الوسم: محامي سوري في برلين

  • تعريف الجرائم الواقعة على الأموال وأنواعها وتقسيمها

    تعريف الجرائم الواقعة على الأموال

    يقصد بالجرائم الواقعة على الأموال تلك الجرائم التي تنال بالاعتداء أو تهدد بالخطر الحقوق ذات القيمة المالية.

     ويدخل في نطاق هذه الحقوق كل حق ذي قيمة اقتصادية أيا كانت ،ومكونة لأحد عناصر الذمة المالية. أو الأفعال التي تنال بالاعتداء العناصر المكونة للذمة المالية للأشخاص .

     أو مجموعة الجرائم التي تنقص أو تعدل العناصر الإيجابية للذمة المالية أو تزيد من عناصرها السلبية عن طريق زيادة ديون المجني عليه.

     والذمة المالية تعني ما للشخص من حقوق وما عليه من التزامات مالية، وتكون الحقوق الجانب الإيجابي من الذمة، أما الالتزامات فتكون جانبها السلبي.

    والحقوق المالية ثلاثة أنواع:

     حقوق عينية و تتمثل في سلطة لصاحب الحق تنصب مباشرة على الشيء موضوع حقه وأهمها حق الملكية، وأغلب الحقوق العينية تتفرع عنه كحق الانتفاع وحق الارتفاق.

    وحقوق شخصية أو دائنية وتتمثل في علاقة بين صاحب الحق وغيره يتوجب فيها على ذلك الغير أداء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عنه، كالعلاقة بين الدائن والمدين، فالدائن له حق شخصي لدى المدين بعدم إشهار إفلاسه احتيالية، وعدم الغش في التعامل وعدم التعامل بالربا.

    وأخيرا حقوق معنوية موضوعها نتاج الفكر أو العلامات المميزة لنوع من الإنتاج الصناعي أو النشاط التجاري. وهذه الحقوق تخول أصحابها أن ينسب لهم وحدهم إنتاجهم وتكفل كذلك حماية استغلالهم المالي له.

    وهناك نصوص خاصة تحمي الملكية الأدبية والصناعية والفنية، كتقليد العلامات التجارية والصناعية.

    وقد يكون محل هذه الأنواع الثلاثة من الحقوق عقارا أو منقولا أو شيئا معنويا.

     نستخلص من هذه التعاريف النتائج التالية:

    1- إن الجرائم الواقعة على الأموال تنطوي على عدوان، وهذا العدوان قد يتمثل في إلحاق ضرر فعلي بالمال، وقد يقتصر على تعريضه للخطر.

    2- لا يقتصر نطاق الجرائم الواقعة على الأموال على الجرائم التي تنال بالاعتداء أو تهدد بالخطر الجانب الإيجابي من الذمة المالية، أي ما للشخص من حقوق، ولكنها تشمل أيضا الجرائم التي تنال الجانب السلبي للذمة فتزيد دون حق من الديون الملتزم بها المجني عليه كالمراباة و بعض صور الغش في كمية أو نوع البضاعة.

    3- باعتبار أن الذمة المالية هي المحل المادي للجرائم الواقعة على الأموال فذلك يستدعي استبعاد الجرائم الواقعة على الأشخاص من نطاق الجرائم الواقعة على الأموال وإن ترتب عليها، بشكل غير مباشر، مساس بالذمة المالية للمجني عليه.

     فجريمة الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة أو إلى تعطيل عن العمل لمدة معينة تؤثر على الذمة المالية للمجني عليه إذا أقعدته عن العمل والكسب ومع ذلك فهي لا تدخل ضمن نطاق الجرائم الواقعة على الأموال.

    4- إن المجني عليه في جرائم الاعتداء على الأموال هو أحد الأشخاص طبيعياً كان أم معنوياً. و بذلك يخرج من مجالها الجرائم الواقعة على الذمة المالية للأشخاص المعنوية العامة كالدولة مثلا.

     فجريمة الاختلاس، بالرغم من كونها سرقة، إلا أنها لا تدخل ضمن نطاق الجرائم الواقعة على الأموال بل ضمن الجرائم الواقعة على الإدارة العامة، باعتبار أن المجرم يحمل صفة الموظف المؤتمن على الأموال من قبل الدولة.

     فهنا يغلب المشرع مفهوم المساس بالوظيفة العامة على مفهوم الاعتداء على المال.

    5- يخرج من مجال الجرائم الواقعة على الأموال الأفعال التي يتخذ الخطر الناجم عنها صورة الخطر الشامل وإن وقعت على مال من الأموال التي تشكل أحد العناصر الإيجابية للذمة المالية. كالحريق الذي يغلب المشرع فيه معنی الخطر الشامل على فكرة الاعتداء على المال فيخرجه من نطاق الجرائم الواقعة على الأموال.

     

    تقسيم الجرائم الواقعة على الأموال

    هناك عدة معايير تقسم على أساسها هذه الفصيلة من الجرائم.

    المعيار الأول

    ويستند إلى طبيعة الحق المعتدى عليه: عيني – شخصي – معنوي. واستنادا لأنواع الحقوق الثلاثة

    هذه يمكن تقسيم هذه الجرائم إلى طائفة تقع على الحقوق العينية، كالسرقة والاحتيال وإساءة الأمانة والهدم والتخريب و غصب العقار.

    وأخرى على الحقوق الشخصية، كالإفلاس الاحتيالي والغش إضرارا بالدائن والمراباة. وثالثة على الحقوق المعنوية، كجرائم الاعتداء على الملكية الأدبية والفنية، كتقليد العلامات التجارية والصناعية.

    المعيار الثاني

    ويستند إلى طبيعة محل الجريمة المادي، فتقسم الجرائم إلى جرائم لا تقع إلا على أموال منقولة كالسرقة وإساءة الائتمان، وجرائم لا تقع إلا على أموال عقارية، كغصب العقار. وجرائم تقع على الأموال المنقولة والعقارية، كالاحتيال.

     المعيار الثالث

    فيستند إلى الدافع أو الباعث الذي يحرك الفاعل. فتقسم الجرائم، من جهة، إلى جرائم استيلاء أو إثراء إذا كان الدافع لارتكابها الحصول على مغنم مالي. فجرائم الإثراء هي الجرائم التي تزيد في الجانب الإيجابي الذمة مقترفها عندما تتجه إرادته إلى تملك مال يملكه غيره، فتزيد الأموال التي يحوزها أو تزداد مغانمة المالية.

    والسرقة والاحتيال وإساءة الائتمان تعتبر من هذه الفئة.

     إذ يسعی مقترفها إلى تملك المال الذي يسرقه أو يتسلمه احتيالا أو يخون في شأنه الأمانة. وتقسم، من جهة أخرى، إلى جرائم إتلاف أو إضرار إذا كان الدافع لارتكابها هو مجرد إفقار المجني عليه من خلال إنقاص ما يحوز من مال أو هبوط قيمته فحسب دون أن يسعى إلى مغنم مالي مقابل، أي إلى زيادة ما يحوزه مرتكب الجرم من أموال .

    ومن جرائم الإضرار الهدم والتخريب والحريق والتعدي على المزروعات والحيوانات والآلات الزراعية. ومثالها قيام شخص بتسميم ماشية جارد، أو إتلاف محصولات أرضه أو حرقها.

    – وفي تصدينا لفصيلة الجرائم الواقعة على الأموال سنقتصر على شرح جرائم السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان، أي جرائم الإثراء، وذلك لفرط أهميتها وكثرة تعقيداتها وبلوغ الخلاف أشده فيها.

    وتجدر الإشارة إلى أن المشرع ألحق بهذه الجرائم في قانون العقوبات جرائم أخرى تتشابه معها في علة التجريم أو في بعض الأحكام.

     فألحق بالسرقة غصب العقار و استعمال أشياء الغير بدون وجه حق. وألحق بالاحتيال المراباة و الشيك بدون رصيد و الغش بالمهاجرة. وألحق بإساءة الائتمان رفض رد اللقطة.

  • العلاقة السببية بين الخطأ والوفاة أو الإيذاء

    العلاقة السببية بين الخطأ والوفاة أو الإيذاء

    کي تترتب مسئولية شخص عن قتل أو إيذاء خطأ لا يكفي أن تحصل هذه النتيجة الضارة، وأن يرتكب هذا الشخص الخطأ.

    بل لا بد أن يكون الخطأ هو الذي سبب النتيجة. وبعبارة أخرى لا بد من توفر رابطة سبية بين خطأ الشخص وموت الضحية أو إيذاءه.

    ولقد سبق لنا إيضاح أسس السببية التي اعتمدها المشرع السوري في المادة 203 من قانون العقوبات بمناسبة الحديث عن جرم القتل المقصود، وما قيل هناك يصح هنا.

    وحسبنا أن نشير هنا أنه لا يكفي ثبوت الخطأ من الفاعل لترتب مسئوليته عن النتيجة مهما بلغت درجة جسامة هذا الخطأ، بل لابد من إثبات أن هذا الخطأ هو الذي نشأت عنه الوفاة أو الإيذاء.

    فلو أن شخصاً يقود سيارته بسرعة تتجاوز الحد المسموح، أو يقود وهو سكران، أو بدون رخصة قيادة، فكلها أفعال خاطئة، ثم جاء شخص وألقى بنفسه تحت عجلات السيارة ومات ، فتصرف السائق الخاطئ وحده لا يكفي لمساءلته عن وفاة الشخص ما دام لم يثبت أن هذه التصرفات الخاطئة هي التي تسببت بالحادث.

    وعليه لا توجد علاقة بين خطأ السائق وموت الضحية، أي تنتفي رابطة السببية بين الخطأ والنتيجة الضارة، وبانتفائها تنتفي مسئولية السائق عن القتل الخطأ، ويسأل فقط عن مخالفته لأنظمة المرور.

    وتطبيقا لقواعد السيبية في التشريع السوري، فإن هذه الرابطة تتوفر عندما يكون الموت أو الإيذاء قد نتج عن خطأ الفاعل ولو كان ثمة عوامل أخرى تضافرت مع الخطأ في إحداث النتيجة، مادام الموت أو الإيذاء لا يمكن تصور حدوثه لولا خطأ الفاعل.

    وهذا تطبيقاً لنظرية تعادل الأسباب التي أخذ بها المشرع السوري في الفقرة الأولى من المادة 203.

    فلو أن شخصاً ارتكب خطأ أدى لجرح شخص مصاب بمرض السكر، فساهم الجرح مع الخطأ في موت الضحية. أو قاد الفاعل سيارته مسرعا في شارع مزدحم فصدم شخصا قطع الطريق من غير المكان المخصص للمشاة، أو قاد سيارته ليلا وهو في حالة سكر قصدم سيارة أخرى تسير بدون أضواء.

    ففي هذه الفرضيات حتى ولو نتج الضرر عن السبب الأخر مباشرة، إلا أن ذلك لا يقطع الرابطة السببية بين خطأ الفاعل والنتيجة.

    بيد أنه تطبيقا للمادة 554 من قانون العقوبات إذا نشأ الموت أو الإيذاء نتيجة خطأ الفاعل ونتيجة أسباب أخرى تضافرت مع الخطأ، وكانت مستقلة عن خطأ الفاعل ومجهولة كليا منه، فيمكن تخفيض عقوبة الفاعل بالمقدار المبين بالمادة 199 من قانون العقوبات.

    ونلاحظ هنا أن حكم هذه المادة جاء بتخفيف للعقاب فقط، وأن هذه الأسباب الأخرى التي تضافرت مع الخطأ أبقت مسئولية الفاعل عن النتيجة، وبالتالي تبقى العلاقة السيبية متوفرة بين الخطأ والنتيجة في هذه الفرضية.

    ولو استرجعنا المثال السابق حول جرح الشخص المصاب بمرض السكر، فلو أن الفاعل كان يجهل مرض المجني عليه لأمكن تطبيق نص المادة 554 عليه وتخفيف عقوبته.

    إلا أن الأمر يختلف إذا تضافر مع خطأ الفاعل عامل آخر جاء لاحقا للسلوك الخاطئ و مستقلا عنه و غير مألوف في ظروف ارتكاب الفعل وكاف بحد ذاته لإحداث النتيجة.

    فهذا السبب يقطع الرابطة السبية بين الخطأ والنتيجة، ويسأل المخطئ فقط عن سلوكه الخاطئ .وهذا تطبيق لنظرية السيبية الملائمة التي أقرها المشرع في الفقرة الثانية من المادة 203. وتطبيقا لذلك لا تعتبر السببية قائمة في حال كان الشخص يركب فوق أكياس تحملها سيارة نقل وعند اقتراب السيارة من جسر وعلى وشك المرور من تحته وقف ذلك الشخص فاصطدم بحافة الجسر وتوفي.

    فرغم سلوك السائق الخاطئ فهو لا يعتبر مسئولاً عن الوفاة نتدخل عامل غير مألوف، وهو وقوف المجني عليه، الذي أدى إلى تحقق النتيجة، والذي قطع الرابطة السببية بين سلوك السائق الخاطئ ووفاة المجني عليه. ولا يشترط أن تكون الوفاة أو الإيذاء ناتجة مباشرة عن خطأ الفاعل. لذلك يسال عن قتل غير مقصود من تسبب بخطئه في جرح المجني عليه إذا مات هذا الأخير أثناء عملية جراحية كان من المفيد إجراؤها لتقليل العجز الناتج عن الجرم في وظيفة العضو المصاب ,

    كما لا يشترط أن يكون الشخص المسئول هو الذي أحدث القتل أو الإيذاء بنفسه، بل يكفي أن يكون هو المتسبب فيه بخطئه وإن حصل القتل بفعل غيره. ومثاله الأب الذي يترك سلاحه في المنزل دون أن يخفيه، أو الذي يعطي سلاحه لطفله ليلعب به ظانا أنه قد أفرغه من الذخيرة، فيؤدي ذلك إلى انطلاق رصاصة قاتلة من السلاح. فالأب يسأل عن القتل الخطأ وإن لم يكن لسلوكه صلة مادية بالوفاة.

     

  • أنواع الخطأ في جريمة القتل والايذاء غير المقصود

    أنواع الخطأ

    أولاً – وحدة الخطأ الجزائي والخطأ المدني.

    تنص المادة 164 من القانون المدني بأن:

    كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض”.

     والخطأ في القانون المدني أيا كانت درجة جسامته كاف لنشوء المسئولية التقصيرية ( غير العقدية ).

    أما الخطأ في القانون الجزائي فلقد حدده المشرع حصرا في ثلاث صور: الإهمال – قلة الاحتراز – عدم مراعاة القوانين والأنظمة.

    والمسألة التي تثار هنا:

    هل يعتمد في نطاق المسئولية الجزائية ذات القاعدة المطبقة في القانون المدني بالنسبة للمسئولية المدنية، معتبرين الفاعل مسئولا عن القتل أو الإيذاء لمجرد ارتكابه خطأ، أم يشترط أن يكون الخطأ الجزائي على درجة معينة من الجسامة؟

    في الحقيقة أن الخطأ الجزائي لا يختلف عن الخطأ المدني، وأي خطأ يرتب المسئولية المدنية يرتب في نفس الوقت المسئولية الجزائية.

     وليس في التشريع السوري ما يشير صراحة أو ضمنا إلى استلزام درجة معينة من الخطأ.

     وصور الخطأ الواردة في قانون العقوبات، وإن كان ظاهرها فيه معنى الحصر والتخصيص، فهي بالواقع تتسع لتشمل كل خطأ أيا كانت صورته وأيا كانت درجته.

    وقانون العقوبات لا يعلق العقاب على درجة جسامة الخطأ وإنما على حصول نتيجة معينة يرى فيها من الجسامة ما يستدعي تجريمها .

     و الفرق بين القانون المدني وقانون العقوبات منحصر في أن القانون المدني يعتبر الضرر أيا كانت صورته، أما قانون العقوبات فلا يهتم إلا بأنواع معينة من النتائج الضارة غير المقصودة أوردها على سبيل الحصر، أي الجرائم التي يعاقب عليها بصورتها غير المقصودة.

     أما الخطأ فلا يتغير في المسئوليتين الجزائية والمدنية، لذا يجب أن يعاقب على الخطأ مهما كانت درجته ومهما خفت جسامته.

    وتجدر الإشارة إلى أنه إذا لم يكن لدرجة الخطأ من اعتبار في قيام المسئولية عن الجريمة غير المقصودة فإن لها قيمتها عند تقدير العقوبة.فالقاضي في حدود سلطته التقديرية في مراوحة العقوبة بين حديها الأدنى والأعلى أن يدخل درجة الخطأ في حسابه، فيعاقب مثلا على الخطأ الواعي بأشد مما يعاقب به على الخطأ غير الواعية.

    ثانياً- الخطأ الشخصي والخطأ المفترض

    إن السؤال الذي يثار هنا يتمثل بالشكل التالي:

    مادام هناك وحدة بين الخطة الجزائي و الخطأ المدني فهل يعني ذلك بالضرورة أنه إذا حكم بالبراءة في الدعوى الجزائية لانتفاء الخطأ الجزائي تنتفي بالتالي إمكانية الحكم للمتضرر بالتعويض لانتفاء الخطأ المدني؟

    إن الإجابة على ذلك تقتضي التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المفترض في مجال المسئولية المدنية.

     فالتسوية بين المسئولية الجزائية والمسئولية المدنية لا تكون إلا في صورة الخطأ الشخصي، والقانون الجزائي لا يرتب المسئولية الجزائية إلا على أساس الخطأ الشخصي، ولا يسأل الإنسان عن عمله ما لم يثبت عليه ارتكاب خطأ شخصي.

     ففي هذه الحالة يستوي الخطأ الجزائي والخطأ المدني، فإذا حكمت المحكمة ببراءة المدعى عليه، ولم يثبت عليه خطأ شخصية، انتفت إمكانية الحكم عليه بالتعويض المتضرر.

    بيد أن المسئولية في الحقوق المدنية لا تبنى فقط على أساس الخطأ الشخصي، بل تبني أيضا على أساس الخطأ المفترض.

     وهي المسئولية الملقاة على عاتق حارس الحيوانات أو الجوامد، کالأبنية والآلات الميكانيكية وسائر الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة، بالتعويض عما يحدثه الحيوان أو تحدثه هذه الأشياء أو ما ينشأ عن انهدام البناء من أضرار.

     فالمسئولية المدنية هنا مفترضة قانوناً ولا يستطيع الشخص التخلص منها إلا إذا استطاع إثبات أن الحادث أو الضرر قد وقع لسبب أجنبي لا يد له فيه.

    إذن عندما يفترض القانون المدني الخطأ فلا مجال للقول بوحدة الخطأ الجزائي والمدني، لأن القانون الجزائي ليس فيه خطأ مفترض، ولا تبنى المسئولية الجزائية إلا على أساس الخطأ الشخصي.

     بالنتيجة نستخلص أنه في الحالات التي يفترض القانون المدني الخطأ لا يكون هناك تناقض بين الحكم الجزائي بالبراءة والحكم المدني بالتعويض استنادا على المسئولية المفترضة.

     والعلة في ذلك أن أساس الحكمين يختلف، فبينما لا يجد القاضي الجزائي خطأ شخصية ليحكم بالتعويض، يجد القاضي المدني خطأ مفترضا لم يثبت المدعى عليه عكسه.

    وقد قلنا القاضي المدني لأن المحاكم الجزائية لا تختص بنظر دعوى التعويض عندئذ، إذ هي لا تختص إلا بنظر الدعوى المدنية المتفرعة عن الجريمة.

    وتطبيقاً لذلك يمكن صدور حكم ببراءة صاحب السيارة لانتفاء الخطأ لديه، ثم يقضى عليه بتعويض مدني استنادا للمادة 179 من القانون المدني، وهي المادة التي تجعل حارس الألة مسئولا عما تحدثه من ضرر ما لم يثبت أن وقوع الضرر كان لسبب أجنبي لا يد له فيه.

    ثالثاً- الخطأ العادي والخطأ المهني

    إن الخطأ العادي هو الخطأ العام الذي يرجع إلى مخالفة واجب الحيطة والحذر في الأمور المتعلقة بجميع الناس.

    أما الخطأ المهني فهو الذي يرتكبه من يزاول مهنة من المهن، کالأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين.

     هناك اتجاه فقهي وتشريعي يعول على التمييز، في معرض الخطأ المهني، بين الخطأ اليسير والخطأ الجسيم. بتقرير المسئولية في الأخير وانتفاءها في الأول.

    وغالبا ما يطرح هذا الموضوع في شأن مسئولية الأطباء، حيث يرى هذا الاتجاه أن الطبيب يسأل جزائيا عند ارتكابه خطأ مهني جسیما يؤدي إلى وفاة المريض أو إيذائه.

    أما إذا كان هذا الخطأ يسيرة، أي قليل الأهمية والضرر، فتنتفي مسئولية الطبيب.

     وحجة هذا الاتجاه هي ضرورة إعطاء الأطباء حرية في عملهم ومنحهم طمأنينة وضمانة تكفل لهم متابعة المكتشفات الحديثة والاستفادة منها، وعدم مساءلتهم عن الأخطاء إذا كانت بسيطة حتى لا تضعف همتهم، ولا تقعدهم الخشية من المسئولية عن متابعة تطورات البحث العلمي.

    أما معيار الخطأ الجسيم فهو غير محدد، ويمكننا القول بأنه الخطأ غير المعتاد الناتج عن الجهل الفاضح أو التهور الزايد أو القيام بالعمل في حالة المرض أو في حالة السكر.

    ومثالها أن يجري الطبيب عملا جراحية دقيقة وهو في حالة سكر.

     إلا أن الاتجاه الغالب اليوم تشريعا وقضاء وفقه يقوم على أساس عدم التفرقة بين الخطأ اليسير والخطأ الجسيم، و اعتبار أن مسئولية الأطباء تخضع للقواعد العامة، فتبنى على أي خطأ مهما كان نوعه، سواء كان خطأ مهنيا أم غير مهني، جسيمة أم يسيرا، فلا ينبغي أن يتمتع الطبيب بأي استثناء ، فبمجرد أن تتوفر في سلوكه عناصر الخطأ يعتبر مسئولا عن النتيجة الحاصلة، ووجود الخطأ يعود تقديره للقضاء مستعينا برأي الخبرة المختصة.

    رابعاً- مساهمة أكثر من شخص في الخطأ

    عندما تقع الوفاة أو الإيذاء نتيجة خطأ الفاعل وحده، تتشكل لدينا الصورة العادية لجريمة القتل والإيذاء خطأ، ويعتبر المخطئ هنا فاعلا للجريمة، ويسأل عن النتيجة الحاصلة من موت أو إيذاء.

    إلا أن الوفاة أو الإيذاء قد ينشأ أحيانا نتيجة عدة أخطاء يرتكبها أكثر من شخص، وقد يشارك المجني عليه أيضأ بخطئه في حصول النتيجة الجرمية.

     ففي هذه الفرضيات يثور التساؤل عن مسئولية هؤلاء الأشخاص.

    فبفرض أنك أعرت سيارتك إلى صديقك وأنت تعلم عدم حيازته لرخصة قيادة، أو ضعف بصره الشديد، فيصدم الصديق أحد الأشخاص فيقتله أو يؤذيه.

     فتكون أنت وصديقك مسئولان كفاعل وشريك عن جريمة القتل أو الإيذاء الخطأ، لأن كل منكما قد شارك بخطئه في حصول النتيجة الضارة.

     ولا يمكن القول أن خطأ الصديق ينفي المسئولية عن خطأك ، فكل منكما ساهم بخطئه في ارتكاب الجريمة.

     وبفرض أن الوفاة قد نتجت عن سلوك شخص عديم الأهلية، ولكن نتيجة خطأ ارتكبه شخص أهل للمسئولية، فلا عبرة بتاتا هذا الكون القاتل مجنونة أو طفلا غير مميز، ويبقى الشخص الأخر مسئولاً كفاعل أو شريك لجرم القتل الخطأ، ما دام قد ثبت أنه ارتكب خطأ أدى بالنتيجة لحصول الوفاة.

    والمثال على هذه الفرضية يتمثل بترك رب الأسرة لسلاحه في مكان مكشوف، دون أن يحتاط ويخفيه، فيجده ابنه الصغير ويعبث به فتنطلق منه رصاصة قائلة تصيبه أو تصيب أحد أفراد الأسرة.

    أو تسليمه سلاحه لطفله ليعبث به ظانا أنه فارغ من الطاقات في حين أنه نسي إفراغ الرصاصة الأخيرة من مخزن المسدس فتنطلق هذه الرصاصة وتقتل أحدهم.

     فالأب في الحالتين يعتبر مسئولاً عن قتل غير مقصود نتيجة لخطأه، ولو لم يكن لنشاطه صلة مادية مباشرة بالنتيجة الضارة، ما دام إهماله في إخفاء السلاح أو تسليمه لطفله هو الذي أدى بالنتيجة لاستعمال السلاح من قبل الطفل وحصول الوفاة.

    – والمسألة التي تثار في هذا الصدد تتعلق بقواعد المساهمة الجرمية.

     فلقد رأينا أن مفهوم الخطأ في القتل والإيذاء لا يتناول فقط الفاعل المادي للجريمة غير المقصودة، بل يشمل إضافة إليه أشخاص لم يقوموا بتلك الأفعال المادية، بل ارتكبوا أخطاء ساهمت بشكل غير مباشر في حصول الوفاة أو الإيذاء. واستنادا لذلك أمكننا اعتبار مرتكب الفعل المادي والمساهم المخطئ بمثابة فاعلين وشركاء في الجريمة.

    وهناك اتجاه فقهي حاول التمييز، بهذا الصدد، استنادا إلى طبيعة الدور الذي قام به الشخص المخطئ ليصل بالنتيجة إلى القول بإمكانية وجود متدخل في الجرائم غير المقصودة إذا كان الدور الذي قام به هذا الشخص ثانويا.

     وهناك اتجاه فقهي أخر، وهو ما نؤيده، يرى عدم إمكانية تصور التدخل في الجرائم غير المقصودة لأن طبيعة هذه الجرائم لا تسمح بوجود تدخل فيها.

    فالتدخل في جريمة يتطلب توافر قصد مساعدة الفاعل على تنفيذ الجريمة، والقصد الجرمي يعتبر ركنا من أركان التدخل.

    ولما كان القصد الجرمي منتفية في الجريمة غير المقصودة، فهو منعدم بالنسبة للفاعل الأصلي، فلا يتصور توافرة، تبعا لذلك لدى المتدخل.

     فإما أن يثبت أن الشخص ساهم بخطئه في إحداث الموت أو الإيذاء، عندئذ يعتبر فاعلا أو شريكاً لا متدخلا، مهما كان الدور الذي قام به رئيسيا أم ثانوية.

     وإما أن لا يثبت أنه قام بما يمكن اعتباره مساهمة في الخطأ المفضي إلى الموت أو الإيذاء، و عندئذ لا يغدو فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً، وتنعدم مسئوليته استنادا لذلك.

    من هنا يمكننا القول أن كل مساهمة في خطأ ينشأ عنه موت أو إيذاء يعتبر المساهم بموجبه فاعلاً أو شريكاً وليس متدخلاً.

    ولا وجه للتمييز بين الدور الذي قام به المخطئ رئيسياً كان أم ثانوياً.

    فما دام خطأه قد ساهم بإزهاق الروح أو الإيذاء فهو يعتبر فاعلاً أو شريكاً لا متدخلاً.

    – وقد يساهم المجني عليه في الخطأ فتقع الوفاة أو الإيذاء نتيجة تضافر خطأه مع خطأ الفاعل. والقاعدة في ذلك أنه لا مقاصة بين الأخطاء في التشريع الجزائي، ويظل كل خطأ مستقلاً عن الأخر، ويبقى الفاعل مسئولا عن النتيجة مهما بلغت ضألة نسبة الخطأ لديه.

    فسائق السيارة الذي يقود سيارته بسرعة عادية ويصدم شخصا خالف نظام السير بقطع الطريق من مكان غير مخصص للمشاة فيقتله، يعتبر مسئولا عن قتله إذا توافرت في فعله عناصر الخطأ، لأن من واجبه تفادي المشاة حتى ولو خالفوا نظام السير.

     وبالرغم من أن خطأ المجني عليه لا يخلي الفاعل من المسئولية الجزائية فهو يكون محل اعتبار عند تقدير العقوبة والتعويض، فكلما كانت نسبة خطأ المجني عليه كبيرة كان القاضي أن يخفف عقاب الفاعل والتعويض المدني الذي يفرضه عليه.

     إلا أنه إذا كان المجني عليه قد تسبب بخطئه وحده في حصول النتيجة، ولم يثبت على الفاعل أي خطأ فلا مسئولية جزائية عليه.

    – وقد تقع الوفاة أو الإيذاء نتيجة لخطأ شخصين،

    بحيث يصيب كل منهما الآخر. والقاعدة في ذلك أنه يجب التمييز بين المسئولية المدنية والمسئولية الجزائية.

    أما المسئولية المدنية فتوزع بينهما استنادا لنسبة خطأ كل منهما.

    فعند وقوع تصادم بين سيارتين، مؤدية لإيذاء كلا السائقين، وحدد خطأ الأول بثمانين بالمائة والثاني بعشرين بالمائة، ينظر القاضي عند تحديد التعويض إلى هذه النسبة ويفرض تعويضا على صاحب النسبة الأعلى أكثر من صاحب النسبة الأدني.

    أما المسئولية الجزائية فهي لا توزع كونها لا تقبل التجزئة، فيبقى كل منهما مسئولا جزائيا عن إصابة الأخر ويلاحق استنادا إلى خطورة الإصابة اللاحقة بالأخر وليس استنادا إلى نسبة الخطأ الذي ارتكبه كل منهما.

     ففي المثال السابق عن تصادم السيارتين، إذا أدى التصادم إلى إصابة السائق الأول بالعمى، أما السائق الأخر فكانت إصابته خفيفة ولم تؤدي إلى أبي تعطيل عن العمل، إلا أن الخبرة حددت نسبة خطأ الأول بثمانين بالمائة ونسبة خطأ الثاني بعشرين بالمائة فقط.

     فيخضع الأول إلى الوصف القانوني الأخف حسب الفقرة الثانية من المادة 551 رغم تحمله النسبة الأعلى من المسئولية عن حادث التصادم، في حين يتحمل الأخر الوصف الأشد حسب الفقرة الأولى من المادة 551 رغم محدودية وضالة مسئوليته عن الحادث.

    إلا أنه بالرغم من وجوب تمسك القاضي بالوصف القانوني المترتب على خطورة الإصابة اللاحقة بالشخص الأخر بالرغم من نسبة خطأه الكبير في التسبب بالحادث، إلا أن ذلك يؤخذ عملية بعين الاعتبار عند تحديد العقوبة بين حديها الأدنى والأعلى، أو عند منح الفاعل الأسباب المخففة التقديرية أو وقف التنفيذ.

    وتجدر الملاحظة أن مسألة اشتراك الفاعل في المسئولية مع المجني عليه نفسه أو مع الغير تفترض مساهمة خطأ المتضرر أو الغير مع خطأ الفاعل في إحداث النتيجة.

     أما إذا انعدم الخطأ من قبل الفاعل، وأمكن نسبة المسئولية بأكملها إلى خطأ المجني عليه أو الغير، فهذا تنتفي مسئولية الفاعل الجزائية والمدنية معاً، وتتعذر ملاحقته إلا فيما يتعلق بالمسئولية المدنية المفترضة كما سبق و أسلفنا.

  • جناية الإيذاء المفضي إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها

    الإيذاء المفضي إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها

    نصت المادة 544 على هذه الصورة بقولها

    “يعاقب بالعقوبة نفسها من تسبب بإحدى الطرائق المذكورة في المادة 540 بإجهاض حامل، وهو على علم بحملها“.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- لقد ساوى المشرع في هذا النص بين عقوبة الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة وعقوبة الإيذاء المفضي إلى إجهاض حامل مع العلم بحملها، وهذه العقوبة هي الأشغال الشاقة من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات.

    2- يفترض هذا النص وقوع اعتداء بصورة ضرب أو جرح أو إيذاء على امرأة حبلى.

    3- إن النتيجة الجرمية المترتبة على الاعتداء لم تتوقف عند المساس بالسلامة الجسدية للمرأة، بل تجاوزت ذلك إلى الجنين الذي تحمله، فأدى الاعتداء إلى إجهاض المرأة، أي إلى إسقاط الجنين قبل الأوان.

    وسيان أن يسقط الجنين حيا أو ميتا، فالجريمة قائمة ما دام الإسقاط قد حصل قبل أوان الولادة. وتختلف هذه الحالة عن حالة قتل الوليد، التي تفترض أن الطفل قد ولد ولادة طبيعية ثم أزهقت روحه أثناء عملية الولادة أو بعدها مباشرة.

    4- لا بد لقيام الركن المعنوي في هذه الجريمة أن تتجه نية الفاعل إلى المساس بالسلامة الجسدية للمرأة، وهو القصد المطلوب توفره في كافة جرائم الإيذاء.

    إلا أنه لا يكفي لوحده لتحقق هذه الجريمة، بل يشترط أن يتوفر لدى الفاعل العلم المسبق بحمل المرأة، ومع ذلك يقدم الفاعل على ضربها أو إيذائها ولكن دون أن يقصد إجهاضها.

    وهذا هو العنصر الأساسي في هذه الجريمة.

    فإذا أقدم الفاعل على ضرب المرأة و هو يجهل حملها فلا يطبق عليه نص المادة 544، ولو تم إسقاط الجنين نتيجة الضرب.

    وتقتصر مسئوليته على النتائج الأخرى غير الإجهاض ، ويطبق عيه أحكام جرائم الإيذاء الأخرى بحسب جسامة النتيجة المترتبة على فعله.

    أما إذا أقدم الفاعل على ضرب المرأة قاصدا إسقاط حملها، فيسأل الفاعل هنا على جرم الإجهاض، المعاقب عليه في المواد 527 إلى 532 من قانون العقوبات.

    5- وتجدر الإشارة أخيرة إلى أن كافة جرائم الإيذاء السابقة، سواء الجنحية منها أم الجنائية يشدد عقابها وفق نص المادة 545 “إذا اقترف الفعل بإحدى الحالات المبينة في المادتين 534 و 535” أي الحالات المؤدية إلى تشديد عقوبة القتل.

    وهذا التشديد يؤدي إلى زيادة العقوبة من الثلث إلى النصف ومضاعفة الغرامة.

  • جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة

    جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة

    جاء النص على هذه الصورة في المادة 543 كما يلي:

     “إذا أدى الفعل إلى قطع، أو استئصال عضو، أو بتر أحد الأطراف، أو إلى تعطيلهما، أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم، أو أية عاهة أخرى دائمة، أو لها مظهر العامة الدائمة، عوقب المجرم بالأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات على الأكثر”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

     1- يجب أن يتوفر في هذا الجرم ذات الأركان العامة التي تشترك بها جميع جرائم الإيذاء بصورها الجنحية والجنائية، سواء ما تعلق بفعل الضرب أو الجرح أو الإيذاء، أي الركن المادي، أو ما تعلق بقصد الإضرار بالسلامة الجسدية للمجني عليه، وهو القصد الجرمي العام المطلوب في كافة جرائم الإيذاء، أي الركن المعنوي.

    2- لا بد لتطبيق نص المادة 543 من توفر النتيجة الجرمية المطلوبة به، والتي عددها النص:

    من قطع أو استئصال العضو أو من بتر لأحد الأطراف أو تعطيله، أو من تعطيل أحد الحواس، أو من إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة.

    وليس التعداد الذي أورده النص سوى أمثلة، على سبيل التمثيل لا الحصر، عن العاهة الدائمة.

    3- لم يورد المشرع في النص تعريفا للعاهة الدائمة، بل اكتفي كما أشرنا بذكر بعض صورها. ويمكن تعريف العاهة الدائمة استنادا لهذه الصور بأنها

    “حرمان المجني عليه كليا أو جزئيا من منفعة أحد أعضائه أو أطرافه أو حواسه، أو من جماله، حرمانة نهائي “.

     إذا فالعاهة تعني فقد عضو من أعضاء الجسم، سواء كان خارجي أم داخلي، أو حاسة من حواسه، أو تعطيلهما، أو تشويههما بشكل دائم، أي غير قابل للشفاء.

    وتقدير ذلك يعود لقاضي الموضوع الذي يسترشد بالتقرير الطبي وبحالة المصاب.

    ولا ينفي عدم قابلية الشفاء أن يكون الطب قد توصل إلى وضع بديل صناعي للعضو المفقود أو التالف، كأذن صناعية، أو ساق صناعية.

    وتعتبر عاهة دائمة ولو كان من الممكن شفاعها عن طريق جراحة دقيقة تعرض حياة المجني عليه للخطر، إذا رفض المجني عليه إجراءها، فالمجني عليه لا يلزم بإجراء هذه العملية الجراحية.

    4- لم يحدد المشرع نسبة مئوية معينة للنقص الذي لحق منفعة العضو أو الحاسة لتكوين العاهة الدائمة. وهذا يعني أن العاهة تتحقق بهذا النقص مهما كان ضئيلاً.

     فضالة النسبة المئوية لا تنفي صفة العاهة. كما أنه لا يؤثر في قيام العاهة عدم إمكان تقديرها بنسبة مئوية.

    وتطبيقا لذلك فإن عاهة العين تثبت بمجرد فقد البصر فيها، وإن كان المجني عليه يعاني قبل ذلك من ضعف في الإبصار بها.

     فما دام المجني عليه كان يبصر بعينه قبل الاعتداء عليه، ولو بشكل ضئيل، وفقد معظم بصره أو فقده بشكل تام نتيجة الاعتداء، فالعاهة الدائمة تعتبر متوفرة .

     – من الأمثلة على العامة الدائمة فقد البصر أو ضعفه ولو كان مقصورة على إحدى العينين، فقد أو ضعف حاسة الشم أو السمع أو القدرة على النطق، فقد أحد الأصابع أو عدم القدرة على ثنيه، قطع صيوان الأذن، استئصال الطحال أو الكلية ولو كان المجني عليه مصابة بمرض بهما سابقا .

     5- لقد ساوى المشرع بين العاهة الدائمة وبين العاهة التي لها مظهر العاهة الدائمة وإن لم تكن في حقيقتها كذلك.

    وبذلك يحمي المشرع جمال الجسم، بحمايته لفقد جمال أحد أعضائه، إضافة لحماية وظائف الجسم.

     فلو أدى الإيذاء إلى تشويه جسيم في الوجه، كانحراف واضح في الأنف، أو فقد الشعر، أو حرق إحدى الوجنتين، فهو يأخذ مظهر العاهة الدائمة وإن لم يكن ينطوي على فقد عضو من أعضاء الوجه أو جزء منه، أو تعطيل وظيفة حاسة من الحواس.

    وحسنا فعل المشرع بذلك، فما من شك بأن تشويه الوجه يكون له أثر في نفس المجني عليه لا يقل عن فقدان عضو أو تعطيل حاسة من حواسه.

    – إن العقوبة المفروضة على مرتكب هذه الجريمة هي عقوبة جنائية تتراوح بين الثلاث سنوات و العشر سنوات أشغال شاقة.

  • جنحة الايذاء المقصود اذا كان التعطيل عن العمل من 11 – 20 يوم

    الإيذاء المفضي إلى تعطيل عن العمل المدة تتراوح بين إحدى عشرة يوما وعشرين يوما.

    نصت على هذه الصورة المشددة من صور الإيذاء المادة 541 كما يلي:

    “1- إذا نجم عن الأذي الحاصل تعطیل شخص عن العمل مدة تزيد عن عشرة أيام عوقب المجرم بالحبس مدة لا تتجاوز السنة وبغرامة خمسين ليرة على الأكثر أو بإحدى هاتين العقوبتين.

    2- وإذا تنازل الشاکی عن حقه خفضت العقوبة إلى النصف”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- إن معيار العقاب على هذه الجريمة هو أن يؤدي الإيذاء إلى تعطيل عن العمل لمدة تتجاوز العشرة أيام ولا تتجاوز العشرين يوما، بخلاف جرم الإيذاء البسيط الذي يعاقب عليه سواء نتج عن الإيذاء تعطيل عن العمل لم يتجاوز العشرة أيام أو لم ينتج عن الإيذاء أي تعطيل.

     2- إن مفهوم التعطيل عن العمل الذي يعتد به هو العجز عن القيام بالأعمال الجسدية أو البدنية المعتادة ، كالمشي أو تحريك الرجل أو الذراع… الخ، وليس العجز عن القيام بالأعمال المهنية، أي الأعمال المرتبطة بوظيفة المجني عليه، سواء كانت بدنية أم ذهنية.

     فلو أصيب لاعب كرة قدم إصابة أعجزته عن ممارسة اللعب مدة شهرين، لكنها لم تعجزه عن السير بها .

    أو أصيب موسيقي يعزف على الكمان في يده إصابة منعته من القدرة على العزف، إلا أنها لم تحل دون قيامه بالأعمال الجسدية او الفكرية المعتادة، لا يمكن اعتبار ذلك تعطيلا عن العمل في هاتين الفرضيتين.

     بالمقابل لو أصيب شاعر أو أديب إصابة أقعدته في فراشه، ومنعته من القدرة على تحريك إحدى ساقيه، يعتبر ذلك تعطيلاً عن العمل وإن لم يحل ذلك دون قيامه بالتأليف أو بتدوين الشعر.

    3- إن مفهوم التعطيل عن العمل لا يقتصر على عجز المجني عليه التام عن القيام بالأعمال البدنية، بل يشمل أيضا العجز الجزئي .

    بالتالي يتوفر التعطيل عن العمل وان استطاع المجني عليه أن يباشر من غير إجهاد بعض الأعمال الحياتية الخفيفة، كالأكل والشرب والكلام، بينما هو عاجز عن مزاولة الأعمال البدنية العادية كالمشي مثلا.

     وتحديد درجة العجز أو التعطيل عن العمل مسألة يعود تقديرها القاضي الموضوع الذي يسترشد بتقرير الخبرة الطبية.

    4 – لا بد لتطبيق المادة 541 أن تتجاوز مدة التعطيل العشرة أيام، وأن لا تتجاوز العشرين يوماً .

    فما دون العشرة أيام نكون بصدد جنحة الإيذاء البسيط الواردة في المادة 540، وما فوق العشرين يوما نكون بصدد الجريمة الواردة في المادة 542.

    ويدخل في حساب مدة التعطيل عن العمل اليوم الذي ارتكب فيه الفاعل الضرب أو الجرح أو الإيذاء، واليوم الذي ينتهي به العجز عن العمل.

    5- إن العقوبة التي تفرض على مرتكب الجرم الوارد في المادة 541 هي الحبس من عشرة أيام حتى السنة والغرامة البسيطة، وترك المشرع للقاضي الخيار بين الحكم بهما معا أو بإحداهما فقط.

    6- لم يربط المشرع مصير هذه الدعوى بيد المجني عليه.

    فالنيابة العامة تستطيع من تلقاء نفسها تحريك الدعوى العامة فيها دون تقديم شكوى من المتضرر. ويقتصر تأثير المجني عليه في هذه الدعوى على تخفيض عقوبة الجريمة حتى نصفها إذا تنازل عن دعواه.

  • جنحة الايذاء المقصود اذا كان التعطيل عن العمل تحت 10 أيام

    الإيذاء البسيط

    تنص المادة 540 على هذه الصورة كما يلي:

    “1- من أقدم قصدا على ضرب شخص أو جرحه أو إيذائه، ولم ينجم عن هذه الأفعال تعطيل شخص عن العمل المدة تزيد عن عشرة أيام، عوقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس ستة أشهر على الأكثر، أو بالحبس التكديري وبالغرامة من خمس ليرات إلى خمس وعشرين ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

    2- ان تنازل الشاكي يسقط الحق العام، ويكون له على العقوبة ما لصفح المدعي الشخصي من المفعول”.

    إن الجرم الوارد في هذا النص يمكن اعتباره الجرم الأساس لجرائم الإيذاء. أما جرائم الإيذاء الأخرى فليست سوى صور مشددة عن هذه الجريمة تبعا لخطورة الإصابة اللاحقة بالمجني عليه.

    والواضح من نص المادة 540 أنها لا تتطلب لقيام هذه الجريمة سوى توافر الركنين المادي والمعنوي على الوجه السابق بيانه.

    وبتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- إن هذه الجنحة هي أبسط جرائم الإيذاء وأقلها ضررا.

    لذلك قرر لها المشرع عقوبة خفيفة، وترك فيها القاضي الخيار بين الحكم على المدعى عليه إما بالحبس من عشرة أيام إلى ستة أشهر، وهي عقوبة جنحية، وإما الحبس التكديري من يوم إلى عشرة أيام والغرامة البسيطة، وهي عقوبة مخالفة.

    2- لقد ربط المشرع مصير هذه الدعوى بيد المجني عليه بشكل مطلق.

    حيث قيد سلطة النيابة العامة في تحريك دعوى الحق العام في هذه الجريمة بتقديم شكوى من المجني عليه.

    بالتالي لا تستطيع النيابة العامة تحريك الدعوى فيها من تلقاء نفسها.

    3- إن تنازل المجني عليه عن شكواه يسقط دعوى الحق العام إذا كانت الدعوى قد رفعت، ويوقف تنفيذ العقوبة إذا كان قد صدر حكم بها.

    ومع ذلك تحسب هذه العقوبة في تطبيق أحكام وقف التنفيذ ووقف الحكم النافذ وإعادة الاعتبار والتكرار واعتياد الإجرام .

    أما إذا كان الحكم لم يصدر بعقوبة، وإنما بتدبير إصلاحي أو احترازي فلا تأثير التنازل المجني عليه عن شكواه على هذه التدابير .

1