الاحتيال عن طريق تلفيق أكذوبة أيدها شخص ثالث مع أمثلة عنها

, , 1 Comment

هذه الوسيلة الثانية من وسائل الاحتيال التي عددتها المادة 641، وعبرت عنها بعبارة

 “تلفيق أكذوبة أيدها شخص ثالث ولو عن حسن نية.

 وكما أشرنا سابقا بأن الوسيلة الأولى، وهي استعمال الدسائس، تشكل النموذج العام للكذب المدعم بمظاهر خارجية، وهذا المظاهر يجب أن تتمثل بأشياء مادية أو بشخص الفاعل نفسه دون سواه.

أما هذه الوسيلة الثانية فتشكل نموذجاً خاصاً للكذب المدعم بمظاهر خارجية، وهذه المظاهر لا تتمثل إلا بتدخل شخص ثالث.

ولا ريب في أن الإنسان يتشكك عادة بالمزاعم الصادرة عن شخص واحد، ويزداد تشككه حين يكون من شأن تصديق هذه المزاعم تجريده من بعض ماله.

 إلا أن تدخل شخص أخر يؤيد مزاعم المحتال يجعل من هذه الإدعاءات أقرب إلى التصديق من قبل المجني عليه، لاسيما إذا كان هذا الشخص يبدو محايداً لا مصلحة له من تدخله، أو إذا كان ظاهر الحال يوحي بأنه ليس له مصلحة في الكذب، أو كان يبدو من تدخله الرغبة في الخير أو في تحقيق مصلحة المجني عليه على وجه الخصوص.

ويشترط لاعتبار الاستعانة بشخص ثالث من وسائل الاحتيال شرطان :

الأول:

أن يكون المحتال هو الذي حمل الشخص الثالث على التدخل ودفعه إلى تأكيد أكاذيبه. أما إذا تدخل هذا الشخص تطوعا لتأييد هذه الأكاذيب، فإن هذا التدخل لا يشكل هذه الوسيلة الاحتيالية، ولا تقوم مسئولية الفاعل في هذه الحالة لأن فعله لم يخرج عن حدود الكذب المجرد الذي لا يرقى لمرتبة الوسائل الاحتيالية .

 وعندما يحمل المحتال شخص ثالثاً على التدخل لتأييد كذبه تقوم هذه الوسيلة الاحتيالية سواء أكان الشخص الثالث غريبة حسن النية أو كان شريكا للفاعل.

 وتطبيقاً لذلك إذا أيد شخصان كل منهما الآخر في أنه قادر على استحضار الأرواح ومخاطبة الجن، وأكد كل منهما صحة مزاعم الأخر في أنه قادر على ذلك، فإن هذا التأييد يعتبر من قبيل تدخل شخص ثالث، ويعتبر الشخصين فاعلين أصليين لجرم الاحتيال.

أما إذا زعم أحدهما هذه القدرة و أيده الأخر مع علمه بكذبه، فالأول فاعل و الثاني شريك.

 أما إذا كان الشخص الثالث حسن النية، وكان هو الأخر مغشوشاً ومخدوعاً بكذب المحتال، فيقوم الجرم على الفاعل ولا يسأل الشخص الثالث.

إلا أنه يشترط دائما لقيام هذه الوسيلة الاحتيالية أن يكون الشخص الثالث قد تدخل بسعي المحتال وتدبيره وإرادته لا من تلقاء نفسه بغير طلب أو اتفاق.

 والثاني:

أن يضيف الشخص الثالث بتدخله إلى مزاعم المحتال شيئاً جديداً يجعل هذه المزاعم أكثر ثقة وأحرى بالقبول لدى المجني عليه.

أما إذا كان هذا الشخص مجرد رسول يبلغ المجني عليه أكاذيب المحتال دون أن يضيف إليها شيئا من عنده، فلا تتوفر بتدخله هذه الوسيلة الاحتيالية لأن تدخله لم يشكل سوى ترديد الأكاذيب الفاعل، ولم يضف شيئا جديدة عليها. لكن الوضع يتغير وتتحقق هذه الوسيلة إذا تجاوز الرسول حدود مهمته وأضاف أقوالا صادرة عنه ولها ذاتيتها المستقلة عن أكاذيب المحتال، مما عزز ودعم هذه الأكاذيب وكان لها تأثير في تصديق المجني عليه لها ووقوعه في حبائل المحتال يتسليمه مالا بناء على هذا التدخل.

نخلص من ذلك أنه لا بد لقيام هذه الوسيلة الاحتيالية من أن يكون تدخل الشخص الثالث قد حصل بسعي المحتال و تدبيره، وأن يكون هذا التدخل صادرة عن شخص المتدخل وليس مجرد ترديد الأكاذيب المحتال .

ومتى توفر هذان الشرطان فلا أهمية بعد ذلك للطريقة التي تم بها تدخل الشخص الثالث، فقد تكون مباشرة في صورة القول الشفوي الذي يصدر عن هذا الشخص أثناء حديث المحتال مع المجني عليه، وقد تكون غير مباشرة في صورة الاتصال بالمجني عليه بأية وسيلة كانت بالكتابة أو بالهاتف أو بأية وسيلة اتصال أخرى .

 ويستوي في قيام هذه الوسيلة أن يكون الشخص الثالث مستخدمة لدى المحتال أو أن يكون وكيلا له، أو أن يكون وكيلا للمجني عليه، أو أن لا تكون له صلة بهما أصلاً.

 كما يستوي أن يكون الشخص الثالث حسن النية مخدوعا هو الأخر بأكاذيب المحتال، وسخره المحتال لمصلحته، أو أن يكون سيء النية تدخل إضرارا بالمجني عليه.