفينة أو ممثله، فيظل المؤمن مسؤولاً عن نتائج الغش والتدليس.

    ثالثاً: العيب الذاتي في الشيء المؤمن عليه:

    ويقصد بالعيب الذاتي في الشيء المؤمن عليه الطبيعة الخاصة أو الحساسية الشديدة للشيء المؤمن عليه والتي تجعل قابليته للهلاك أو التلف سريعاً، ومثال ذلك:

    “قابلية بعض المعادن الشديدة للصدأ فيما لو تعرضت للرطوبة”.

    ومن ثم يتطلب حفظها والعناية بها توافر أجهزة معينة واتخاذ إجراءات ضرورية للمحافظة عليها.

    وذلك مثل نقل المواد الغذائية كاللحوم والأسماك والفواكه وأيضا السكر والحبوب إضافة إلى مواد أخرى كالجلود. ونظرا لطبيعتها الخاصة فإن العيب الذاتي يعتبر أحد الاستثناءات التي وردت في المادة (55) من القانون البحري الإنكليزي لسنة 1906 على النحو الآتي:

    “ما لم تنص الوثيقة على غير ذلك، فإن المؤمن غير مسؤول عن نتيجة التلف والبلى Wear and tear، والكسر العادي والرشح، العيب الذاتي أو طبيعة الشيء المؤمن عليه…”.

    ولذلك فقد صدرت وثيقة التأمين (تأمين على البضائع المكونة من فول الصويا ضد أخطار رحلتها من أندونيسيا إلى بلجيكا وحصرت تلك الأخطار في الحرارة والعرق والاحتراق. وكان من المعروف أن شحن فول الصويا صيفاً يفسدها إذا تجاوزت نسبة الرطوبة 14% وعند شحنها فعلا كانت نسبة الرطوبة تتراوح بين 12 إلى 13% ما عرضها لخطر التلف، وفعلا تلفت الحمولة ورفض المؤمن تحمل المسؤولية على أساس العيب الذاتي فيها فحكمت المحكمة بمسؤوليته، لأن نص الوثيقة أفاد غير ذلك.

    وفي قضية أخرى كان موضوعها تأمين لحم خنزير معلب، ضد جميع الأخطار بما فيها العيب الذاتي، حكمت المحكمة أنه بالنظر إلى الطبيعة الخاصة للشيء المؤمن عليه الذي كان مبسترة وليس معقماً تعقيماً كلياً فإنه من غير المعقول أن يقبل المؤمن المسؤولية عن الخسارة الناجمة عن العيب الذاتي الذي يتوقع أن يتطور في أي لحظة في المستقبل فهو بالضرورة يحمل بذور هلاکه بنفسه.

    وفي قضية أخرى أيضا غرضت على القضاء الإنكليزي، كان المدعون مؤمنين على شحنة من مادة كيميائية تدخل في تركيب الديناميت وتسمى Kieselguhr في رحلة من شمال أفريقيا إلى لندن، ووصلت الشحنة تالفة، بسبب انفجار الأكياس المعبأة فيها نتيجة “العيب الذاتي” لهذه الشحنة. وكان التأمين وفقا الشرط (كل الأخطار)، وطالب المدعون المؤمن بالتعويض عن هذا الضرر، فدفع المؤمن بالنص الوارد في شرط التأمين (كل الأخطار) باستبعاد ما يترتب على العيب الذاتي من أضرار، من نطاق الضمان وبأن المادة 2/55/ج من قانون التأمين البحري، تقضي بعدم ضمان الأضرار الناتجة عن العيب الذاتي. ولكن المدعين تمسكوا بعدم انطباق نص المادة 2/55/ج من القانون، لأنها تجيز الاتفاق على عكس الحكم الوارد فيها، وأن الشرط الوارد في وثيقة التأمين يضمن كل الأضرار أيا كان سبب وقوعها.

    وقضت محكمة Queen’s Bench بعدم مسؤولية المؤمن عن تعويض هذا الضرر، إذ أنه وإن كانت وثيقة التأمين تضمن كل الأضرار أيا كان سبب حدوثها، وفقا لشرط (كل الأخطار)، فإن هذا الشرط يستبعد صراحة الأضرار المترتبة على العيب الذاتي.

    ونص قانون التجارة البحرية السوري لعام 2006 في المادة 379 منه على أنه لا يسأل المؤمن عما

    يلي:

    1- الأضرار المادية الناشئة عن عيب ذاتي في البضائع المؤمن عليها أو عن عدم كفاية تغليفها أو

    حزمها”. وأضافت هذه المادة حالات أخرى لا يسأل فيها المؤمن عن الشيء المؤمن عليه ولخصتها الفقرة الثانية من المادة 379 وهي :

    “2- النقص الطبيعي الذي يطرأ على البضائع أثناء الطريق”.

    فهناك بضائع تتعرض للنقص أثناء نقلها من مكان لآخر، وهذا النقص ينجم عن طبيعة البضاعة ذاتها،

    كما لو كانت سوائل تتبخر أو حبوبة سائبة تتعرض للبعثرة أثناء الرحلة البحرية أو أثناء شحنها.

    ونظراً لطبيعة هذه البضاعة فقد أعفت الفقرة الرابعة من المادة الرابعة من معاهدة بروكسل الخاصة بسندات الشحن لعام 1934 الناقل من العجز في الحجم أو الوزن أو العيب الخاص بها إذا لم يتجاوز هذا العجز نسبة مئوية تحددها الأعراف التجارية، فإذا تجاوز العجز هذه النسبة أعفي الناقل من النسبة المسموح بها فقط، والتزم بتعويض صاحب البضاعة عن الباقي.

    3- الأضرار المادية الناشئة عن الغرامات والمصادرة والوضع تحت الحراسة والاستيلاء والتدابير الصحية والتعقيم واختراق الحصار وأعمال التهريب وممارسة تجارة ممنوعة.

    يشترط في عقد التأمين أن يكون محله مصلحة مشروعة الفقرة 1 من المادة 273 من قانون التجارة البحرية، بل إن التأمين من الأضرار يقع باطلاً إذا لم يستند إلى مصلحة مشروعة ومعنى ذلك أن يكون التأمين وارداً على نشاط مشروع للمؤمن له وغير مخالف للنظام العام أو الآداب وعليه إذا أبرم شخص عقد التأمين لحماية نشاطه غير المشروع كالاتجار في المخدرات ومن ثم صودرت هذه الأشياء الممنوعة والمؤمن عليها، فإنه لا يحق للمؤمن له أن يرجع على المؤمن بأي شيء، وعلى المؤمن أن يرد للمؤمن له ما تقاضاه من أقساط وذلك لبطلان العقد ولمخالفته النظام العام.

    4- التعويضات المستحقة بسبب الحجز والكفالة المقدمة لرفع الحجز:

    أي إذا حجزت السفينة أو البائع المؤمن عليها بسبب من الأسباب لتنفيذ حكم قضائي ولمخالفة قوانين سارية المفعول فإن التعويضات المستحقة بسبب الحجز والكفالة التي تقدم من أجل رفع الحجز لا يسأل عنها المؤمن.

    ومثال ذلك : أن تقوم السفينة بحمل بضائع دون أن تظهرها في بيان الحمولة مخالفة بذلك القوانين الجمركية لبلد الوصول، الأمر الذي يعرضها للحجز من قبل هذه السلطات وإلى دفع كفالة مالية قبل السماح لها بالمغادرة تمهيدا لإصدار حكم قضائي عليها.

    5 – الأضرار التي لا تعتبر تلف مادي يلحق مباشرة بالأشياء المؤمن عليها:

    كالبطالة والتأخير وفروق الأسعار والعقبات التي تؤثر في العملية التجارية التي يجريها المؤمن له.

1