الوسم: موقع المحامي

  • كيف يتم اثبات عقد الأمانة وماهو الوضع اذا كان باطلاً؟

    1- إثبات عقد الائتمان:

    إن دعوى إساءة الائتمان هي دعوى جزائية ينظرها القاضي الجزائي بالرغم من أن عقود الائتمان هي عقود مدنية أو تجارية و العلة في اعتبارها دعوى جزائية مردها الاعتداء على ملكية المال المسلم بموجب العقد وليس مردها الإخلال بالتزامات العقد.

    ومن المسائل الأولية التي يتوقف على حسمها تقرير ما إذا كانت هناك جريمة إساءة ائتمان أم لا، إثبات وجود أحد عقود الأمانة الثمانية التي حددها المشرع.

    والقاعدة أن يطبق القاضي الجزائي قواعد الإثبات المدنية للتحقق من وجود عقد الأمانة وليس قواعد الإثبات الجزائية.

     وعلة هذه القاعدة أن كيفية الإثبات ترتبط بنوع الموضوع المطروح على القضاء لا بنوع القضاء المطروح عليه الموضوع” .

    والفارق كبير بين نوعي قواعد الإثبات.

     ففي حين أن الإثبات في المسائل المدنية هو إثبات مقيد، يتطلب المشرع فيه أدلة أو وسائل إثبات من نوع خاص، واستبعاده قبول كل الوسائل، فإن الإثبات في المسائل الجزائية حر غير مقيد بوسائل أو أدلة إثبات محددة، بل يطلق المشرع فيها كافة وسائل الإثبات ويجعل الأمر في النهاية إلى قناعة القاضي الوجدانية.

    إذن فالقاضي الجزائي، وإن كان حر ، في المسائل الجزائية، في تكوين قناعته من أي دليل يطرح أمامه طبقا لمبدأ القناعة الوجدانية الذي يقوم عليه الإثبات في المسائل الجزائية، إلا أنه في خصوص إثبات المسائل الفرعية غير الجزائية فإن عليه أن يتبع قواعد الإثبات الخاصة بتلك المسائل.

    وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض السورية بأنه “يجب في جريمة إساءة الائتمان إثبات عقد الأمانة أولاً بالوسائل المدنية، أما الجريمة نفسها والتصرف بالأمانة فيمكن إثباتها بكل أنواع الإثبات ” .

     2- بطلان عقد الائتمان:

    إن بطلان العقد لا يؤثر على وقوع جريمة إساءة الائتمان، لأن القانون لا يعاقب على الإخلال بتنفيذ العقد في ذاته وإنما يعاقب على الاعتداء على ملكية الشيء المسلم بمقتضى العقد، فإذا كان العقد باطلاً فلا يؤثر بطلانه على حق المجني عليه في ملكية الشيء المختلس أو المتصرف به.

    ويستوي أن يكون البطلان نسبياً أو مطلقاً.

     فبطلان عقد الإيجار أو الوكالة لنقص في أهلية المؤجر أو المستأجر أو الأصيل أو الوكيل، أو لعيب في إرادة أحدهما، لا يحول دون اعتبار التسليم منتجاً.

     وكذلك الشأن بالنسبة لبطلان العقد لعيب في شكله أو لعدم مشروعية سببه، فالتسليم الناشئ عن هذا أو ذاك يعتد به قانونا إذا كان حاصلا على سبيل الأمانة.

    وتطبيقا لذلك، فإن جريمة إساءة الائتمان تقوم في حق من سلمت إليه أموالا لاستغلالها في لعب قمار، أو ليشتري بها مخدرات لحساب مالكها، أو ليدفعها نيابة عن مالكها كرشوة لموظف، أو ليستأجر بها مسكنا يدار للدعارة، فاختلس المال لنفسه.

  • ماهو ركن المحل في جرم اساءة الأمانة؟

    محل إساءة الائتمان

    إن محل إساءة الائتمان هو مال سلم من المجني عليه إلى المدعى عليه بناء على أحد عقود الائتمان، كي يحفظه له أو يستعمله في وجه معين، ولكنه استولى عليه خيانة لهذه الثقة.

     

    يتضح من ذلك أن محل جريمة إساءة الائتمان لا بد أن يتوفر فيه شرطان:

    . أن يكون مالاً مادياً منقولا مملوكاً للغير.

    . أن يكون قد سلم للفاعل على سبيل الأمانة.

    والشرط الأول كما هو واضح، أغلبه، مشترك بين إساءة الائتمان والسرقة والاحتيال، باستثناء كون محل الاحتيال يشمل العقار إضافة للمنقول. أما الشرط الثاني فتنفرد به إساءة الائتمان.

    أولاً : کون محل إساءة الائتمان مالاً مادياً منقولاً مملوكاً للغير

    أشار نصي المادتين 656 و 657 إلى محل إساءة الائتمان بأنه سند يتضمن تعهدا أو إبراء أو أي شيء منقول آخر، أو مبلغ من المال أو أي شيء آخر من المثليات.

    – فيشترط في المحل الذي يقع عليه التسليم أن يكون شيئا له صفة المال.

    والمال هو كل شيء يصلح لأن يكون محلا لحق الملكية، بصرف النظر عن طبيعة حيازته مشروعة أو غير مشروعة.

     فإذا أودع شخص لدى أخر مواد مخدرة أو أسلحة غير مرخص بها، فتصرف بها الوديع، فهو يرتكب بذلك إساءة ائتمان.

     فعلى الرغم من عدم مشروعية حيازة صاحب هذه الأشياء، فهي صالحة محلا لحيازة مشروعة من قبل الدولة، بالتالي يتحقق بتصرف مستلم المال على سبيل الأمانة الاعتداء على الملكية الذي تفترضة.

    – ويشترط في المال محل التسليم أن يكون ماديا، لأن الشيء المادي هو الذي يقبل الحيازة والتسليم والاستيلاء، ويستوي بعد ذلك أن يكون صلباًة أو سائلا أو غازياً.

    نستخلص من ذلك أن الأشياء المعنوية، كالأفكار والأسرار والمخترعات، لا تصلح محلاً لإساءة الائتمان، إلا إذا أودعت في وعاء مادي كسند أو وثيقة أو مخطوط.

     وتطبيقاً لذلك من أؤتمن على اكتشاف أو اختراع فقام ببيعه لا يسأل عن إساءة ائتمان إلا إذا كان هذا الاكتشاف أو الاختراع قد صب في وثيقة أو سند، وتصرف المؤتمن بهذا السند، فإنه يعد مسيئا للائتمان، لأن السند له طابع مادي..

    – ويشترط أن يكون المال منقولاً.

    والمنقول بالمفهوم الجزائي هو كل شيء يمكن نقله من مكانه حتى ولو أدى إلى تلفه.

    فيدخل ضمن هذا المفهوم المنقول بطبيعته و العقار بالتخصيص والعقار بالاتصال.

    وليس اشتراط المنقول في محل جريمة إساءة الائتمان يعني أن هذه الجريمة لا يمكن تصورها بالنسبة للعقار.

    بل على العكس فإساءة الائتمان متصورة في العقارات كما هي في المنقولات.

     إلا أن المشرع خص هذا الجرم بالمنقول فقط لأنه قدر أن مالك العقار لا يحتاج إلى الحماية التي تقدمها عقوبة هذه الجريمة، باعتبار أنه يستطيع تتبع ماله الذي لا يمكن إخفاءه عنه، أما مالك المنقول فهو الذي يحتاج إلى هذه الحماية.

     وتطبيقاً لذلك فإن مستأجر المنزل الذي يرفض الخروج منه بعد انتهاء مدة عقد الإيجار، ويعرضه للبيع مدعية تملكه، لا يعتبر مرتكبا لجرم إساءة الائتمان.

     إلا أن الحكم يختلف فيما لو قام هذا الشخص بانتزاع أبواب المنزل أو نوافذه و باعها، فهذا يعتبر مرتكباً لجرم إساءة الائتمان.

    – ويشترط أخيرا أن يكون المال مملوكاً للغير.

     فعلة التجريم في إساءة الائتمان هي الاعتداء على مال الغير، ولا يعتبر الشخص كذلك إذا تصرف بماله.

     وتطبيقاً لذلك إذا تسلم الوكيل مالاً من الموكل كأتعاب له نظير الجهد الذي سيقوم به لمصلحته بموجب عقد الوكالة، فتصرف الوكيل بهذا المال دون أن يبذل أي جهد لصالح الموكل، فإنه لا يعتبر مسيئاً للائتمان، ذلك أن المال سلم إليه تسليماً ناقلاً للحيازة التامة، أي سلم له ليكون ملكاً له، وقد صار كذلك، وإن كان مشترطاً عند تسليم المال أن يقابله مجهوداً من الوكيل .

    – و عندما تتوفر في محل الجريمة صفة المال المادي المنقول المملوك للغير فإنه يصلح لأن يكون محلا للتسليم الذي تقوم به جريمة إساءة الائتمان مهما كانت قيمته ضئيلة أو كبيرة، مادية أم معنوية، مال قيمي أم مال مثلي.

    ويقصد بالأموال القيمية الأموال المعينة بالذات، والتي لا يقوم بعضها مقام بعض في الوفاء ولا تبرأ ذمة المدين بها إلا بردها عيناً أو بالذات.

    مثل قطعة مجوهرات ذات صفات معينة، أو حصان ذو مواصفات معينة مما يستعمل في السباقات الرياضية.

    أما الأموال المثلية فهي الأموال المعينة بنوعها، والتي يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء، وتبرأ  ذمة المدين بها إذا رد مثلها أو نوعها.

    ومثالها النقود والحبوب من صنف واحد.

    – وهنا نرى لزاماً علينا الإجابة على التساؤل الذي سبق وطرح في مقدمة هذا الباب، والمتعلق بالعلاقة بين نصي إساءة الائتمان.

    يرى بعض الفقه أن إساءة الائتمان لها صورتين:

     الصورة الأولى :

    نصت عليها المادة 656 وهي عندما يكون محل إساءة الائتمان مالا قيمية،

     أما الصورة الثانية

    التي نصت عليها المادة 657، فمحل إساءة الائتمان فيها المال المثلي.

     ويدعم هذا الرأي أن المادة 657 قد صرحت بأن محلها هو النقود أو أشياء أخرى من المثليات، مما يستفاد منه حصر نطاقها في المثليات، وبالتالي لا تطبق المادة 656 على إساءة الائتمان في شأن المثليات، ولا تطبق المادة 657 على إساءة الائتمان في شأن القيميات.

     ويرى اتجاه أخر في الفقه ، بحق، أن إساءة الائتمان لها صورتين نصت عليهما المادتان 656 و 657، و أن النص الأول هو النص الأصلي والعام و الشامل لجرم إساءة الائتمان، أما النص الثاني فيشير إلى صورة خاصة من إساءة الامانة اعتبرها المشرع أقل خطورة من الصورة العادية، ولذلك خصها بعقوبة أخف.

    وهذه الصورة تتعلق بالأشياء المثلية التي تسلم العمل معين”، أي على سبيل الوكالة أو المقاولة أو النقل أو الخدمات المجانية، باعتبار هذه العقود تفترض تسليم المال العمل معين.

     أما نص المادة 656 فيشمل محله الأموال القيمية والمثلية معا، عدا المثليات التي تسلم لعمل معين التي خصها المشرع بنص المادة 657.

     بناء على ذلك فإن تسليم مال مثلي بناء على عقد وديعة يدخل ضمن إطار المادة 656 باعتبار أن تسليم المال هنا ليس لعمل معين، وإنما لحفظه فقط.

    وهذا، في الحقيقة، ما يدعم الرأي القائل بأن نص المادة 656 لا يقتصر فقط على الأموال القيمية، بل يشمل أيضا الأشياء المثلية التي تسلم لأي غاية أخرى غير القيام بعمل معين. فلو سلمنا بالرأي المخالف القائل بأن المادة 656  تقتصر فقط على المال القيمي فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج غير مقبولة، تتمثل بأن من تسلم مثليات بناء على عقد أخر من العقود المذكورة في المادة 656، كالوديعة أو العارية أو الإيجار، سينجو من العقاب، لأن نص المادة 656 لا يطاله كون المال مثلي، ولا يطاله أيضا نص المادة 657 لأنه لم يسلم إليه لعمل معين.

    ثانياً : کون محل إساءة الائتمان قد سلم للفاعل على سبيل الأمانة

    لا تقع جريمة إساءة الائتمان إلا إذا كان المال قد سبق تسليمه للفاعل. وهذا الشرط نصت عليه صراحة المادة 656  بعبارة “سلم إليه”، والمادة 657 بعبارة تسلمت إليه”.

     فالتسليم المسبق للمال ضرورة القيام هذه الجريمة.

     إلا أن هذا  التسليم المسبق للمال لا يكفي لوحده بل لا بد أن يتم بناء على أحد العقود الائتمانية المحددة حصرا بالنصوص.

     فالمادة 656 تطلبت أن يتم التسليم على وجه الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو على سبيل العارية أو الرهن أو الإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة.

    أما المادة 657 فتطلبت أن يتم تسليم المثليات العمل معين”.

     لذلك لا بد من تحليل ماهية التسليم في إساءة الائتمان، ثم دراسة العقود الائتمانية المحددة بالنصوص.

     

    أولاً- ضرورة التسليم وشروطه:

    لا بد لقيام جريمة إساءة الائتمان من سبق تسليم المال المنقول إلى الفاعل.

    ولا يختلف التسليم من حيث طبيعته في جريمة إساءة الائتمان عنه في جريمة السرقة.

    فالتسليم يحصل على النحو الذي يتفق مع طبيعة الشيء، ولهذا فقد يكون حقيقياً، فعلياً أو رمزياً، وقد يكون حكمياً، والعبرة في القانون بذات التسليم لا بشكله.

     لهذا يستوي في إساءة  الائتمان أن يكون المال قد سلم للفاعل تسليماً حقيقياً أو حكمياً.

     ويتمثل التسليم الحقيقي في حركة مادية يتخلى بها الحائز عن المال ويخرجه من يده إلى يد الحائز الجديد.

     وقد يكون التخلي عن المال فعليا بتسليمه بذاته، أو رمزيا بتسليم ما يشير إليه وما يمكن من الاستيلاء عليه.

     ومن أمثلة التسليم الرمزي تسليم الحائز الجديد مفاتيح المخزن أو الصندوق الذي يحتوي على المال المنقول المراد تسليمه.

    أما التسليم الحكمي فلا يقتضي نقل المال ولا ما يدل عليه من موضعه، وإنما يتم بتغيير النية وحدها .

     ويمكن تصور التسليم الحكمي في حالتين:

    الأولى: حين يكون المال موجودة بين يدي مالكه ثم يتصرف فيه للغير تصرفاً ناقلا للملكية، كالبيع مثلا، ويبقيه بالاتفاق مع المشتري في يده باعتباره مستأجرا له أو مودعا لديه.

     والحالة الثانية: أن يكون التسليم لليد العارضة فقط ثم يتفق الطرفان على تحويل اليد العارضة إلى حيازة ناقصة.

    والمثال على ذلك حالة الضيف الذي يتناول كتاباً من مكتبة مضيفه ليطلع عليه فيعجبه فيطلب استعارته، فيوافقه.

    – ولا يشترط في التسليم المنتج لإساءة الائتمان أن يقع الشخص الفاعل، بل يعتد به أيضأ إذا وقع لوكيله أو نائبه أو من يمثله عموماً.

    بالتالي تقوم جريمة إساءة الائتمان في حق الشخص الذي تصرف بمال استلمه شخصياً أو استلمه عنه نائبه.

     فالزوجة التي تسلمت ما أرسل إلى زوجها على وجه الوديعة أو العارية، ثم قام الزوج بالتصرف بهذا المال، يعتبر مسيئاً للائتمان لأن ما تصرف به سلم إليه في شخص نائبه أو من يمثله.

    – ويشترط في التسليم المعتد به في إساءة الائتمان ثلاثة شروط:

     أن يكون ناقلا للحيازة الناقصة، وأن يصدر من ذي صفة، وأن يكون مصحوبة بحرية الاختيار والإرادة.

    1- کون التسليم ناقلاً للحيازة الناقصة :

    والتسليم المقصود هنا هو التسليم بناء على أحد العقود الائتمانية المحددة بالنص، تلك العقود التي تفترض أن يتم بها التسليم الناقل للحيازة الناقصة فقط على المال المسلم، والذي لا يمنح المؤتمن سوى بعض السلطات على الشيء الحساب المسالك.

    وبناء على ذلك تنتقي إساءة الائتمان إذا كان المال قد سلم على سبيل الحيازة التامة أو اليد العارضة.

    ففي البيع أو المقايضة يتم تسليم المال على سبيل الحيازة التامة، أي على سبيل نقل الملكية إلى المستلم، فلا تقع الجريمة إذا تصرف المستلم بالمال، لأنه تصرف بما يملك.

    أما تسليم المال على سبيل اليد العارضة فلا يعطي للمستلم أكثر من اتصال مادي بحت على المال، فإذا تصرف بها فلا يعد سيئا للائتمان بل سارقا، لأن تسليم اليد العارضة لا ينفي الأخذ في السرقة.

    ومثاله الضيف والخادم والحمال، فإذا استولى أي من هؤلاء على مابين يديه فهو سارق وليس مسيء للائتمان، لأنه لم يؤتمن على ما  تسلمه.

    2- صدور التسليم من ذي صفة:

    يجب أن يتم التسليم ممن له صفة على المال .

     وهذه الصفة تكون لمن يحوز المال حيازة تامة أو ناقصة.

     والأصل أن يقع التسليم من مالك المال، وهذا التسليم لا يثور بشأنه أي خلاف.

     إلا أن التسليم قد يقع أيضا من سارق المال، فالسارق يحوز المال حيازة تامة، فإذا أودعه لدى أخر أو أعاره إليه أو أجره له، فتصرف هذا الشخص بالمال، يعتبر مسيئا للائتمان.

     وحائز المال حيازة ناقصة يعتبر ذا صفة في التسليم.

     فالمستأجر للمال الذي أعاره لشخص آخر أو أودعه لديه، فتصرف به الأخير، يعتبر مسيئاً للائتمان.

    أما إذا وقع التسليم من شخص ليس بذي صفة على المال، فإن تسليمه لا يعتد به قانوناً.

    كما هو الشأن بالتسليم الصادر من صاحب اليد العارضة، كالضيف والخادم والحمال.

    وكما رأينا سابقاً فهذا التسليم لا ينفي الأخذ في جريمة السرقة، وبالتالي من يستلم مالا من صاحب اليد العارضة فيتصرف به يعتبر سارقا له وليس مسيئا اللائتمان .

    وقد لا يتم التسليم من حائز المال حيازة تامة أو ناقصة، بل يتم بناء على أمر قضائي أو حكم القانون، كما هو الحال بالنسبة لاستلام الولي والوصي والقيم والحارس القضائي.

    ولا يختلف الحكم بالنسبة لهؤلاء عن حكم من تسلم المال من المالك أو الحائز.

    ولهذا يعد كل منهم مسيئا للائتمان إذا تصرف بالمال الذي تسلمه بموجب إحدى هذه الصفات.

    3- صدور التسليم عن اختيار وارادة:

    يجب أن يكون التسليم في إساءة الائتمان صادر عن شخص ذي صفة باختياره وبإرادته الحرة حتى يعتد بتسليمه قانوناً .

     فمن يتسلم مالاُ من مجنون أو مكره ثم يتصرف به يعتبر سارقاً له وليس مسيئا للائتمان.

     بيد أن هذه القاعدة غير مطلقة، فالإرادة المعيبة لنقص الأهلية، دون انعدامها، قد تنقل الحيازة وتمهد لارتكاب إساءة الائتمان.

     ويعتد بالتسليم الصادر عن شخص بإرادته الحرة المميزة حتى ولو تم التسليم نتيجة غلط من المسلم، في قيمة المال أو كميته أو في شخص المستلم، أو تم التسليم نتيجة غش وخداع من المستلم، لأن إرادة المسلم، بغض النظر عما شابها من عيب، قد اتجهت فعلا إلى التسليم.

     وقد سبق لنا شرح هذه الفكرة عند دراسة أحكام السرقة، وقلنا أن من يتسلم مالاً منقولاً نتيجة غلط وقع به المسلم، فتصرف به، يعتبر مرتكبا للجرم الوارد في المادة 659 من قانون

     

    العقوبات، وهو جرم ملحق بإساءة الائتمان. أما من تسلم مالاً منقولا بخداعه للمسلم، وتصرف به، فيعتبر مرتكب الجرم الاحتيال إذا توافرت بقية أركان الاحتيال.

    ثانياً – أن يتم التسليم بناء على أحد العقود المحددة قانوناً.

    يجب في التسليم المعتد به في إساءة الائتمان أن يكون مصدره عقدا من عقود الأمانة التي نص عليها المشرع على سبيل الحصر .

     وهي كما جاءت في المادة 656 ” الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو العارية أو الرهن أو لإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة “.

    أما المادة 657 فتطلبت أن يكون تسليم المثليات” لعمل معين .

    فإذا لم يكن العقد الذي حصل التسليم بمقتضاه من هذه العقود، كعقد البيع و عقد القرض وعقد الشركة مثلا، أو كان التسليم لم يحصل أصلا بناء على عقد، فإن التصرف بالمال لا يعد إساءة ائتمان.

     وعبارة “لإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة” الواردة في المادة 656 تشير إلى ثلاثة عقود يتسلم بها المدعى عليه المال للقيام بعمل معين وهي المقاولة والنقل وعقد الخدمات المجانية. أما تسليم المثليات في المادة 657 ” لعمل معين ” فتشير إلى ذات العقود الثلاثة السابقة إضافة لعقد الوكالة، لأن هذه العقود تفترض تسليم المال العمل معين.

  • اساءة الأمانة في عقود الوديعة

    الوديعة عقد يلتزم به شخص أن يتسلم شيئاً من أخر على أن يتولى حفظ هذا الشيء وعلى أن يرده عينة (المادة 684 من القانون المدني).

    وكما أسلفنا فإن مناط العقاب هنا ليس الإخلال بالتزامات المودع لديه، وإنما هو الاعتداء على ملكية الشيء محل الوديعة.

    بالتالي لا عقاب على الإهمال في حفظ الوديعة ولو ترتب عليه هلاكها، ولا على استعمال الوديعة بغير إذن مالكها، ولا مجرد التأخير في ردها ما دام المودع لديه لا ينكر ملكية المودع للوديعة.

    ويتضح من التعريف

    الذي أوردناه أنه لا بد لقيام الوديعة من توافر شرطين:

    1- تسليم مال منقول إلى أخر.

     فلا وديعة إذا لم يكن هناك تسليم للمال من المودع إلى المودع لديه. ويستوي أن يكون التسليم حقيقياً أو أن يكون حكمياً.

     ومن أمثلة التسليم الحكمي بقاء الشيء المباع لدى البائع على سبيل الوديعة بعد أن انتقلت ملكيته إلى المشتري .

    فإذا اختلس البائع هذا الشيء قامت في حقه جريمة إساءة الائتمان.

    كما يستوي أن يحصل التسليم من المودع إلى المودع لديه مباشرة، وهذا هو الأصل، أو أن يحصل التسليم بطريقة غير مباشرة.

     ومن أمثلة التسليم غير المباشر حالة وارث المودع لديه. فالوارث يكون مسئولاً عن الوديعة التي تسلمها المورث، فإذا اختلسها وهو يعلم بحقيقتها قامت في حقه جريمة إساءة الائتمان .

     

    2- يشترط أن يكون تسليم الوديعة بقصد حفظها وردها بذاتها،

     أي أن يكون تسليم الوديعة مقتصراً على نقل الحيازة الناقصة، أما إذا لم يكن استلام الشيء بقصد حفظه، أو لم يكن الاتفاق منصباً على رد الشيء بذاته فلا يعد اختلاسه إساءة ائتمان .

     فيعد سارقاً لا مسيئاً للأمانة من تسلم مالاً من الغير بقصد معاينته وتقدير قيمته ورده في الحال ففر هارباً به.

    ولا جريمة أيضا إذا كان التسليم ناقلا للحيازة التامة، إلا إذا كان هذا التسليم نتيجة غش وخداع فيعتبر الفعل احتيالاً إذا توافرت سائر أركانه.

    والأصل في محل الوديعة أن يكون مالا قيمياً، لأن المال القيمي هو الذي يفترض أن يرد بالذات .

    ومع هذا فمن الممكن أن تتحقق الوديعة بالنسبة لمال مثلي، كالغلال والنقود، إذا اتفق الطرفان أن يسترد المودع هذا المال بذاته.

     إذن فالوديعة التي تكون محلا للحماية الجزائية هي الوديعة التي يلتزم فيها المودع لديه بالرد عينا، سواء أكان المال قيمية أم كان مثلية.

    وبناء عليه لا يعتبر مرتكبا لجريمة إساءة الائتمان المودع لديه إذا كان ملتزماً برد مقابل المال المودع لديه كماً ونوعاً، دون رده بذاته أو بعينه، لأن التسليم في هذه الحالة قد اقترن بنية نقل الحيازة التامة وليس الناقصة، أي اقترن بالسماح للمودع لديه أن يتصرف بالشيء محل الوديعة ثم رد قيمته أو مثله دون الالتزام برده عيناً.

     وتطبيقا لذلك لا يعد مسيئا للائتمان مدير البنك الذي يتصرف في النقود المودعة في البنك والتي يتقاضى عليها المودعون فائدة معينة نظير انتفاع البنك بها ، أو المدين الذي يلزمه دائنه بالتوقيع على سند أمانة باعتبار أن المال لديه على سبيل الوديعة.

    ففي هذه الحالات تم تسليم المال تسليما ناقلا للحيازة التامة وليس الناقصة، ويكيف العقد على حقيقته بأنه قرض أو عارية استهلاك وليس وديعة.

     ويستوي أخيرة أن تكون الوديعة تعاقدية أو قانونية أو قضائية.

    فكما سبق و أشرنا إلى أن الحصر التشريعي للعقود الائتمانية يتسع لبعض المراكز الائتمانية غير التعاقدية، فتقوم جريمة إساءة الائتمان فيها بالرغم من عدم وجود عقد من الناحية القانونية.

     وأبرز أمثلة لهذه المراكز تتمثل في حالتي الوديعة والوكالة. فالوديعة كما تكون تعاقدية قد تكون قانونية أو قضائية.

     ومن أمثلة الوديعة القانونية حالة الوريث الذي يتسلم شيئاً مودعة لدى مورثه، وهو يعلم بكونه وديعة، فهذا الشيء يعتبر لديه على سبيل الأمانة، فإذا تصرف به يعتبر مسيئاً للائتمان.

     ومن أمثلة الوديعة القضائية، حالة الحارس القضائي على المال المحجوز عليه، والمسلم له كشخص ثالث، فالمال يكون لديه وديعة، فإذا اختلسه أو تصرف به قام في حقه جرم إساءة الائتمان.

  • إساءة الأمانة في عقود المقاولة والنقل والخدمات المجانية

    تستخلص هذه العقود الثلاثة من العبارة التي أوردها المشرع في المادة 656 بقوله أن الشيء قد سلم “لإجراء عمل القاء أجرة أو بدون أجرة، كما تستخلص أيضاً من العبارة الواردة في المادة 657، بقوله أن الشيء المثلي أو النقود قد سلم العمل معين”.

     فالمقاول والناقل ومن تعهد بخدمة مجانية يتسلمون شيئاً مملوكاً لغيرهم لكي يقوموا حياله بعمل معين، فإذا استغل أحدهم وجود الشيء في حيازته فاستولى عليه قام في حقه جرم إساءة الائتمان.

     والمقاولة أو إجارة الصناعة هي عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئاً، أو أن يؤدي عملاً لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الأخر (المادة 612 من القانون المدني).

    أما عقد النقل فهو صورة من صور عقد المقاولة يتميز عن سائر صوره بنوع الخدمة التي يتعهد الناقل بتقديمها، والتي تتمثل بتأمين انتقال شخص أو شيء من موضع إلى أخر .

     أما عقد الخدمات المجانية فهو لا يختلف بشيء عن عقد المقاولة سوى بغياب البدل أو الأجر. فبهذا العقد يقوم أحد طرفيه بعمل أو خدمة لصالح الطرف الأخر دون أن يتقاضى أجراً مقابله  وبهذه العقود الثلاثة يستلم أحد الطرفين من الأخر شيئا على سبيل الحيازة الناقصة، فإذا حول حيازته لهذا الشيء إلى حيازة تامة قامت بحقه جريمة إساءة الائتمان.

     فالطحان الذي يتسلم غلالاً لطحنها، والخياط الذي يتسلم قماشاً اليخيطه ثوباً، والنجار الذي يتسلم خشباً ليصنعه أثاثاً، إذا اختلس هؤلاء ما سلم إليهم، تقوم في حقهم جريمة إساءة الائتمان.

    ويسأل أيضاً عن إساءة الائتمان الناقل الذي يتسلم طردا لنقله إلى مكان معين، فيستولي عليه. كما يسأل عن هذه الجريمة الصديق الذي يتطوع لإصلاح شيء لصديقه أو لتصنيعه أو لنقله إلى شخص أخر إذا اختلس ما سلم إليه.

    ومن المسلم به أن الشرط الأساسي لارتكاب إساءة الائتمان في هذه العقود هو أن تكون الأشياء قد سلمت على سبيل الحيازة الناقصة، أي من أجل القيام بالعمل ثم ردها عيناً، سواء في صورتها الأصلية أو بعد أن يدخل التعديل عليها.

     وتطبيقاً لذلك إذا تسلم النجار أخشابا ليصنع منها أثاثاً، وتسلم معها مبلغاً من النقود كأجر معجل له، وإذا تسلم الخياط قطعة قماش ليخيطها بنطالاً، وتسلم معها مبلغاً من النقود كأجر معجل.

    فإساءة الائتمان تقوم في حق النجار والخياط إذا لم يرد الأخشاب أو قطعة القماش بعينها، لأن عقد المقاولة يلزمه بردها، إما مصنعة أثاثاً أو بنطالاً، وإما بذاتها دون تصنيع.

     أما إذا رد الأخشاب أو قطعة القماش دون تصنيع ولم يرد المبلغ الذي تسلمه، فلا تقوم الجريمة في حقه، لأن النقود سلمت إليه تسليما ناقلاً للحيازة التامة، أي لتصبح ملكاً له باعتبارها أجرة معجلة، ولا يغير من صفتها هذه أن يكون الغرض من تسليمها إنفاقها في غرض معين ، كأن يكون النجار أو الخياط قد استلم المبلغ ليكون له أجرأ معجلاً وليتمكن من شراء بعض المواد التي تدخل في صناعة الأثاث أو الخياطة، كالطلاء أو المسامير أو نوع معين من الخيوط وما إلى ذلك.

     وغني عن البيان أن إساءة الائتمان لا تقوم بحق من يخل بأي التزام أخر من الالتزامات التي تولدها هذه العقود الثلاثة، ولكن تقوم في حق من يخل بالتزام الرد عيناً أو مثلا، فلا يكفي في قيامها إهمال المستلم أو تقصيره في المحافظة على الشيء ولو أدى لهلاکه.

    فما دام لا ينكر ملكية المسلم للشيء، وذلك بالاستيلاء عليه أو اختلاسه، فلا جريمة

  • الركن المعنوي لجرم إساءة الأمانة

    تطلب المشرع القصد الجرمي في الصورة العامة الإساءة الائتمان الواردة في المادة 656 بعبارة ” كل من أقدم قصداً على كتم أو اختلاس …”.

    وهذا يعني أنه لا بد لقيامها من توفر القصد الجرمي لدى مرتكبها، ولا يمكن أن تقع غير مقصودة مهما بلغت جسامة الخطأ الذي وقع به الشخص.

    أما المادة 657 فلقد تضمنت تعبيرا يفهم منه أن الأمين تصرف في المال المثلي أو النقود المسلمة إليه لعمل معين ” وهو يعلم أو كان يجب أن يعلم أنه لا يمكنه إعادة مثلها…”.

    والتصرف بالمال مع العلم بعدم القدرة على رد مثله يفيد القصد الجرمي. أما إذا كان يجب عليه أن يعلم بأنه لا يستطيع رد من المال الذي تسلمه ولم يتخذ الاحتياطات اللازمة وقصر في بذل الجهد الذي يحول دون الامتناع عن رد مثل هذا المال فإنه يكون قد توفر لديه الخطأ، الذي يعتبر كافياً لتوافر الركن المعنوي في جريمة إساءة الائتمان في الأشياء المثلية .

     تخلص من ذلك أن الصورة العامة لإساءة الائتمان الواردة في المادة 656 لا تقوم إلا إذا اتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الجرمي. أما الصورة الخاصة بإساءة الائتمان بالأشياء المثلية الواردة في المادة 657 فتقوم سواء اتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي أو الخطأ.

     مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأصل في جريمة إساءة الائتمان أن تكون مقصودة، وليست صورتها غير المقصودة سوى صورة ثانوية بل و استثنائية .

    الركن المعنوي للصورة العامة لإساءة الائتمان المادة 656

    صرحت المادة 656 بتطلب القصد الجرمي، كما أسلفنا، بقولها ” كل من أقدم قصدا…”.

    وعلى الرغم من أنها لم تشر إلا إلى القصد العام، إلا أنه من المسلم به أنه يشترط توافر القصد الخاص إضافة للقصد العام.

     ويتمثل هذا القصد الخاص في نية تملك المال محل الأمانة. إذن لا بد من توافر عناصر القصد العام إلى جانب نية التملك المكونة للركن الخاص .

     

    أولاً- القصد العام

    لا بد لقيام القصد العام من توفر عنصري العلم والإرادة.

    1- العلم:

    يجب أن ينصب العلم على كافة أركان الجريمة.

    وبناء عليه يجب أن يعلم الفاعل أن المال مملوكة للغير، وأنه يحوزه حيازة ناقصة لحساب مالكه.

     وينتفي ،تبعاً لذلك، القصد الجرمي لانتفاء العلم إذا كان المال محل الأمانة قد اختلط بمال الأمين فتصرف به دون أن يعلم أنه المال محل الأمانة.

     كما ينتفي إذا اعتقد الأمين أنه يحوز المال حيازة تامة، ومثالها حالة الوارث الذي يتصرف بشيء من أشياء التركة التي آلت إليه معتقدا انتقال ملكيته له، ثم يتبين أن هذا الشيء كان يحوزة المورث على سبيل العارية أو الوديعة.

    2- الإرادة:

     يجب أن تتجه الإرادة إلى الفعل والنتيجة. أي أن تتجه إرادة الفاعل إلى إتيان فعل الكتم أو الاختلاس أو الإتلاف أو التمزيق عن علم بطبيعته، وان تتجه إلى إنزال الضرر، بمفهومه العام كاعتداء على الملكية، بالمجني عليه أو غيره. وباعتبار أن القصد الاحتمالي يتساوى مع القصد المباشر، فإنه يكفي لتوافر القصد أن يتوقع الفاعل نتيجة فعله ويقبل بها، أي يتوقع احتمال الضرر فيقبل به.

     وتطبيقاً لذلك إذا توقع الفاعل هلاك الشيء نتيجة فعله أو عدم فعله المخطئين، فقبل بالمخاطرة، فيسأل عن إساءة ائتمان مقصودة استنادا لقصده الاحتمالي.

    أما إذا أدى إهمال الأمين أو عدم احتياطه إلى هلاك الشيء المؤتمن عليه، أو قام الأمين باستعمال الشيء بصورة منافية لما أعد له فهلك، ولكن دون أن تتجه إرادته إلى إهلاكه، أو تقبل بذلك، فإن القصد ينتفي لديه.

     وينتفي القصد أيضا لانتقاء الإرادة إذا سرق الشيء من الأمين ولو بإهماله، أو ضاع نتيجة قوة قاهرة أو حادث مفاجئ.

     

    ثانياً- القصد الخاص

    يتمثل القصد الخاص في إساءة الائتمان بنية تملك المال محل الأمانة.

     ونية التملك تعني الاستيلاء على المال أو السلوك إزاءه مسلك المالك، بتحويل الحيازة من ناقصة إلى تامة بأحد الأفعال الكاشفة لهذه النية، التي ذكرها نص المادة 656 من كتم أو اختلاس أو إتلاف أو تمزيق.

     فنية التملك تتضمن نكران الحق ملكية المالك للشيء محل الأمانة .

    تطبيقا لذلك فإن كان عدم رد محل الأمانة غير مقترن بهذه النية ، تنتفي الجريمة لانتفاء القصد الخاص.

    ومن أمثلة ذلك أن يؤخر المستعير أو المستأجر رد الشيء إلى مالكه ليطيل مدة انتفاعه به، فالإرادة متجهة هنا إلى الإخلال بالالتزام التعاقدي وليس إلى تملك المال .

     ومتى توفر القصد الجرمي بصورتيه العام والخاص، قامت جريمة إساءة الائتمان بصرف النظر عن الباعث على ارتكابها .

     كأن يكون الإثراء على حساب الغير أو الإضرار بالغير في حالة الإتلاف والتمزيق، أو لإعانة محتاج أو مساعدة مشروع خيري.

    فهذه البواعث لا تدخل في تكوين الركن المعنوي، وإن كانت تؤخذ بعين الاعتبار عن تقدير العقاب.

     

    الركن المعنوي لجريمة إساءة الائتمان الخاصة بالأشياء المثلية (المادة 657)

    عندما يكون المال محل الأمانة مالاً مثلياً فإن الركن المعنوي لإساءة الائتمان قد يتخذ صورة القصد الجرمي، وقد يتخذ صورة الخطأ.

     وهو ما يستفاد من نص المادة 657، بعبارة وهو يعلم أو كان يجب عليه أن يعلم أنه لا يمكنه إعادة ملها”. ويتوافر القصد الجرمي، بصورة القصد الاحتمالي، إذا كان الأمين يعلم حين يتصرف بالمثليات أو بالنقود المؤتمن عليها أنه لا يستطيع إعادة مثلها فيتوقع تبعا لذلك الضرر الذي سوف ينزل بالمجني عليه فيقبل به.

    وعلى ذلك يتحقق الركن المعنوي في صورة القصد إذا كان الشيء المسلم للأمين نقوداً فتصرف بها مع علمه بأنه لن يتمكن من رد مثل هذا المبلغ.

    فهنا يتوفر الركن المعنوي إذا توفرت بقية عناصره، أي العلم بأن المال مملوك للغير وأنه في حيازته الناقصة، وأن تتجه إرادته إلى التصرف بالمال وإلى إنزال الضرر بالمجني عليه أو بغيره.

     والمثال على هذه الصورة أن ينفق الوكيل النقود التي سلمها له الموكل ليقوم لصالحه بعمل معين، عالماً بإعساره وبأنه لن يتوفر لديه مال لإيفاء الموكل حقه ويتوقع تبعاً لذلك عجزه عن إبراء ذمته تجاهه فتتجه إرادته إلى ذلك نكاية فيه أو يقبل بذلك لأنه لا تعنيه مصالح موكله ولا يعبأ بفقده ثقته فيه.

    أما إذا تصرف الوكيل بالنقود وهو لا يعلم بأن تصرفه هذا سيترتب عليه عدم تمكنه من رد مثله، بل حسب أن هناك صفقة ستدر عليه ربحاً وفيراً يمكنه من رد مثل النقود إلا أنه لم يبذل جهداً كافياً في تقدير أرباح تلك الصفقة لعدم إدراكه وإلمامه بقواعد السوق بصورة كافية فكان أن امتنع عن رد مثل النقود التي تسلمها من موكله بسبب تقصيره هذا وما كان يجب عليه بذله من جهد في سبيل تفادي تلك النتيجة، فإن جريمة إساءة الائتمان تقوم في حقه ويتخذ الركن المعنوي فيها صورة الخطأ.

  • ماهي حالات الإعفاء والتخفيف من عقوبة اساءة الأمانة؟

    حالات الإعفاء والتخفيفمن العقوبة الواردة في المواد 660-661-662 من قانون العقوبات، والتي تشمل في نطاقها جرائم السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان، والتي سبق شرحها مفصلاً عند دراسة أحكام السرقة، والتي نلخصها بصدد إساءة الائتمان بالنقاط التالية:

    1- بحسب المادة 660، فإن عقوبة إساءة الائتمان المنصوص عليها في القانون يخفض منها الثلثان إذا كان المجني عليهم فيها من الأصول أو الفروع أو الأزواج أو من ذوي الولاية الشرعية أو الفعلية، ويعفون من العقاب إذا أزالوا الضرر الذي أحدثوه.

    بالتالي، فهذا النص يعتبر علاقة القربي التي نص عليها بمثابة عذر مخفف للعقوبة.

     فإن ارتكب الزوج حيال زوجته أو الابن حيال أبيه إساءة ائتمان، فيعاقب بثلث العقوبة المقررة للجرم العادي الواردة في المادتين 656 و 657.

    و إذا أزيل الضرر، بإعادة المال المساء الائتمان فيه أو رد ثمنه، فيستفيد الفاعل من عذر محل من العقاب .

    وحتى في حالة التكرار يبقى القريب مستفيدا من عذر مخفف.

    فإذا عاود المجرم جرمه خلال خمس سنوات قضي عليه بالعقوبة المنصوص عليها في القانون مخفض منها الثلث.

    2- بحسب المادة 661 لا تلاحق إلا بناء على شكوى الفريق المتضرر جريمة إساءة الائتمان بصورتيها العامة والخاصة.

    وهذا يعني تقييد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى بهذه الجريمة بتقديم شكوى من المتضرر، عندئذ تستعيد النيابة حريتها وتحرك دعوى الحق العام. وإذا أسقط المشتكي دعواه أثناء نظر الدعوى تسقط تبعا لذلك دعوى الحق العام، وتسقط العقوبة إذا أتى الإسقاط بعد صدور الحكم .

    علماً بأن جريمة إساءة الائتمان المترافقة بإحدى الحالات المشددة المنصوص عليها في المادة 658 لم يقيدها المشرع بتقديم شكوى من الفريق المتضرر، بل تلاحق عفوا من قبل النيابة العامة،، ولا تسقط بالإسقاط .

    3- بحسب المادة 662، تخفف العقوبة إلى النصف إذا كان الضرر أو النافع الناتج عن الجريمة تافها، أو إذا أزال الفاعل الضرر كله، بإعادة المال المساء الائتمان فيه أو رد ثمنه قبل إحالة الدعوى إلى المحكمة.

     أما إذا أزيل الضرر كله أثناء نظر الدعوى وقبل صدور أي حكم بالأساس ولو غير مبرم فيخفض ربع العقو

  • ماهو عقوبة الاحتيال بمناسبة إصدار أسهم أو سندات؟

    نصت المادة 642 من قانون العقوبات على ظرفين مشددين للاحتيال، بقولها: تضاعف العقوبة إذا ارتكب الجرم في إحدى الحالات الآتية:

      أ- …………

     ب- بفعل شخص يلتمس من العامة ما لإصدار أسهم أو سندات أو غيرها من الوثائق لشركة أو لمشروع ما”.

    إن علة تشدید عقاب هذا الاحتيال تتمثل في أنه لا يمس مجني عليه معين بذاته، بل يتخذ من الكافة مجني عليهم.

    فضلاً عن أنه ينال بالضرر صغار المدخرين الذين ينطلي عليهم الخداع، لاسيما وأن المحتال يلجأ عادة إلى وسائل النشر العامة. إضافة إلى أن هذا النوع من الاحتيال يؤدي إلى إضعاف ثقة الجمهور في قواعد إصدار الأسهم و السندات وما إليها، ويزعزع الاقتصاد الوطني .

     وهذه الحالة تفترض أن يلتمس المحتال مالا من العامة لإصدار أسهم أو سندات أو غيرها من الوثائق لشركة أو المشروع ما.

    فيشترط إذا لتوافر هذا الظرف المشدد أن يتوجه المحتال إلى عامة أو كافة الناس دون تخصیص، بالتالي لا يكفي التوجه إلى أشخاص معينين لتوافر هذا الظرف.

     و شرط التوجه إلى العامة يفترض أن يستخدم المحتال وسيلة من وسائل العلانية حتى يمكن القول بأنه يتوجه إلى كل الناس.

     ومن أمثلة وسائل العلانية الصحف والإذاعة والتلفاز، أو لصق الإعلانات على الجدران أو توزيع منشورات في الطريق العام .

     و تطبيقاً لذلك تنتفي وسيلة العلانية، وينتفي تبعاً لها الظرف المشدد، إذا استخدم الفاعل للاتصال بالناس وسائل خاصة كالمراسلات أو الزيارات المنزلية لعدد محدود من الناس.

    ويشترط أخيراً أن يكون الغرض من الاحتيال تمويل عملية الإصدار أسهم أو سندات أو أي وثائق أخرى.

    والإصدار معناه الدعوة إلى الاكتتاب في الأوراق المالية المطروحة للتداول سواء بقصد إنشاء شركة جديدة أو زيادة رأسمال شركة قائمة بالفعل.

     وتطبيقاً لذلك ينتفي الظرف المشدد إذا كان هدف المحتال هو بيع أو رهن أسهم أو سندات موجودة من قبل، إذ ليس من شأن ذلك جلب رأسمال جديد.

1