Blog

  • جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة

    جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة

    جاء النص على هذه الصورة في المادة 543 كما يلي:

     “إذا أدى الفعل إلى قطع، أو استئصال عضو، أو بتر أحد الأطراف، أو إلى تعطيلهما، أو تعطيل إحدى الحواس عن العمل، أو تسبب في إحداث تشويه جسيم، أو أية عاهة أخرى دائمة، أو لها مظهر العامة الدائمة، عوقب المجرم بالأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات على الأكثر”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

     1- يجب أن يتوفر في هذا الجرم ذات الأركان العامة التي تشترك بها جميع جرائم الإيذاء بصورها الجنحية والجنائية، سواء ما تعلق بفعل الضرب أو الجرح أو الإيذاء، أي الركن المادي، أو ما تعلق بقصد الإضرار بالسلامة الجسدية للمجني عليه، وهو القصد الجرمي العام المطلوب في كافة جرائم الإيذاء، أي الركن المعنوي.

    2- لا بد لتطبيق نص المادة 543 من توفر النتيجة الجرمية المطلوبة به، والتي عددها النص:

    من قطع أو استئصال العضو أو من بتر لأحد الأطراف أو تعطيله، أو من تعطيل أحد الحواس، أو من إحداث تشويه جسيم أو أية عاهة أخرى دائمة أو لها مظهر العاهة الدائمة.

    وليس التعداد الذي أورده النص سوى أمثلة، على سبيل التمثيل لا الحصر، عن العاهة الدائمة.

    3- لم يورد المشرع في النص تعريفا للعاهة الدائمة، بل اكتفي كما أشرنا بذكر بعض صورها. ويمكن تعريف العاهة الدائمة استنادا لهذه الصور بأنها

    “حرمان المجني عليه كليا أو جزئيا من منفعة أحد أعضائه أو أطرافه أو حواسه، أو من جماله، حرمانة نهائي “.

     إذا فالعاهة تعني فقد عضو من أعضاء الجسم، سواء كان خارجي أم داخلي، أو حاسة من حواسه، أو تعطيلهما، أو تشويههما بشكل دائم، أي غير قابل للشفاء.

    وتقدير ذلك يعود لقاضي الموضوع الذي يسترشد بالتقرير الطبي وبحالة المصاب.

    ولا ينفي عدم قابلية الشفاء أن يكون الطب قد توصل إلى وضع بديل صناعي للعضو المفقود أو التالف، كأذن صناعية، أو ساق صناعية.

    وتعتبر عاهة دائمة ولو كان من الممكن شفاعها عن طريق جراحة دقيقة تعرض حياة المجني عليه للخطر، إذا رفض المجني عليه إجراءها، فالمجني عليه لا يلزم بإجراء هذه العملية الجراحية.

    4- لم يحدد المشرع نسبة مئوية معينة للنقص الذي لحق منفعة العضو أو الحاسة لتكوين العاهة الدائمة. وهذا يعني أن العاهة تتحقق بهذا النقص مهما كان ضئيلاً.

     فضالة النسبة المئوية لا تنفي صفة العاهة. كما أنه لا يؤثر في قيام العاهة عدم إمكان تقديرها بنسبة مئوية.

    وتطبيقا لذلك فإن عاهة العين تثبت بمجرد فقد البصر فيها، وإن كان المجني عليه يعاني قبل ذلك من ضعف في الإبصار بها.

     فما دام المجني عليه كان يبصر بعينه قبل الاعتداء عليه، ولو بشكل ضئيل، وفقد معظم بصره أو فقده بشكل تام نتيجة الاعتداء، فالعاهة الدائمة تعتبر متوفرة .

     – من الأمثلة على العامة الدائمة فقد البصر أو ضعفه ولو كان مقصورة على إحدى العينين، فقد أو ضعف حاسة الشم أو السمع أو القدرة على النطق، فقد أحد الأصابع أو عدم القدرة على ثنيه، قطع صيوان الأذن، استئصال الطحال أو الكلية ولو كان المجني عليه مصابة بمرض بهما سابقا .

     5- لقد ساوى المشرع بين العاهة الدائمة وبين العاهة التي لها مظهر العاهة الدائمة وإن لم تكن في حقيقتها كذلك.

    وبذلك يحمي المشرع جمال الجسم، بحمايته لفقد جمال أحد أعضائه، إضافة لحماية وظائف الجسم.

     فلو أدى الإيذاء إلى تشويه جسيم في الوجه، كانحراف واضح في الأنف، أو فقد الشعر، أو حرق إحدى الوجنتين، فهو يأخذ مظهر العاهة الدائمة وإن لم يكن ينطوي على فقد عضو من أعضاء الوجه أو جزء منه، أو تعطيل وظيفة حاسة من الحواس.

    وحسنا فعل المشرع بذلك، فما من شك بأن تشويه الوجه يكون له أثر في نفس المجني عليه لا يقل عن فقدان عضو أو تعطيل حاسة من حواسه.

    – إن العقوبة المفروضة على مرتكب هذه الجريمة هي عقوبة جنائية تتراوح بين الثلاث سنوات و العشر سنوات أشغال شاقة.

  • جنحة الايذاء المقصود اذا كان التعطيل عن العمل فوق 20 يوم

    الإيذاء المفضي إلى تعطيل عن العمل المدة تتجاوز العشرين يوماً

    نصت على هذه الصورة المشددة من صور الإيذاء المادة 542 كما يلي:

    “إذا جاوز التعطيل عن العمل العشرين يوما قضي بعقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات فضلا عن الغرامة السابق ذكرها”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- عندما تتجاوز مدة التعطيل عن العمل العشرين يوما يطبق نص المادة 542 حتى ولو استمر التعطيل لمدة طالت أم قصرت، بشرط أن يكون مؤقتا، أي أن تكون الإصابة قابلة للشفاء.

    أما إذا تجاوز التعطيل العشرين يوما وكانت الإصابة غير قابلة للشفاء، فهذا يعني أن فعل الإيذاء قد أدى إلى إحداث عجز دائم .

    بالتالي لا يطبق نص المادة 542 في هذه الحالة، بل يصبح نص المادة 543 هو الواجب التطبيق.

    2- ليس لتنازل المجني عليه عن دعواه في هذه الجريمة أي أثر، لا على الدعوى ولا على العقوبة. بخلاف النصين السابقين.

    وإن جاز للقاضي اعتبار هذا التنازل مبررة لمنح المدعى عليه سبية مخففة تقديرية.

  • جنحة الايذاء المقصود اذا كان التعطيل عن العمل من 11 – 20 يوم

    الإيذاء المفضي إلى تعطيل عن العمل المدة تتراوح بين إحدى عشرة يوما وعشرين يوما.

    نصت على هذه الصورة المشددة من صور الإيذاء المادة 541 كما يلي:

    “1- إذا نجم عن الأذي الحاصل تعطیل شخص عن العمل مدة تزيد عن عشرة أيام عوقب المجرم بالحبس مدة لا تتجاوز السنة وبغرامة خمسين ليرة على الأكثر أو بإحدى هاتين العقوبتين.

    2- وإذا تنازل الشاکی عن حقه خفضت العقوبة إلى النصف”.

    بتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- إن معيار العقاب على هذه الجريمة هو أن يؤدي الإيذاء إلى تعطيل عن العمل لمدة تتجاوز العشرة أيام ولا تتجاوز العشرين يوما، بخلاف جرم الإيذاء البسيط الذي يعاقب عليه سواء نتج عن الإيذاء تعطيل عن العمل لم يتجاوز العشرة أيام أو لم ينتج عن الإيذاء أي تعطيل.

     2- إن مفهوم التعطيل عن العمل الذي يعتد به هو العجز عن القيام بالأعمال الجسدية أو البدنية المعتادة ، كالمشي أو تحريك الرجل أو الذراع… الخ، وليس العجز عن القيام بالأعمال المهنية، أي الأعمال المرتبطة بوظيفة المجني عليه، سواء كانت بدنية أم ذهنية.

     فلو أصيب لاعب كرة قدم إصابة أعجزته عن ممارسة اللعب مدة شهرين، لكنها لم تعجزه عن السير بها .

    أو أصيب موسيقي يعزف على الكمان في يده إصابة منعته من القدرة على العزف، إلا أنها لم تحل دون قيامه بالأعمال الجسدية او الفكرية المعتادة، لا يمكن اعتبار ذلك تعطيلا عن العمل في هاتين الفرضيتين.

     بالمقابل لو أصيب شاعر أو أديب إصابة أقعدته في فراشه، ومنعته من القدرة على تحريك إحدى ساقيه، يعتبر ذلك تعطيلاً عن العمل وإن لم يحل ذلك دون قيامه بالتأليف أو بتدوين الشعر.

    3- إن مفهوم التعطيل عن العمل لا يقتصر على عجز المجني عليه التام عن القيام بالأعمال البدنية، بل يشمل أيضا العجز الجزئي .

    بالتالي يتوفر التعطيل عن العمل وان استطاع المجني عليه أن يباشر من غير إجهاد بعض الأعمال الحياتية الخفيفة، كالأكل والشرب والكلام، بينما هو عاجز عن مزاولة الأعمال البدنية العادية كالمشي مثلا.

     وتحديد درجة العجز أو التعطيل عن العمل مسألة يعود تقديرها القاضي الموضوع الذي يسترشد بتقرير الخبرة الطبية.

    4 – لا بد لتطبيق المادة 541 أن تتجاوز مدة التعطيل العشرة أيام، وأن لا تتجاوز العشرين يوماً .

    فما دون العشرة أيام نكون بصدد جنحة الإيذاء البسيط الواردة في المادة 540، وما فوق العشرين يوما نكون بصدد الجريمة الواردة في المادة 542.

    ويدخل في حساب مدة التعطيل عن العمل اليوم الذي ارتكب فيه الفاعل الضرب أو الجرح أو الإيذاء، واليوم الذي ينتهي به العجز عن العمل.

    5- إن العقوبة التي تفرض على مرتكب الجرم الوارد في المادة 541 هي الحبس من عشرة أيام حتى السنة والغرامة البسيطة، وترك المشرع للقاضي الخيار بين الحكم بهما معا أو بإحداهما فقط.

    6- لم يربط المشرع مصير هذه الدعوى بيد المجني عليه.

    فالنيابة العامة تستطيع من تلقاء نفسها تحريك الدعوى العامة فيها دون تقديم شكوى من المتضرر. ويقتصر تأثير المجني عليه في هذه الدعوى على تخفيض عقوبة الجريمة حتى نصفها إذا تنازل عن دعواه.

  • جنحة الايذاء المقصود اذا كان التعطيل عن العمل تحت 10 أيام

    الإيذاء البسيط

    تنص المادة 540 على هذه الصورة كما يلي:

    “1- من أقدم قصدا على ضرب شخص أو جرحه أو إيذائه، ولم ينجم عن هذه الأفعال تعطيل شخص عن العمل المدة تزيد عن عشرة أيام، عوقب بناء على شكوى المتضرر بالحبس ستة أشهر على الأكثر، أو بالحبس التكديري وبالغرامة من خمس ليرات إلى خمس وعشرين ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

    2- ان تنازل الشاكي يسقط الحق العام، ويكون له على العقوبة ما لصفح المدعي الشخصي من المفعول”.

    إن الجرم الوارد في هذا النص يمكن اعتباره الجرم الأساس لجرائم الإيذاء. أما جرائم الإيذاء الأخرى فليست سوى صور مشددة عن هذه الجريمة تبعا لخطورة الإصابة اللاحقة بالمجني عليه.

    والواضح من نص المادة 540 أنها لا تتطلب لقيام هذه الجريمة سوى توافر الركنين المادي والمعنوي على الوجه السابق بيانه.

    وبتحليل هذا النص يمكننا استخلاص النتائج التالية:

    1- إن هذه الجنحة هي أبسط جرائم الإيذاء وأقلها ضررا.

    لذلك قرر لها المشرع عقوبة خفيفة، وترك فيها القاضي الخيار بين الحكم على المدعى عليه إما بالحبس من عشرة أيام إلى ستة أشهر، وهي عقوبة جنحية، وإما الحبس التكديري من يوم إلى عشرة أيام والغرامة البسيطة، وهي عقوبة مخالفة.

    2- لقد ربط المشرع مصير هذه الدعوى بيد المجني عليه بشكل مطلق.

    حيث قيد سلطة النيابة العامة في تحريك دعوى الحق العام في هذه الجريمة بتقديم شكوى من المجني عليه.

    بالتالي لا تستطيع النيابة العامة تحريك الدعوى فيها من تلقاء نفسها.

    3- إن تنازل المجني عليه عن شكواه يسقط دعوى الحق العام إذا كانت الدعوى قد رفعت، ويوقف تنفيذ العقوبة إذا كان قد صدر حكم بها.

    ومع ذلك تحسب هذه العقوبة في تطبيق أحكام وقف التنفيذ ووقف الحكم النافذ وإعادة الاعتبار والتكرار واعتياد الإجرام .

    أما إذا كان الحكم لم يصدر بعقوبة، وإنما بتدبير إصلاحي أو احترازي فلا تأثير التنازل المجني عليه عن شكواه على هذه التدابير .

  • الركن المعنوي في جريمة الايذاء المقصود

    الركن المعنوي

    إن جريمة الإيذاء لا تتطلب سوى القصد الجرمي العام بعنصرية: العلم والإرادة.

     العلم بأركان الجريمة، وإرادة ارتكاب الفعل وإرادة تحقيق نتيجته .

    1- العلم:

     يتوجب أن يكون الفاعل عالمة وقت ارتكاب الفعل بأن فعله يقع على جسم إنسان حي. وينتفي القصد لانتفاء العلم إذا ظن الفاعل أنه يوجه فعله إلى جثة فارقتها الحياة، في حين أن المجني عليه كان مغمى عليه ولا يزال حياً.

     أو إذا أطلق الصياد النار على شجرة معتقدا بوجود طائر عليها فإذا به إنساناً.

     وان أمكن ملاحقته عن إيذاء غير مقصود إذا توفر الخطأ بفعله بإحدي صوره الثلاثة.

    كما يتوجب أن يكون الفاعل عالما بأن من شأن فعله المساس بسلامة المجني عليه.

     وينتفي القصد لانتفاء العلم إذا قدم الفاعل للمجني عليه مادة يعتقد أنها الدواء الذي يتناوله، فإذا بها مادة سامة.

    ويتوجب أخيرا أن يتوقع الفاعل أن فعله سيترتب عليه مساس بسلامة جسم المجني عليه، أي أن يتوقع النتيجة الجرمية، ذلك أنه بغير هذا التوقع لا تتصور إرادة هذه النتيجة التي تعد جوهر القصد.

    فلتوافر القصد الجرمي لا بد أن يتوقع الفاعل المساس الذي طال جسم المجني عليه كأثر لفعله، ولا يغني عن ذلك أنه كان في استطاعته توقع ذلك، ففي هذه الحالة لا ينسب إليه سوى جريمة إيذاء غير مقصود.

     فإذا قدم الفاعل للمجني عليه مادة سامة ليستعملها في إبادة حشرات حديقته، فقام المجني عليه بتناولها، ينتفي القصد في هذه الجريمة.

    2- الإرادة:

     يتوجب أن تتوجه إرادة الفاعل نحو الفعل الذي قام به، ونحو إيذاء المجني عليه أو المساس وجوب توجه الإرادة نحو الفعل والنتيجة.

    فإذا لم تتوجه الإرادة إلى الفعل، لكون الفاعل مكرها على الضرب أو الجرح أو الإيذاء ينتفي القصد الجرمي لديه.

    وكذلك ينتفي هذا القصد إذا لم تتجه الإرادة إلى تحقيق النتيجة، أي المساس بسلامة جسم المجني عليه، ولو اتجهت أساساً حرة مختارة إلى الفعل، في حالة إذا كان الفاعل لم يتوقع هذه النتيجة إطلاقا، أو أنه توقع حدوثها ولم يرضى بها.

    وتطبيقاً لذلك ينتفي القصد الجرمي لانتفاء إرادة النتيجة في حالة قيام شخص بإطلاق الرصاص ابتهاجاً في مناسبة ما، فيصيب أحد الأشخاص بجروح.

     أو قيام شخص بقذف حجر نحو كلب لإبعاده عنه فيصيب احد الأشخاص.

     وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من تخلف القصد الجرمي في هذه الحالات، فإن الفاعل قد يلاحق عن إيذاء غير مقصود إذا ثبت لديه الخطأ.

    ولكن الفاعل عندما يتوقع النتيجة كأثر لفعله فيقبل احتمال وقوعها، أي يقبل بالمخاطرة، فنكون أمام جريمة مقصودة استنادا للقصد الاحتمالي الذي يستوي مع القصد المباشر من حيث قيام الركن المعنوي.

    ومتى توفر القصد الجرمي بالشكل السالف بیانه تحقق الركن المعنوي في جريمة الإيذاء.

     وهذا القصد كاف لوحده لمساءلة الفاعل بصرف النظر عن وجود نية خاصة تتمثل بالإضرار بالمجني عليه أم لا.

    فنية الإضرار ليست عنصراً من عناصر القصد. فالفاعل يسأل عن إيذاء مقصود ولو كانت نيته قد اتجهت إلى المزاح أو إلى شفاء المجني عليه، أو إلى إنقاذه بدفعه کي لا يصاب بطلقة نارية مثلا.

     فهذه النوايا ليست سوى بواعث لا تأثير لها في قيام القصد الجرمي، والقاعدة أن البواعث لا عبرة لها ولو كانت شريفة، وإن يقام لها وزن في تقدير العقاب .

    كما لا يؤثر في قيام القصد الجرمي وقوع غلط في شخص المجني عليه، أي الخطأ في توجيه الفعل، أو غلط في الشخصية.

     وتطبيقاً لذلك يتوفر الإيذاء المقصود بحق من قذف خصمه بحجر فأخطأه وأصاب أخر، أو ضرب شخصا أعتقد خطأ أنه غريمه، كذلك لا يؤثر في قيام القصد كونه محددا أو غير محدد. فتكون الجريمة مقصودة ولو كان الفاعل أراد من فعله إيذاء شخص أو أشخاص لا على التعيين.

    وتطبيقا لذلك يقوم جرم الإيذاء المقصود بمواجهة الشخص الذي يلقي حجرة على مجموعة من الأشخاص مریدا إصابة أي منهم. أو الشخص الذي يضع مواد ضارة في بئر يشرب منه أهل القرية التي يوجد بها.

    ونشير أخيرا إلى أنه لا عبرة أيضا لرضاء المجني عليه بما وقع عليه من ضرب أو جرح أو إيذاء. فهذا الرضا لا ينفي القصد الجرمي ولا يبيح الفعل، ما دام الفاعل قد ارتكب الايذاء عن علم و إرادة.

  • هل يعاقب القانون على الشروع في جريمة الايذاء القصود؟

    هل يعاقب على الشروع في جرائم الإيذاء المقصود؟

     إن القواعد العامة في التشريع السوري تقضي بالعقاب على الشروع في الجنايات إطلاقا. أما الجنح فلا عقاب على الشروع فيها إلا بنص.

     ولا عقاب على الشروع في المخالفات إطلاقا.

    وباعتبار أن جرائم الإيذاء منها ما هو جنحي الوصف، وهي المستندة على معيار التعطيل عن العمل.

     ومنها ما هو جنائي الوصف وهي: الإيذاء المفضي إلى الموت، أو العامة الدائمة، أو إجهاض حامل مع العلم بحملها . ولم ينص المشرع صراحة على عقاب الشروع في جنح الإيذاء المقصود فلا مجال لبحث هذه المسألة بشأنها.

    أما جنايات الإيذاء المقصود فيرى بعض الفقه، أنه لا عقاب على الشروع فيها لأنه لا يتصور فيها الشروع أصلا.

     وحجتهم أن جنايات الإيذاء هي جرائم ذات نتائج تجاوز قصد الفاعل، أي متعدية القصد، فلا يتصور وفق القواعد العامة الشروع فيها.

     فجرائم الإيذاء لا تتحدد طبيعتها إلا إذا وقعت النتيجة فعلا، فإذا لم تقع فلا يمكن عقلا

     

    أن يسأل الفاعل عن شروع.

     فلو هم شخص بضرب خصمه بعصا ، فتدخل شخص أخر حال دون إصابة الخصم، فما هو الأساس الذي يمكن أن توصف بموجبه هذه الواقعة بالشروع؟

    فهذه الضربة لو أصابت الخصم، كان يمكن أن تؤدي إلى تعطيل عن العمل مدة أقل أو أكثر من عشرة أيام، أو إلى الوفاة، أو إلى إحداث عاهة دائمة.

     فمن الواضح أنه ما دام لا يمكن تحديد طبيعة الجريمة فلا يمكن القول بوجود شروع. والنتيجة الجرمية هي التي تحدد طبيعة هذه الجريمة، واستنادا إليها يكون العقاب.

     وإذا عدنا إلى قاعدة العقاب على الشروع في الجنايات إطلاقا، فيجب التحقق ذلك أن تتوفر أركان الشروع.

     فالشروع يفترض أن تتجه إرادة الفاعل إلى تحقيق نتيجة معينة، ويبدأ بالتنفيذ لتحقيق هذه النتيجة، فيتدخل ظرف خارجي يحول دون ذلك.

    وجرائم الإيذاء تفترض أن الفاعل أراد من فعله تحقيق نتيجة معينة، ولكن حدثت نتيجة أشد جسامة لم يكن يقصدها.

    فمن الطبيعي أن يكون الشروع غير متصور بالنسبة للنتيجة الجسيمة، لأن القصد لم يتجه إليها بالأصل، و هذا يعني انتفاء أحد أركان الشروع.

    وباعتبار أنه يوجد في القانون السوري ثلاث حالات للإيذاء الجنائي، وهي:

    الإيذاء المفضي إلى الموت، وإلى إحداث عاهة دائمة، وإلى إجهاض حامل مع العلم بحملها. يمكننا أن نستخلص أن بعضها لا يتصور فيه الشروع وبعضها الآخر يتصور الشروع فيه.

    فالإيذاء المفضي إلى الموت أو إلى الإجهاض مع العلم بالحمل لا يمكن تصور الشروع فيهما لأن النصوص فيها تعاقب من أجل حصول نتيجة جرمية معينة، الموت أو إسقاط الحمل، ويشترط أن لا يكون الفاعل قد قصد إحداث هذه النتيجة، وبالتالي لا شروع لاستحالة توافر شروطه القانونية.

    أما جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة فيتصور الشروع فيها عندما يتوافر لدى الفاعل قصد إحداث العاهة، ويبدأ بالتنفيذ، ولا تحصل النتيجة لأسباب خارجة عن إرادته.

    وتطبيقا لذلك إذا هم أحد الأشخاص بفقء عين خصمه أو قطع ذراعه أو أذنه أو عضوه التناسلي، ثم تدخل شخص أخر وحال دون تحقيق النتيجة التي كان الفاعل يرغب في تحقيقها، يمكن ملاحقة هذا الشخص کشارع في جناية الإيذاء المفضي إلى إحداث عاهة دائمة ومعاقبته استنادا لذلك.

  • الركن المادي في جريمة الايذاء الممقصود

    تنص المادة 540 من قانون العقوبات على أن” من أقدم قصدا على ضرب شخص أو جرحه أو إيذائه” هذا النص يحدد الركن المادي لجرائم الإيذاء أيا كانت صورتها.

    والركن المادي لجرائم الإيذاء، كغيره من الجرائم، يقوم على ثلاثة عناصر: النشاط والنتيجة والعلاقة السببية التي تربط بين النشاط والنتيجة.

    والنشاط في هذه الجرائم هو كل سلوك من شأنه المساس بسلامة الجسم.

     أما النتيجة فهي لا تثير أية صعوبة، فهي تتمثل فيما يترتب على النشاط من مساس بحق المجني عليه في سلامة جسمه، سواء كان حقه في المحافظة على الوضع الصحي الذي عليه الجسم، أو الحق في الاحتفاظ بكل أعضاء الجسم سليمة، أو الحق في التمتع بانعدام الإحساس بالألم، فكل نشاط يسبب ألما للمجني عليه تتحقق به النتيجة الجرمية ولو لم يترتب عليه مساسا بالوضع الصحي للجسم، أو مساس بأحد أعضاء الجسم، كصفعة بسيطة على الوجه أو جذب الشعر مثلاً.

    كذلك العلاقة السبية لا تثير أية صعوبة، فهي تخضع في تحديدها لذات الضوابط التي شرحناها فيما يتعلق بجرم القتل والتي حددتها المادة 203 من قانون العقوبات، والتي نلخصها بأن علاقة السببية تتوفر بين النشاط والنتيجة ولو ساهمت مع النشاط بعض العوامل المألوفة التي كان في إمكان الفاعل ومن واجبة توقعها، كمرض المجني عليه السابق، أو إهماله علاج نفسه.

    ولكن هذه العلاقة تنقطع إذا تدخل عامل لاحق للنشاط و مستقل عنه و غير مألوف في ظروف ارتكابه وكاف بحد ذاته لإحداث النتيجة، كاصطدام سيارة المجني عليه أثناء نقله إلى المستشفى أو الخطأ الجسيم من الطبيب الذي تولى علاجه أو احتراق المستشفى الذي يعالج بها.

    أما فيما يتعلق بالعنصر الأول من عناصر الركن المادي، وهو النشاط، فلقد حدد المشرع في صلب المادة 540 صورة ثلاثة له وهي: الضرب أو الجرح أو الإيذاء.

    وإن كان يمكن للمشرع، بتقديرنا، أن يستغني عن الضرب والجرح والاكتفاء بعبارة الإيذاء وحدها التي يدخل في مضمونها الضرب والجرح وغيرهما من أنواع الاعتداءات على سلامة الجسم أيا كانت صورها وطرق تنفيذها.

    ولكن ما دام المشرع قد استعمل هذه العبارات فلا بد من تحديد معانيها بدقة.

    أولا- الضرب:

    هو كل ضغط يقع على جسم المجني عليه دون أن يحدث به تمزيقاً.

     ولو لم يترتب على الضغط آثار، کاحمرار الجلد، أو ينشأ عنه أي عجز.

    وسيان أن يكون الضرب جسيمة أو بسيطة، أنتج أثر أم لم ينتج، استوجب علاجا أم لا، عطل عن العمل أم لا.

    فالضرب معاقب عليه في جميع هذه الحالات وإن حصل باليد مرة واحدة فقط.

    وسيان أن يكون الضرب أيضا باليد صفعة أو لكما، أو بالقدم، أو لوي الذراع، أو الضغط على العنق، أو الطرح أرضا، أو أن يقع باستخدام أداة في تنفيذه كالعصا أو الحجر أو غيرها. ويستوي في الضرب أن يسبب ألما للمجني عليه أو لا يسبب له ذلك، فتقع الجريمة إذا مس الفعل جسم مغمى عليه دون أن يمزق أنسجته.

    ثانيا- الجرح:

    هو تمزيق جزء من أنسجة الجسم، سواء أكان التمزيق سطحية بالجلد، أو داخليا ينال من الأنسجة التي يغطيها الجلد، أو الأعضاء الداخلية كالمعدة أو الكبد أو الرئة، أو أحد الشرايين أو الأوردة أو الأعصاب أو العظام، وسواء أن يكون التمزيق كبيرا كقطع بسكين أو ضئيلا كوخز بإبرة.

    وسواء أن ينبثق منه الدم خارج الجلد، أو ينتشر تحت الجلد فيبدو الجلد أزرق اللون، أو أن يتدفق في عمق الجسم كتمزق في المعدة أو الأمعاء.

     ويستوي أيضا أن يكون التمزيق قد سبب ألما للمجني عليه أو لا يكون كذلك، فيتحقق الجرح ولو لم يشعر المجني عليه بألم، كما لو كان مخدرا أو مغمى عليه.

    ولا أهمية لكيفية تحقق الفعل، فيستوي أن يقع التمزيق بدفع وسيلة الاعتداء نحو المجني عليه أو بدفعه هو نحوها.

    ولا أهمية أيضا للوسائل المستخدمة في التمزيق فقد يستعمل الفاعل أحد أعضاء جسمه، كركل المجني عليه بالقدم أو دفعه بقبضة اليد أو عضه، وقد يستعمل أداة كسلاح أو ألة قاطعة أو راضة أو واخذة كالسكين و العصا والحجارة والإبرة. وقد يستخدم حيوانا، كدفع كلب على عض المجني عليه.

    كما قد يستعين بقوة طبيعية كتسليط أشعة حارقة أو تيار كهربائي على المجني عليه.

    كما يستوي أخيراً أن يكون النشاط مباشرة أو غير مباشر فيقع الفعل إذا دفع الفاعل المجني عليه للمرور في طريق به حفرة فوقع بها.

    ثالثا- الإيذاء:

     قد يعتدي الفاعل على سلامة جسم المجني عليه محدث له اضطراب في صحته أو قواه البدنية أو العقلية دون أن يشكل اعتدائه ضرباً أو جرحاً. فهذه التعابير لا تشمل كل أنواع الأنشطة التي تمس السلامة الجسدية للإنسان.

    فلو سلط الفاعل على غريمه أشعة ألفت عضو من أعضائه الداخلية دون أن تحدث تمزيقا به، أو نقل إليه جرثومة بالطعام أو الشراب أو الاتصال الجنسي، أو قدم له في طعامه مادة ضارة، أو أطلق رصاصة بجواره قاصدا إز عاجه فيترتب على ذلك اضطرابه عصبية، أو وضع ملابسه مع ملابس مريض بمرض جلدي كي ينقل إليه العدوى، أو أن يبعث أصواتا غريبة في أوقات معينة بجوار غرفة نومه بقصد إيذائه فيختل جهازه العصبي.

    فلا جدال في أن كل هذه الأفعال تمس السلامة الجسدية للإنسان دون أن تعد ضرباً أو جرحاً له.

     وهذه ما حدا بالمشرع السوري إلى إيراد عبارة الإيذاء، جنبا إلى جنب مع الضرب والجرح، كي تشمل كافة صور الاعتداء على سلامة الإنسان الجسدية وتؤذيه على نحو قد يكون أشد من الضرب أو الجرح.

    كما يدخل ضمن مفهوم الإيذاء أفعال العنف الخفيفة التي يقصد بها المساس بالسلامة الجسدية مثل قص الشعر عنوة و قرص الأذن والبصق في الوجه وما إلى ذلك.

    ومن التطبيقات الطريفة لذلك في القضاء المصري أن شخصا أراد الانتقام من فتاة رفضت الزواج به، فقص شعرها وهي نائمة فقدم للمحاكمة بتهمة السرقة، لكن المحكمة طبقت القانون تطبيقا سليما فقضت باعتبار الواقعة إيذاء خفيفا”

    وتجدر الإشارة هنا أن عبارة الإيذاء يتسع معناها لجميع صور الاعتداء على سلامة الإنسان مادية كانت أو معنوية.

     فسيان أن يتجلى الاعتداء بصورة نشاط مادي ملموس كالضرب أو الجرح أو الدفع وما إلى ذلك، أو يتجلی بصورة تعذيب نفسي أو إرهاق عصبي أو قصة مفجعة أو نبأ مزعج بحيث يؤثر في صحة المجني عليه أو في قواه العقلية.

    فطبيعة فعل الاعتداء مادية أم معنوية تصلح لتكوين الركن المادي لجرم الإيذاء مع تسليمنا بصعوبة إثبات القصد الجرمي و الرابطة السببية بين النشاط المعنوي والنتيجة الضارة.

    كما تتسع عبارة الإيذاء في معناها لتشمل النشاط الإيجابي والسلبي أيضا. فالامتناع يصلح لتكوين الركن المادي الجرم الإيذاء شريطة أن يكون على الفاعل واجب قانوني أو عقدي للقيام بالفعل الذي امتنع عنه.

1